💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ أَبِي إِسْحَاق ) هُوَ السُّبَيْعِيُّ , وَلِإِسْرَائِيل فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيقه عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي سَعْد الْأَزْدِيِّ عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم. قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم ) سَيَأْتِي بَعْد بَابَيْنِ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق تَصْرِيحه بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ زَيْد. قَوْله : ( كُنْت فِي غَزَاة ) زَادَ بَعْد بَاب مِنْ وَجْه آخَر عَنْ إِسْرَائِيل " مَعَ عَمِّي " وَهَذِهِ الْغَزَاة وَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْنِ كَعْب عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم عِنْد النَّسَائِيِّ أَنَّهَا غَزْوَة تَبُوك , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة زُهَيْر الْمَذْكُورَة " فِي سَفَر أَصَابَ النَّاس فِيهِ شِدَّة " وَأَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَرْتَحِل مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّي فِيهِ , فَلَمَّا كَانَ غَزْوَة تَبُوك نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ " فَذَكَرَ الْقِصَّة , وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْل الْمَغَازِي أَنَّهَا غَزْوَة بَنِي الْمُصْطَلِق , وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي حَدِيث جَابِر مَا يُؤَيِّدهُ , وَعِنْد اِبْن عَائِذ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي " الْإِكْلِيل " مِنْ طَرِيقه ثُمَّ مِنْ طَرِيق أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة أَنَّ الْقَوْل الْآتِي ذِكْره صَدَرَ مِنْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ بَعْد أَنْ قَفَلُوا. قَوْله : ( فَسَمِعْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ ) هُوَ اِبْن سَلُولَ رَأْس النِّفَاق , وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَره فِي تَفْسِير بَرَاءَة. قَوْله : ( يَقُول لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ ) هُوَ كَلَام عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ , وَلَمْ يَقْصِد الرَّاوِي بِسِيَاقِهِ التِّلَاوَةَ , وَغَلِطَ بَعْض الشُّرَّاح فَقَالَ هَذَا وَقَعَ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود وَلَيْسَ فِي الْمَصَاحِف الْمُتَّفَق عَلَيْهَا فَيَكُون عَلَى سَبِيل الْبَيَان مِنْ اِبْن مَسْعُود. قُلْت : وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ قَالَهَا قَبْل أَنْ يَنْزِل الْقُرْآن بِحِكَايَةِ جَمِيع كَلَامه. قَوْله : ( وَلَئِنْ رَجَعْنَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ " وَلَوْ رَجَعْنَا " وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَبَعْد الْوَاو مَحْذُوف تَقْدِيره سَمِعْته يَقُول , وَوَقَعَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده " وَقَالَ لَئِنْ رَجَعْنَا " وَهُوَ يُؤَيِّد مَا قُلْته. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب عَنْ زَيْد بَعْد بَاب " وَقَالَ أَيْضًا لَئِنْ رَجَعْنَا " وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث جَابِر سَبَب قَوْل عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ ذَلِكَ. قَوْله : ( فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَمِّي أَوْ لِعُمَر ) كَذَا بِالشَّكِّ , وَفِي سَائِر الرِّوَايَات الْآتِيَة لِعَمِّي بِلَا شَكٍّ , وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي سَعْد الْأَزْدِيِّ عَنْ زَيْد , وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ أَنَّ الْمُرَاد بِعَمِّهِ سَعْد بْن عُبَادَةَ وَلَيْسَ عَمّه حَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ سَيِّد قَوْمه الْخَزْرَج , وَعَمّ زَيْد بْن أَرْقَم الْحَقِيقِيّ ثَابِت بْن قَيْس لَهُ صُحْبَة , وَعَمّه زَوْج أُمّه عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة خَزْرَجِيّ أَيْضًا. وَوَقَعَ فِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة أَنَّ مِثْل ذَلِكَ وَقَعَ لِأَوْسِ بْن أَرْقَم فَذَكَرَهُ لِعُمَر بْن الْخَطَّاب سَبَب الشَّكّ فِي ذِكْر عُمَر , وَجَزَمَ الْحَاكِم فِي " الْإِكْلِيل " أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة وَهْم وَالصَّوَاب زَيْد بْن أَرْقَم. قُلْت : وَلَا يَمْتَنِع تَعَدُّد الْمُخْبِر بِذَلِكَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ , إِلَّا أَنَّ الْقِصَّة مَشْهُورَة لِزَيْدِ بْن أَرْقَم , وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيث أَنَس قَرِيبًا مَا يَشْهَد لِذَلِكَ. قَوْله : ( فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ ذَكَرَهُ عَمِّي , وَكَذَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ زَيْد " فَأَخْبَرْت بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَكَذَا فِي مُرْسَل قَتَادَةَ , فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْإِخْبَار مَجَازًا , لَكِنْ فِي مُرْسَل الْحَسَن عَنْ عَبْد الرَّزَّاق " فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّك أَخْطَأَ سَمْعك , لَعَلَّك شُبِّهَ عَلَيْك " فَعَلَى هَذَا لَعَلَّهُ رَاسَلَ بِذَلِكَ أَوَّلًا عَلَى لِسَان عَمّه ثُمَّ حَضَرَ هُوَ فَأَخْبَرَ. قَوْله : ( فَحَلَفُوا مَا قَالُوا ) فِي رِوَايَة زُهَيْر " فَأَجْهَدَ يَمِينه " وَالْمُرَاد بِهِ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ , وَجُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَنْ مَعَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة " فَبَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ , فَحَلَفَ بِاَللَّهِ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ". قَوْله : ( فَكَذَّبَنِي ) بِالتَّشْدِيدِ , فِي رِوَايَة زُهَيْر " فَقَالُوا كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَهَذَا بِالتَّخْفِيفِ وَرَسُول اللَّه بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقه فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي سُفْيَان فِي قِصَّة هِرَقْل , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ زَيْد عِنْد النَّسَائِيِّ " فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ : أَتَى زَيْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَذِبِ ". قَوْله : ( وَصَدَّقَهُ ) وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا فَصَدَّقَهُمْ , وَفْد مَضَى تَوْجِيههَا. قَوْله : ( فَأَصَابَنِي هَمّ ) فِي رِوَايَة زُهَيْر " فَوَقَعَ فِي نَفْسِي شِدَّة " وَفِي رِوَايَة أَبِي سَعْد الْأَزْدِيِّ عَنْ زَيْد " فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنْ الْهَمّ مَا لَمْ يَقَع عَلَى أَحَد " وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب " فَرَجَعْت إِلَى الْمَنْزِل فَنِمْت " زَادَ التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته " فَنِمْت كَئِيبًا حَزِينًا " وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي لَيْلَى " حَتَّى جَلَسْت فِي الْبَيْت مَخَافَة إِذَا رَآنِي النَّاس أَنْ يَقُولُوا كَذَبْت ". قَوْله : ( فَقَالَ لِي عَمِّي مَا أَرَدْت إِلَى أَنْ كَذَّبَك ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَذَكَرَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ عَنْ الْجُرْجَانِيِّ : فَقَالَ لِي عُمَر. قَالَ الْجَيَّانِيُّ : وَالصَّوَاب " عَمِّي " كَمَا عِنْد الْجَمَاعَة , اِنْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرْت قَبْل ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي اِحْتِمَال ذَلِكَ. قَوْله : ( وَمَقَتَك ) فِي رِوَايَة لِمُحَمَّدِ بْن كَعْب " فَلَامَنِي الْأَنْصَار " , وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقه " وَلَامَنِي قَوْمِي ". قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه ) فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب " فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيْ بِالْوَحْيِ , وَفِي رِوَايَة زُهَيْر " حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه " وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة " فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ أَبْصَرُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوحَى إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ " وَفِي رِوَايَة أَبِي سَعْد قَالَ " فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِير مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَفَقْت بِرَأْسِي مِنْ الْهَمّ أَتَانِي فَعَرَكَ بِأُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي , فَلَحِقَنِي أَبُو بَكْر فَسَأَلَنِي فَقُلْت لَهُ , فَقَالَ : أَبْشِرْ. ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَر مِثْل ذَلِكَ , فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَة الْمُنَافِقِينَ ". قَوْله : ( إِذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ ) زَادَ آدَم إِلَى قَوْله " هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - إِلَى قَوْله - لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ " وَهُوَ يُبَيِّن أَنَّ رِوَايَة مُحَمَّد بْن كَعْب مُخْتَصَرَة حَيْثُ اِقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى قَوْله " وَنَزَلَ : هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا الْآيَة " لَكِنْ وَقَعَ عِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقه " فَنَزَلَتْ هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا , حَتَّى بَلَغَ : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ". قَوْله : ( إِنَّ اللَّه قَدْ صَدَّقَك يَا زَيْد ) وَفِي مُرْسَل الْحَسَن " فَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُذُنِ الْغُلَام فَقَالَ : وَفَتْ أُذُنك يَا غُلَام " مَرَّتَيْنِ. زَادَ زُهَيْر فِي رِوَايَته " فَدَعَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِر لَهُمْ " وَسَيَأْتِي شَرْحه بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد تَرْك مُؤَاخَذَة كُبَرَاء الْقَوْم بِالْهَفَوَاتِ لِئَلَّا يَنْفِر أَتْبَاعهمْ وَالِاقْتِصَار عَلَى مُعَاتَبَاتهمْ وَقَبُول أَعْذَارهمْ وَتَصْدِيق أَيْمَانهمْ وَإِنْ كَانَتْ الْقَرَائِن تُرْشِد إِلَى خِلَاف ذَلِكَ , لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّأْنِيس وَالتَّأْلِيف. وَفِيهِ جَوَاز تَبْلِيغ مَا لَا يَجُوز لِلْمَقُولِ فِيهِ , وَلَا يُعَدّ نَمِيمَة مَذْمُومَة إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْإِفْسَاد الْمُطْلَق , وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَة تُرَجَّح عَلَى الْمَفْسَدَة فَلَا.