💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( إِذَا نَزَلَ جِبْرِيل عَلَيْهِ ) فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي " كَانَ يُعَالِج مِنْ التَّنْزِيل شِدَّة " وَهَذِهِ الْجُمْلَة تَوْطِئَة لِبَيَانِ السَّبَب فِي النُّزُول , وَكَانَتْ الشِّدَّة تَحْصُل لَهُ عِنْد نُزُول الْوَحْي لِثِقَلِ الْقَوْل كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي مِنْ حَدِيث عَائِشَة , وَتَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثهَا فِي قِصَّة الْإِفْك " فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذهُ مِنْ الْبُرَحَاء " وَفِي حَدِيثهَا فِي بَدْء الْوَحْي أَيْضًا " وَهُوَ أَشَدّه عَلَيَّ " لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الشِّدَّة فِي الْحَالَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَكِنْ إِحْدَاهُمَا أَشَدّ مِنْ الْأُخْرَى. قَوْله : ( وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّك بِهِ لِسَانه وَشَفَتَيْهِ ) اِقْتَصَرَ أَبُو عَوَانَة عَلَى ذِكْر الشَّفَتَيْنِ وَكَذَلِكَ إِسْرَائِيل , وَاقْتَصَرَ سُفْيَان عَلَى ذِكْر اللِّسَان , وَالْجَمِيع مُرَاد إِمَّا لِأَنَّ التَّحْرِيكَيْنِ مُتَلَازِمَانِ غَالِبًا , أَوْ الْمُرَاد يُحَرِّك فَمه الْمُشْتَمِل عَلَى الشَّفَتَيْنِ وَاللِّسَان , لَكِنْ لَمَّا كَانَ اللِّسَان هُوَ الْأَصْل فِي النُّطْق اِقْتَصَرَ فِي الْآيَة عَلَيْهِ. قَوْله : ( فَيَشْتَدّ عَلَيْهِ ) ظَاهِر هَذَا السِّيَاق أَنَّ السَّبَب فِي الْمُبَادَرَة حُصُول الْمَشَقَّة الَّتِي يَجِدهَا عِنْد النُّزُول , فَكَانَ يَتَعَجَّل بِأَخْذِهِ لِتَزُولَ الْمَشَقَّة سَرِيعًا. وَبَيَّنَ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَشْيَة أَنْ يَنْسَاهُ حَيْثُ قَالَ " فَقِيلَ لَهُ لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانك تَخْشَى أَنْ يَنْفَلِت ". وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي رَجَاء عَنْ الْحَسَن " كَانَ يُحَرِّك بِهِ لِسَانه يَتَذَكَّرهُ , فَقِيلَ لَهُ إِنَّا سَنُحَفِّظُهُ عَلَيْك " وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ " كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ عَجَّلَ يَتَكَلَّم بِهِ مِنْ حُبّه إِيَّاهُ , وَظَاهِره أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّم بِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْهُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا مِنْ شِدَّة حُبّه إِيَّاهُ , فَأُمِرَ أَنْ يَتَأَنَّى إِلَى أَنْ يَنْقَضِي النُّزُول. وَلَا بُعْد فِي تَعَدُّد السَّبَب. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة " قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَأَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكهُمَا " وَقَالَ سَعِيد " أَنَا أُحَرِّكهُمَا كَمَا رَأَيْت اِبْن عَبَّاس يُحَرِّكهُمَا " فَأُطْلِقَ فِي خَبَر اِبْن عَبَّاس وَقُيِّدَ بِالرُّؤْيَةِ فِي خَبَر سَعِيد لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس لَمْ يَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَال , لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَبْدَأ الْمَبْعَث النَّبَوِيّ , وَلَمْ يَكُنْ اِبْن عَبَّاس وُلِدَ حِينَئِذٍ , وَلَكِنْ لَا مَانِع أَنْ يُخْبِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ بَعْد فَيَرَاهُ اِبْن عَبَّاس حِينَئِذٍ , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا عِنْد أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ مُسْنَده عَنْ أَبِي عَوَانَة بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ " قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَأَنَا أُحَرِّك لَك شَفَتِي كَمَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة إِبْرَاز الضَّمِير فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ فِيهَا " فَأَنَا أُحَرِّكهُمَا " وَلَمْ يَتَقَدَّم لِلشَّفَتَيْنِ ذِكْر , فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة. قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه ) أَيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ بِهَذَا مَنْ جَوَّزَ اِجْتِهَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَوَّزَ الْفَخْر الرَّازِيّ أَنْ يَكُون أُذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِعْجَال إِلَى وَقْت وُرُود النَّهْي عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَم وُقُوع الِاجْتِهَاد فِي ذَلِكَ , وَالضَّمِير فِي " بِهِ " عَائِد عَلَى الْقُرْآن وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر , لَكِنْ الْقُرْآن يُرْشِد إِلَيْهِ , بَلْ دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاق الْآيَة. قَوْله : ( عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعهُ فِي صَدْرك ) كَذَا فَسَّرَهُ اِبْن عَبَّاس وَعَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ تَفْسِيره بِالْحِفْظِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة " جَمْعه لَك فِي صَدْرك " وَرِوَايَة جَرِير أَوْضَح. