💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَسَرَة ) بِفَتْحِ الْيَاء الْأَخِيرَة وَالْمُهْمَلَة وَجَدّه جَمِيل بِالْجِيمِ وَزْن عَظِيم وَنَافِع بْن عُمَر هُوَ الْجُمَحِيُّ الْمَكِّيّ , وَلَيْسَ هُوَ نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر , وَنَبَّهَ الْكَرْمَانِيُّ هُنَا عَلَى شَيْء لَا يَتَخَيَّلهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى إِلْمَام بِالْحَدِيثِ وَالرِّجَال فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيث ثُلَاثِيًّا لِأَنَّ عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة تَابِعِيّ. قَوْله : ( كَادَ الْخَيِّرَانِ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِالْمُعْجَمَةِ بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثَقِيلَة وَحَكَى بَعْض الشُّرَّاح رِوَايَة بِالْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الْمُوَحَّدَة. ( يَهْلِكَانِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرّ , وَفِي رِوَايَة " يَهْلِكَا " بِحَذْفِ النُّون ; قَالَ اِبْن التِّين كَذَا وَقَعَ بِغَيْرِ نُون وَكَأَنَّهُ نُصِبَ بِتَقْدِيرِ أَنْ اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ " أَنْ يَهْلِكَا " وَهُوَ بِكَسْرِ اللَّام وَنَسَبَهَا اِبْن التِّين لِرِوَايَةِ أَبِي ذَرّ , ثُمَّ هَذَا السِّيَاق صُورَته الْإِرْسَال لَكِنْ ظَهَرَ فِي آخِره أَنَّ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة حَمَلَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده التَّصْرِيح بِذَلِكَ وَلَفْظه عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة " أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَخْبَرَهُمْ " فَذَكَرَهُ بِكَمَالِهِ. قَوْله : ( رَفَعَا أَصْوَاتهمَا حِين قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْب بَنِي تَمِيم ) فِي رِوَايَة أَحْمَد " وَفْد بَنِي تَمِيم " وَكَانَ قُدُومهمْ سَنَة تِسْع بَعْد أَنْ أَوْقَعَ عُيَيْنَة بْن حِصْن بِبَنِي الْعَنْبَر وَهُمْ بَطْن مِنْ بَنِي تَمِيم , ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَن الْمَدَائِنِيّ قَوْله : ( فَأَشَارَ أَحَدهمَا ) هُوَ عُمَر , بَيَّنَهُ اِبْن جُرَيْجٍ فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب بَعْده , وَوَقَعَ عِنْد التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ نَافِع بْن عُمَر بِلَفْظِ " إِنَّ الْأَقْرَع بْن حَابِس قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْر : يَا رَسُول اللَّه اِسْتَعْمِلْهُ عَلَى قَوْمه , فَقَالَ عُمَر لَا تَسْتَعْمِلهُ يَا رَسُول اللَّه " الْحَدِيث. وَهَذَا يُخَالِف رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ , وَرِوَايَته أَثْبَت مِنْ مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( بِالْأَقْرَعِ بْن حَابِس أَخِي بَنِي مُجَاشِع ) الْأَقْرَع لَقَب وَاسْمه فِيمَا نُقِلَ اِبْن دُرَيْد فِرَاس بْن حَابِس بْن عِقَال بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْقَاف اِبْن مُحَمَّد بْن سُفْيَان بْن مُجَاشِع بْن عَبْد اللَّه بْن دَارِم التَّمِيمِيّ الدَّارِمِيُّ , وَكَانَتْ وَفَاة الْأَقْرَع بْن حَابِس فِي خِلَافَة عُثْمَان. قَوْله : ( وَأَشَارَ الْآخَر ) هُوَ أَبُو بَكْر , بَيَّنَهُ اِبْن جُرَيْجٍ فِي رِوَايَته الْمَذْكُورَة بِرَجُلٍ آخَر فَقَالَ نَافِع : لَا أَحْفَظ اِسْمه , سِيَاتِي فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده مِنْ رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة أَنَّهُ الْقَعْقَاع بْن مَعْبَد بْن زُرَارَةَ أَيْ اِبْن عُدُس بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن دَارِم التَّمِيمِيّ الدَّارِمِيُّ. قَالَ الْكَلْبِيّ فِي " الْجَامِع " : كَانَ يُقَال لَهُ تَيَّار الْفُرَات لِجُودِهِ , قُلْت : وَلَهُ ذِكْر فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ , أَوْرَدَهُ الْبَغَوِيُّ فِي " الصَّحَابَة " بِإِسْنَادٍ صَحِيح. قَوْله : ( مَا أَرَدْت إِلَّا خِلَافِي ) أَيْ لَيْسَ مَقْصُودك إِلَّا مُخَالَفَة قَوْلِي , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد " إِنَّمَا أَرَدْت خِلَافِي " وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد. وَحَكَى اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا " مَا أَرَدْت إِلَى خِلَافِي " بِلَفْظِ حَرْف الْجَرّ , وَ " مَا " فِي هَذَا اِسْتِفْهَامِيَّة " وَإِلَى " بِتَخْفِيفِ اللَّام , وَالْمَعْنَى أَيّ شَيْء قَصَدْت مُنْتَهِيًا إِلَى مُخَالَفَتِي. وَقَدْ وُجِدَتْ الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن التِّين فِي بَعْض النُّسَخ لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ. قَوْله : ( فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتهمَا ) فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ " فَتَمَارَيَا " حَتَّى اِرْتَفَعَتْ أَصْوَاتهمَا. قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه ) فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ " فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ ". قَوْله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الْآيَة ) زَادَ وَكِيع كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام " إِلَى قَوْلِهِ عَظِيمٌ " وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ " فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - إِلَى قَوْله - وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا " وَقَدْ اِسْتُشْكِلَ ذَلِكَ , قَالَ اِبْن عَطِيَّة : الصَّحِيح أَنَّ سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة كَلَام جُفَاة الْأَعْرَاب. قُلْت : لَا يُعَارِض ذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثَ , فَإِنَّ الَّذِي يَتَعَلَّق بِقِصَّةِ الشَّيْخَيْنِ فِي تَخَالُفهمَا فِي التَّأْمِير هُوَ أَوَّل السُّورَة ( لَا تُقَدِّمُوا ) وَلَكِنْ لَمَّا اِتَّصَلَ بِهَا قَوْله : ( لَا تَرْفَعُوا ) تَمَسَّكَ عُمَر مِنْهَا بِخَفْضِ صَوْته , وَجُفَاة الْأَعْرَاب الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هُمْ مِنْ بَنِي تَمِيم , وَاَلَّذِي يَخْتَصّ بِهِمْ قَوْله : ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ) قَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ " إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ مَدْحِي زَيْن وَإِنَّ شَتْمِي شَيْن , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَنَزَلَتْ ". قُلْت : وَلَا مَانِع أَنْ تَنْزِل الْآيَة لِأَسْبَابٍ تَتَقَدَّمهَا , فَلَا يُعْدَل لِلتَّرْجِيحِ مَعَ ظُهُور الْجَمْع وَصِحَّة الطُّرُق , وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ اِسْتَشْعَرَ ذَلِكَ فَأَوْرَدَ قِصَّة ثَابِت بْن قَيْس عَقِب هَذَا لِيُبَيِّن مَا أَشَرْت إِلَيْهِ مِنْ الْجَمْع , ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ كُلّه بِتَرْجَمَةِ " بَاب قَوْله وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ " إِشَارَة إِلَى قِصَّة جُفَاة الْأَعْرَاب مِنْ بَنِي تَمِيم , لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي التَّرْجَمَة حَدِيثًا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ قَرِيبًا , وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيث ثَابِت لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ الْخَطِيب لَمَّا وَقَعَ الْكَلَام فِي الْمُفَاخَرَة بَيْن بَنِي تَمِيم الْمَذْكُورِينَ كَمَا أَوْرَدَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي مُطَوَّلًا. قَوْله : ( فَمَا كَانَ عُمَر يُسْمِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد هَذِهِ الْآيَة حَتَّى يَسْتَفْهِمهُ ) فِي رِوَايَة وَكِيع فِي الِاعْتِصَام " فَكَانَ عُمَر بَعْد ذَلِكَ إِذَا حَدَّثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَار لَمْ يُسْمِعهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمهُ ". قُلْت وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن الْمُنْذِر مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق قَالَ مِثْل ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا مُرْسَل , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مَوْصُولًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة نَحْوه , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق طَارِق بْن شِهَاب عَنْ أَبِي بَكْر قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الْآيَة قَالَ أَبُو بَكْر : قُلْت يَا رَسُول اللَّه آلَيْت أَنْ لَا أُكَلِّمك إِلَّا كَأَخِي السِّرَار ". قَوْله : ( وَلَمْ يَذْكُر ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي أَبَا بَكْر ) قَالَ مُغَلْطَاي : يُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَبَا بَكْر عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَوْ أَبَا بَكْر عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة فَإِنَّ أَبَا مُلَيْكَة لَهُ ذِكْر فِي الصَّحَابَة. قُلْت : وَهَذَا بَعِيد عَنْ الصَّوَاب , بَلْ قَرِينَة ذِكْر عُمَر تُرْشِد إِلَى أَنَّ مُرَاده أَبُو بَكْر الصِّدِّيق. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ قَالَ " وَمَا ذَكَرَ اِبْن الزُّبَيْر جَدّه " وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق مُؤَمِّل بْن إِسْمَاعِيل عَنْ نَافِع بْن عُمَر فَقَالَ فِي آخِره " وَمَا ذَكَرَ اِبْن الزُّبَيْر جَدّه يَعْنِي أَبَا بَكْر " وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ عَدَّ فِي الْخَصَائِص النَّبَوِيَّة أَنَّ أَوْلَاد بِنْته يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ " إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد " وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْقَفَّال عَلَى اِبْن الْقَاصّ وَعَدَّهُ الْقُضَاعِيّ فِيمَا اِخْتَصَّ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَنْبِيَاء , وَفِيهِ نَظَر فَقَدْ اِحْتَجَّ يَحْيَى بْن يَعْمُر بِأَنَّ عِيسَى نُسِبَ إِلَى إِبْرَاهِيم وَهُوَ اِبْن بِنْته , وَهُوَ اِسْتِدْلَال صَحِيح , وَإِطْلَاق الْأَب عَلَى الْجَدّ مَشْهُور , وَهُوَ مَذْهَب أَبِي بَكْر الصِّدِّيق كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِب.