💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( كَانَ عُمَر يُدْخِلنِي مَعَ أَشْيَاخ بَدْر ) أَيْ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , وَكَانَتْ عَادَة عُمَر إِذَا جَلَسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ عَلَى قَدْر مَنَازِلهمْ فِي السَّابِقَة , وَكَانَ رُبَّمَا أَدْخَلَ مَعَ أَهْل الْمَدِينَة مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ فِيهِ مَزِيَّة تَجْبُر مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ. قَوْله : ( فَكَأَنَّ بَعْضهمْ وَجَدَ ) أَيْ غَضِبَ وَلَفْظ " وَجَدَ " الْمَاضِي يُسْتَعْمَل بِالِاشْتِرَاكِ بِمَعْنَى الْغَضَب وَالْحُبّ وَالْغِنَى وَاللِّقَاء , سَوَاء كَانَ الَّذِي يُلْقَى ضَالَّة أَوْ مَطْلُوبًا أَوْ إِنْسَانًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ. قَوْله : ( لِمَ تُدْخِل هَذَا مَعَنَا , وَلَنَا أَبْنَاء مِثْله ) ؟ وَلِابْنِ سَعْد مِنْ طَرِيق عَبْد الْمَلَك بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْر " كَانَ أُنَاس مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَجَدُوا عَلَى عُمَر فِي إِدْنَائِهِ اِبْن عَبَّاس " وَفِي تَارِيخ مُحَمَّد بْن عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عَاصِم بْن كُلَيْب عَنْ أَبِيهِ نَحْوه وَزَادَ " وَكَانَ عُمَر أَمَرَهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّم حَتَّى يَتَكَلَّمُوا , فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْء فَلَمْ يُجِيبُوا. وَأَجَابَهُ اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ عُمَر : أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْل هَذَا الْغُلَام ؟ ثُمَّ قَالَ : إِنِّي كُنْت نَهَيْتُك أَنْ تَتَكَلَّم فَتَكَلَّمْ الْآن مَعَهُمْ. وَهَذَا الْقَائِل الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ هُنَا بِقَوْلِهِ " بَعْضهمْ " هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الزُّهْرِيُّ أَحَد الْعَشَرَة كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْد الْمُصَنِّف فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر بِهَذَا الْإِسْنَاد " كَانَ عُمَر يُدْنِي اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ لَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف : إِنَّ لَنَا أَبْنَاء مِثْله " وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مِثْله أَيْ فِي مِثْل سِنّه , لَا فِي مِثْل فَضْله وَقَرَابَته مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَكِنْ لَا أَعْرِف لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف وَلَدًا فِي مِثْل سِنّ اِبْن عَبَّاس , فَإِنَّ أَكْبَر أَوْلَاده مُحَمَّد وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى , لَكِنَّهُ مَاتَ صَغِيرًا وَأَدْرَكَ عُمَر مِنْ أَوْلَاده إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَيُقَال إِنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَكِنَّهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُدْرِك مِنْ الْحَيَاة النَّبَوِيَّة إِلَّا سَنَة أَوْ سَنَتَيْنِ. لِأَنَّ أَبَاهُ تَزَوَّجَ أُمّه بَعْد فَتْح مَكَّة فَهُوَ أَصْغَر مِنْ اِبْن عَبَّاس بِأَكْثَر مِنْ عَشْر سِنِينَ , فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْمِثْلِيَّةِ غَيْر السِّنّ , أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " لَنَا " مَنْ كَانَ لَهُ وَلَد فِي مِثْل سِنّ اِبْن عَبَّاس مِنْ الْبَدْرِيِّينَ إِذْ ذَاكَ غَيْر الْمُتَكَلِّم. قَوْله : ( فَقَالَ عُمَر : إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ ) فِي غَزْوَة الْفَتْح مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ " إِنَّهُ مِمَّنْ عَلِمْتُمْ " وَفِي رِوَايَة شُعْبَة " إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ نَعْلَم " وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَرَابَته مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إِلَى مَعْرِفَته وَفِطْنَته , وَقَدْ رَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ " قَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِعُمَر : أَلَا تَدْعُو أَبْنَاءَنَا كَمَا تَدْعُوَا اِبْن عَبَّاس ؟ قَالَ ذَاكُمْ فَتَى الْكُهُول , إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا وَقَلْبًا عَقُولًا " وَأَخْرَجَ الْخَرَائِطِيّ فِي " مَكَارِم الْأَخْلَاق " مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ , وَالزُّبَيْر بْن بَكَّار مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن يَسَار قَالَا " قَالَ الْعَبَّاس لِابْنِهِ : إِنَّ هَذَا الرَّجُل - يَعْنِي عُمَر - يُدْنِيك , فَلَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا , وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْده أَحَدًا , وَلَا يَسْمَع مِنْك كَذِبًا " وَفِي رِوَايَة عَطَاء بَدَل الثَّالِثَة , وَلَا تَبْتَدِئْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلك عَنْهُ. قَوْله : ( فَدَعَا ذَات يَوْم فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ ) فِي رِوَايَة لِلْكُشْمِيهَنِيّ " فَدَعَاهُ " وَفِي غَزْوَة الْفَتْح " فَدَعَاهُمْ ذَات يَوْم وَدَعَانِي مَعَهُمْ ". قَوْله : ( فَمَا رُئِيت ) بِضَمِّ الرَّاء وَكَسْر الْهَمْزَة , وَفِي غَزْوَة الْفَتْح مِنْ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ " فَمَا أَرَيْته " بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَة وَالْمَعْنَى وَاحِد. قَوْله : ( إِلَّا لِيُرِيَهُمْ ) زَادَ فِي غَزْوَة الْفَتْح " مِنِّي " أَيْ مِثْل مَا رَآهُ هُوَ مِنِّي مِنْ الْعِلْم , وَفِي رِوَايَة اِبْن سَعْد فَقَالَ " أَمَا إِنِّي سَأُرِيكُمْ الْيَوْم مِنْهُ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ فَضْله ". قَوْله : ( مَا تَقُولُونَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) فِي غَزْوَة الْفَتْح " حَتَّى خَتَمَ السُّورَة ". قَوْله : ( إِذَا جَاءَ نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا ) فِي رِوَايَة الْبَاب الَّذِي قَبْله " قَالُوا فَتْح الْمَدَائِن وَالْقُصُور ". قَوْله : ( وَسَكَتَ بَعْضهمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ) فِي غَزْوَة الْفَتْح " وَقَالَ بَعْضهمْ لَا نَدْرِي أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضهمْ شَيْئًا ". قَوْله : ( قَالَ لِي أَكَذَاك تَقُول يَا اِبْن عَبَّاس ؟ قُلْت : لَا. قَالَ : فَمَا تَقُول ) ؟ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد " فَقَالَ عُمَر يَا اِبْن عَبَّاس أَلَا تَتَكَلَّم ؟ فَقَالَ : أَعْلَمَهُ مَتَى يَمُوت , قَالَ : إِذَا جَاءَ ". قَوْله : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) زَادَ فِي غَزْوَة الْفَتْح " فَتْح مَكَّة ". قَوْله : ( وَذَلِكَ عَلَامَة أَجَلك ) فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد " فَهُوَ آيَتك فِي الْمَوْت " وَفِي الْبَاب الَّذِي قَبْله " أَجَل أَوْ مَثَل ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ , نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسه , وَوَهَمَ عَطَاء بْن السَّائِب فَرَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي " أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقه , وَالصَّوَاب رِوَايَة حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت الَّتِي فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله بِلَفْظِ " نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسه " ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح نُعِيَتْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسه , فَأَخَذَ بِأَشَدّ مَا كَانَ قَطّ اِجْتِهَادًا فِي أَمْر الْآخِرَة " , وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي رَزِين عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ عَلِمَ أَنْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسه " , وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر " نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَة فِي أَوْسَط أَيَّام التَّشْرِيق فِي حَجَّة الْوَدَاع , فَعَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الْوَدَاع ". وَسُئِلْت عَنْ قَوْل الْكَشَّاف : أَنَّ سُورَة النَّصْر نَزَلَتْ فِي حَجَّة الْوَدَاع أَيَّام التَّشْرِيق , فَكَيْف صُدِّرَتْ بِإِذَا الدَّالَّة عَلَى الِاسْتِقْبَال ؟ فَأَجَبْت بِضَعْفِ مَا نَقَلَهُ , وَعَلَى تَقْدِير صِحَّته فَالشَّرْط لَمْ يَتَكَمَّل بِالْفَتْحِ , لِأَنَّ مَجِيء النَّاس أَفْوَاجًا لَمْ يَكُنْ كَمُلَ , فَبَقِيَّة الشَّرْط مُسْتَقْبَل. وَقَدْ أَوْرَدَ الطِّيبِيُّ السُّؤَال وَأَجَابَ بِجَوَابَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ " إِذَا " قَدْ تَرِد بِمَعْنَى " إِذْ " كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً ) الْآيَة. ثَانِيهمَا أَنَّ كَلَام اللَّه قَدِيم , وَفِي كُلّ مِنْ الْجَوَابَيْنِ نَظَر لَا يَخْفَى. قَوْله : ( إِلَّا مَا تَقُول ) فِي غَزْوَة الْفَتْح " إِلَّا مَا تَعْلَم " زَادَ أَحْمَد وَسَعِيد بْن مَنْصُور فِي رِوَايَتهمَا عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْر فِي هَذَا الْحَدِيث فِي آخِره " فَقَالَ عُمَر : كَيْف تَلُومُونَنِي عَلَى حُبّ مَا تَرَوْنَ " وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن سَعْد أَنَّهُ سَأَلَهُمْ حِينَئِذٍ عَنْ لَيْلَة الْقَدْر , وَذَكَرَ جَوَاب اِبْن عَبَّاس وَاسْتِنْبَاطه وَتَصْوِيب عُمَر قَوْله , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لِابْنِ عَبَّاس مَعَ عُمَر قِصَّة أُخْرَى فِي أَوَاخِر سُورَة الْبَقَرَة , لَكِنْ أَجَابُوا فِيهَا بِقَوْلِهِمْ : اللَّه أَعْلَم , فَقَالَ عُمَر : قُولُوا نَعْلَم أَوْ لَا نَعْلَم , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْء , الْحَدِيث. وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِابْنِ عَبَّاس وَتَأْثِير لِإِجَابَةِ دَعْوَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَلِّمهُ اللَّهُ التَّأْوِيل وَيُفَقِّههُ فِي الدِّين , كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْعِلْم. وَفِيهِ جَوَاز تَحْدِيث الْمَرْء عَنْ نَفْسه بِمِثْلِ هَذَا لِإِظْهَارِ نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِ , وَإِعْلَام مَنْ لَا يَعْرِف قَدْره لِيُنْزِلهُ مَنْزِلَته , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِد الصَّالِحَة , لَا لِلْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاة. وَفِيهِ جَوَاز تَأْوِيل الْقُرْآن بِمَا يُفْهَم مِنْ الْإِشَارَات , وَإِنَّمَا يَتَمَكَّن مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَسَخَتْ قَدَمه فِي الْعِلْم , وَلِهَذَا قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ : أَوْ فَهْمًا يُؤْتِيه اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآن.