💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو ) هُوَ اِبْن دِينَارٍ. قَوْله : ( إِذَا قَضَى اللَّه الْأَمْر فِي السَّمَاءِ ) فِي حَدِيث النَّوَّاس بْن سَمْعَان عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مَرْفُوعًا " إِذَا تَكَلَّمَ اللَّه بِالْوَحْيِ أَخَذَتْ السَّمَاء رَجْفَة شَدِيدَة مِنْ خَوْف اللَّه , فَإِذَا سَمِعَ أَهْل السَّمَاء بِذَلِكَ صُعِقُوا وَخَرُّوا سُجَّدًا , فَيَكُون أَوَّلهمْ يَرْفَع رَأْسه جِبْرِيل , فَيُكَلِّمُهُ اللَّه مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ , فَيَنْتَهِي بِهِ عَلَى الْمَلَائِكَة , كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ أَهْله مَاذَا قَالَ رَبُّنَا ؟ قَالَ : الْحَقّ , فَيَنْتَهِي بِهِ حَيْثُ أُمِرَ ". قَوْله : ( ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَة بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا ) بِفَتْحَتَيْنِ مِنْ الْخُضُوعِ , وَفِي رِوَايَة بِضَمِّ أَوَّله وَسُكُون ثَانِيه وَهُوَ مَصْدَر بِمَعْنَى خَاضِعِينَ. قَوْله : ( كَأَنَّهُ ) أَيْ الْقَوْل الْمَسْمُوع ( سِلْسِلَة عَلَى صَفْوَان ) هُوَ مِثْل قَوْله فِي بَدْء الْوَحْي : " صَلْصَلَة كَصَلْصَلَةِ الْجَرَس " وَهُوَ صَوْت الْمَلَكِ بِالْوَحْيِ , وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَفَعَهُ " إِذَا تَكَلَّمَ اللَّه بِالْوَحْيِ يَسْمَع أَهْل السَّمَاوَات صَلْصَلَة كَصَلْصَلَةِ السِّلْسِلَة عَلَى الصَّفْوَان فَيَفْزَعُونَ , وَيَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَمْر السَّاعَة. وَقَرَأَ : حَتَّى إِذَا فُزِّعَ الْآيَة " وَأَصْله عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره , وَعَلَّقَهُ الْمُصَنِّف مَوْقُوفًا , وَيَأْتِي فِي كِتَاب التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الصَّلْصَلَة صَوْت الْحَدِيد إِذَا تَحَرَّكَ وَتَدَاخَلَ , وَكَأَنَّ الرِّوَايَة وَقَعَتْ لَهُ بِالصَّادِ , وَأَرَادَ أَنَّ التَّشْبِيه فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِد , فَاَلَّذِي فِي بَدْء الْوَحْي هَذَا وَاَلَّذِي هُنَا جَرّ السِّلْسِلَة مِنْ الْحَدِيد إِلَى الصَّفْوَان الَّذِي هُوَ الْحَجَر الْأَمْلَس يَكُون الصَّوْت النَّاشِئ عَنْهُمَا سَوَاء. قَوْله : ( عَلَى صَفْوَان ) زَادَ فِي سُورَة الْحِجْر عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه " قَالَ غَيْره : - يَعْنِي غَيْر سُفْيَان - يَنْفُذهُمْ ذَلِكَ " فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ " فَلَا يَنْزِل عَلَى أَهْل سَمَاء إِلَّا صُعِقُوا " وَعِنْدَ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ رِجَال مِنْ الْأَنْصَار أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ , فَقَالَ : مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا إِذَا رُمِيَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة ؟ قَالُوا : كُنَّا نَقُول مَاتَ عَظِيم أَوْ يُولَد عَظِيم , فَقَالَ : إِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَد وَلَا لِحَيَاتِهِ , وَلَكِنَّ رَبَّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَة الْعَرْش ثُمَّ سَبَّحَ أَهْل السَّمَاء الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغ التَّسْبِيح سَمَاء الدُّنْيَا , ثُمَّ يَقُولُونَ لِحَمَلَةِ الْعَرْش : مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ " الْحَدِيثَ. وَلَيْسَ عِنْدَ التِّرْمِذِيّ عَنْ رِجَال مِنْ الْأَنْصَار , وَسَيَأْتِي مَزِيد فِيهِ فِي كِتَاب التَّوْحِيد. قَوْله : ( وَمُسْتَرِقُو السَّمْع ) فِي رِوَايَة عَلِيّ عِنْدَ أَبِي ذَرّ " وَمُسْتَرِق " بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ فَصِيحٌ. قَوْله : ( هَكَذَا بَعْضه فَوْقَ بَعْض وَصَفَهُ سُفْيَان ) أَيْ اِبْن عُيَيْنَةَ ( بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعه ) أَيْ فَرَّقَ , وَفِي رِوَايَة عَلِيّ " وَوَصَفَ سُفْيَان بِيَدِهِ فَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِع يَده الْيُمْنَى نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْض " وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ " كَانَ لِكُلِّ قَبِيلٍ مِنْ الْجِنّ مَقْعَد مِنْ السَّمَاء يَسْمَعُونَ مِنْهُ الْوَحْي " يَعْنِي يُلْقِيهَا , زَادَ عَلِيّ عَنْ سُفْيَان " حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الْأَرْض فَيُلْقَى ". قَوْله : ( عَلَى لِسَان السَّاحِر أَوْ الْكَاهِن ) فِي رِوَايَة الْجُرْجَانِيِّ " عَلَى لِسَان الْآخَر " بَدَلَ السَّاحِر وَهُوَ تَصْحِيف , وَفِي رِوَايَة عَلِيّ " السَّاحِر وَالْكَاهِن " وَكَذَا قَالَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَانَ. قَوْله : ( فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَاب إِلَخْ ) يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْر فِي ذَلِكَ يَقَع عَلَى حَدّ سَوَاء , وَالْحَدِيث الْآخَر يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي يَسْلَم مِنْهُمْ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُدْرِكهُ الشِّهَاب. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان فِي هَذَا الْحَدِيث " فَيَرْمِي هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى يُلْقَى عَلَى فَمِ سَاحِر أَوْ كَاهِن ". قَوْله : ( فَيَكْذِب مَعَهَا مِائَة كِذْبَة , فَيَصْدُق بِتِلْكَ الْكَلِمَة الَّتِي سُمِعَتْ مِنْ السَّمَاء ) زَادَ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عَنْ سُفْيَان كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْحِجْر " فَيَقُولُونَ : أَلَمْ يُخْبِرنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُون كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا الْكَلِمَة الَّتِي سُمِعَتْ مِنْ السَّمَاء " وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْمَذْكُور " فَيَقُول يَكُون الْعَام كَذَا وَكَذَا فَيَسْمَعهُ الْجِنّ فَيُخْبِرُونَ بِهِ الْكَهَنَة فَتُخْبِر الْكَهَنَة النَّاس فَيَجِدُونَهُ " وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْح هَذَا الْقَدْر فِي أَوَاخِر كِتَاب الطِّبّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي تَفْسِير سُورَة الْحِجْر فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه " قُلْت لِسُفْيَانَ : إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْك عَنْ عَمْرو عَنْ عِكْرِمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ قَرَأَ فُرِّغَ - بِضَمِّ الْفَاء وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَة الثَّقِيلَة وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة - فَقَالَ سُفْيَان : هَكَذَا قَرَأَ عَمْرو - يَعْنِي اِبْن دِينَار - فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا " وَهَذِهِ الْقِرَاءَة رُوِيَتْ أَيْضًا عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَةَ وَمُجَاهِد , وَالْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة بِالزَّايِ وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة , وَقَرَأَهَا اِبْن عَامِر مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَمَعْنَاهُ بِالزَّايِ وَالْمُهْمَلَة أَدْهَشَ الْفَزَع عَنْهُمْ , وَمَعْنَى الَّتِي بِالرَّاءِ وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة ذَهَبَ عَنْ قُلُوبهمْ مَا حَلَّ فِيهَا " فَقَالَ سُفْيَان : هَكَذَا قَرَأَ عَمْرو فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا. قَالَ سُفْيَان : وَهِيَ قِرَاءَتنَا " قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَازَتْ الْقِرَاءَة إِذَا لَمْ تَكُنْ مَسْمُوعَة فَالْجَوَاب لَعَلَّ مَذْهَبه جَوَاز الْقِرَاءَة بِدُونِ السَّمَاع إِذَا كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا. قُلْت : هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنْ إِذَا وُجِدَ اِحْتِمَال غَيْره فَهُوَ أَوْلَى , وَذَلِكَ مَحْمَل قَوْل سُفْيَان : " لَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا " عَلَى أَنَّ مُرَاده سَمِعَهُ مِنْ عِكْرِمَة الَّذِي حَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ لَا أَنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّهُ هَلْ سَمِعَهُ مُطْلَقًا , فَالظَّنّ بِهِ أَنْ لَا يَكْتَفِي فِي نَقْل الْقُرْآن بِالْأَخْذِ مِنْ الصُّحُف بِغَيْرِ سَمَاع. وَأَمَّا قَوْل سُفْيَان : " وَهِيَ قِرَاءَتنَا " فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا وَافَقَتْ مَا كَانَ يَخْتَار مِنْ الْقِرَاءَة بِهِ ; فَيَجُوز أَنْ يُنْسَب إِلَيْهِ كَمَا نُسِبَ لِغَيْرِهِ.