💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد ) كَذَا لَهُمْ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ " حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عِيسَى ". قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عَمْرو ) هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَأَبُو النَّضْر هُوَ سَالِم الْمَدَنِيّ , وَنِصْف هَذَا الْإِسْنَاد الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ وَالْأَدْنَى مِصْرِيُّونَ. قَوْله : ( حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاته ) بِالتَّحْرِيكِ جَمْع لَهَاة وَهِيَ اللَّحْمَة الْمُتَعَلِّقَة فِي أَعْلَى الْحَنَك , وَيُجْمَع أَيْضًا عَلَى لَهًى بِفَتْحِ اللَّام مَقْصُور. قَوْله : ( إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّم ) لَا يُنَافِي هَذَا مَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر " أَنَّهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه " لِأَنَّ ظُهُور النَّوَاجِذ - وَهِيَ الْأَسْنَان الَّتِي فِي مُقَدِّمَة الْفَم أَوْ الْأَنْيَاب - لَا يَسْتَلْزِم ظُهُور اللَّهَاة. قَوْله : ( عَرَفْت الْكَرَاهِيَة فِي وَجْهه ) عَبَّرَتْ عَنْ الشَّيْء الظَّاهِر فِي الْوَجْه بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ ثَمَرَتهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَطَاء عَنْ عَائِشَة فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث " كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَصَفَتْ الرِّيح قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك خَيْرهَا وَخَيْر مَا فِيهَا وَخَيْر مَا أُرْسِلَتْ بِهِ , وَأَعُوذ بِك مِنْ شَرّهَا وَشَرّ مَا فِيهَا وَشَرّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. وَإِذَا تَخَيَّلَتْ السَّمَاء تَغَيَّرَ لَوْنه وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ , فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ " الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِطُولِهِ , وَتَقَدَّمَ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ قَوْله " كَانَ إِذَا رَأَى مَخِيلَة أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ " وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الدُّعَاء شَوَاهِد مِنْ حَدِيث أَنَس وَغَيْره فِي أَوَاخِر الِاسْتِسْقَاء. قَوْله : ( عُذِّبَ قَوْم بِالرِّيحِ , وَقَدْ رَأَى قَوْم الْعَذَاب فَقَالُوا : هَذَا عَارِض ) ظَاهِر هَذَا أَنَّ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالرِّيحِ غَيْر الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ , لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ النَّكِرَة إِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَة كَانَتْ غَيْرَ الْأَوَّل , لَكِنْ ظَاهِر آيَة الْبَاب عَلَى أَنَّ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالرِّيحِ هُمْ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا عَارِض , فَفِي هَذِهِ السُّورَة ( وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمه بِالْأَحْقَافِ ) الْآيَات وَفِيهَا ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا , بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ , رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وَقَدْ أَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ عَنْ الْإِشْكَال بِأَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة إِنَّمَا تَطَّرِد إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السِّيَاق قَرِينَة تَدُلّ عَلَى أَنَّهَا عَيْن الْأَوَّل , فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ) فَلَا. ثُمَّ قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنَّ عَادًا قَوْمَانِ قَوْم بِالْأَحْقَافِ وَهُمْ أَصْحَاب الْعَارِض وَقَوْم غَيْرهمْ , قُلْت : وَلَا يَخْفَى بُعْده. لَكِنَّهُ مُحْتَمَل , فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة النَّجْم ( وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ) فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّ ثَمَّ عَادًا أُخْرَى. وَقَدْ أَخْرَجَ قِصَّة عَادٍ الثَّانِيَة أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ الْحَارِث بْن حَسَّان الْبَكْرِيّ قَالَ " خَرَجْت أَنَا وَالْعَلَاء بْن الْحَضْرَمِيّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيث - وَفِيهِ - فَقُلْت : أَعُوذ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ أَنْ أَكُون كَوَافِدِ عَادٍ , قَالَ : وَمَا وَافِد عَادٍ ؟ وَهُوَ أَعْلَم بِالْحَدِيثِ وَلَكِنَّهُ يَسْتَطْعِمهُ , فَقُلْت : إِنَّ عَادًا قَحَطُوا , فَبَعَثُوا قَيْل بْن عَنْز إِلَى مُعَاوِيَة بْن بَكْر بِمَكَّة يَسْتَسْقِي لَهُمْ , فَمَكَثَ شَهْرًا فِي ضِيَافَته تُغَنِّيه الْجَرَادَتَانِ , فَلَمَّا كَانَ بَعْد شَهْر خَرَجَ لَهُمْ فَاسْتَسْقَى لَهُمْ , فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَات فَاخْتَارَ السَّوْدَاء مِنْهَا , فَنُودِيَ : خُذْهَا رَمَادًا رِمْدِدًا , لَا تُبْقِ مِنْ عَادٍ أَحَدًا " وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ بَعْضه , وَالظَّاهِر أَنَّهُ فِي قِصَّة عَادٍ الْأَخِيرَة لِذِكْرِ مَكَّة فِيهِ , وَإِنَّمَا بُنِيَتْ بَعْد إِبْرَاهِيم حِين أَسْكَنَ هَاجَر وَإِسْمَاعِيل بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ , فَاَلَّذِينَ ذُكِرُوا فِي سُورَة الْأَحْقَاف هُمْ عَاد الْأَخِيرَة وَيَلْزَم عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَخَا عَادٍ ) نَبِيّ آخَر غَيْر هُود. وَاَللَّه أَعْلَم.