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ مَعْنَى جَمْعه تَأْلِيفه. قَوْله : ( وَقُرْآنَهُ ) زَادَ فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل " أَنْ تَقْرَأهُ " أَيْ أَنْتَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ " وَتَقْرَأهُ بَعْد ". قَوْله : ( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ ) أَيْ قَرَأَهُ عَلَيْك الْمَلَك ( فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ , فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ) هَذَا تَأْوِيل آخَر لِابْنِ عَبَّاس غَيْر الْمَنْقُول عَنْهُ فِي التَّرْجَمَة. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ مِثْل رِوَايَة جَرِير , وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيل نَحْو ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة " فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ " وَلَا شَكّ أَنَّ الِاسْتِمَاع أَخَصّ مِنْ الْإِنْصَات لِأَنَّ الِاسْتِمَاع الْإِصْغَاء وَالْإِنْصَات السُّكُوت , وَلَا يَلْزَم مِنْ السُّكُوت الْإِصْغَاء , وَهُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى ( فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) وَالْحَاصِل أَنَّ لِابْنِ عَبَّاس فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ( أَنْزَلْنَاهُ ) وَفِي قَوْله : ( فَاسْتَمِعْ ) قَوْلَيْنِ. وَعِنْد الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ فِي قَوْله اِسْتَمِعْ : اِتَّبِعْ حَلَاله وَاجْتَنِبْ حَرَامه. وَيُؤَيِّد مَا وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث " فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيل أَطْرَقَ , فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ , وَالضَّمِير فِي قَوْله : ( فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) لِجِبْرِيل , وَالتَّقْدِير : فَإِذَا اِنْتَهَتْ قِرَاءَة جِبْرِيل فَاقْرَأْ أَنْتَ. قَوْله : ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ , عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنهُ بِلِسَانِك ) فِي رِوَايَة إِسْرَائِيل " عَلَى لِسَانك " , وَفِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة " أَنْ تَقْرَأهُ " وَهِيَ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْخِطَاب كَمَا هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور مِنْ أَهْل السُّنَّة , وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ , لِمَا تَقْتَضِيه " ثُمَّ " مِنْ التَّرَاخِي. وَأَوَّل مَنْ اِسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَة الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الطَّيِّب وَتَبِعُوهُ , وَهَذَا لَا يَتِمّ إِلَّا عَلَى تَأْوِيل الْبَيَان بِتَبْيِينِ الْمَعْنَى , وَإِلَّا فَإِذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد اِسْتِمْرَار حِفْظه لَهُ وَظُهُوره عَلَى لِسَانه فَلَا , قَالَ الْآمِدِيّ : يَجُوز أَنْ يُرَاد بِالْبَيَانِ الْإِظْهَار لَا بَيَان الْمُجْمَل , يُقَال بَانَ الْكَوْكَب إِذَا ظَهَرَ , قَالَ : وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاد جَمِيع الْقُرْآن , وَالْمُجْمَل إِنَّمَا هُوَ بَعْضه , وَلَا اِخْتِصَاص لِبَعْضِهِ بِالْأَمْرِ الْمَذْكُور دُون بَعْض. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ : يَجُوز أَنْ يُرَاد الْبَيَان التَّفْصِيلِيّ وَلَا يَلْزَم مِنْهُ جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان الْإِجْمَالِيّ , فَلَا يَتِمّ الِاسْتِدْلَال. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ إِرَادَة الْمَعْنَيَيْنِ الْإِظْهَار وَالتَّفْصِيل وَغَيْر ذَلِكَ , لِأَنَّ قَوْله " بَيَانه " جِنْس مُضَاف فَيَعُمّ جَمِيع أَصْنَافه مِنْ إِظْهَاره وَتَبْيِين أَحْكَامه وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ تَخْصِيص وَتَقْيِيد وَنَسْخ وَغَيْر ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث فِي بَدْء الْوَحْي وَأُعِيدَ بَعْضه هُنَا اِسْتِطْرَادًا.