💡 شرح فتح الباري
ثَانِيهَا : حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة بِنَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَبَ بِنْت جَحْش وَنُزُول آيَة الْحِجَاب , أَوْرَدَهُ مِنْ أَرْبَعَة طُرُق عَنْ أَنَس بَعْضهَا أَتَمّ مِنْ بَعْض , وَقَوْله : " لَمَّا أُهْدِيَتْ " أَيْ لَمَّا زَيَّنَتْهَا الْمَاشِطَة وَزُفَّتْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَزَعَمَ الصَّغَانِيُّ أَنَّ الصَّوَاب " هُدِيَتْ " بِغَيْرِ أَلِف , لَكِنَّ تَوَارُد النُّسَخ عَلَى إِثْبَاتهَا يَرِد عَلَيْهِ , وَلَا مَانِع مِنْ اِسْتِعْمَال الْهَدِيَّة فِي هَذَا اِسْتِعَارَة. قَوْله : ( لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَب بِنْت جَحْش دَعَا الْقَوْم فَطَعِمُوا ) فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَان قَالَ : " أَنَا أَعْلَم النَّاس بِشَأْنِ الْحِجَاب وَكَانَ فِي مُبْتَنَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَبَ بِنْت جَحْش , أَصْبَحَ بِهَا عَرُوسًا فَدَعَا الْقَوْم " وَفِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس قَالَ : " أَنَا أَعْلَم النَّاس بِهَذِهِ الْآيَة آيَة الْحِجَاب. لَمَّا أُهْدِيَتْ زَيْنَب بِنْت جَحْش إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ طَعَامًا " وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْبٍ عَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ الدَّاعِي إِلَى الطَّعَام قَالَ : " فَيَجِيء قَوْم فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ , ثُمَّ يَجِيء قَوْم فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ , قَالَ : فَدَعَوْت حَتَّى مَا أَجِد أَحَدًا " وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ " فَأَشْبَعَ الْمُسْلِمِينَ خُبْزًا وَلَحْمًا " وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْجَعْد بْن عُثْمَان عَنْ أَنَس عِنْدَ مُسْلِم , وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ قَالَ : " تَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ , فَصَنَعَتْ لَهُ أُمّ سَلِيم حَيْسًا , فَذَهَبْت بِهِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اُدْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا , وَذَهَبْت فَدَعَوْتهمْ زُهَاءَ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُل " فَذَكَرَ الْحَدِيث فِي إِشْبَاعهمْ مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي " عَلَامَات النُّبُوَّة " وَيُجْمَع بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَة حُمَيْدٍ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَمَ عَلَيْهِ بِاللَّحْمِ وَالْخُبْز , وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمّ سَلِيم الْحَيْس. وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس " لَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْعَمَنَا عَلَيْهَا الْخُبْز وَاللَّحْم حَتَّى اِمْتَدَّ النَّهَار " الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم. قَوْله : ( قُلْت : يَا رَسُول اللَّه وَاَللَّه مَا أَجِد أَحَدًا , قَالَ : فَارْفَعُوا طَعَامكُمْ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْن مِهْرَانَ عَنْ عَبْد الْوَارِث فِيهِ " قَالَ : وَزَيْنَب جَالِسَة فِي جَانِب الْبَيْت , قَالَ : وَكَانَتْ اِمْرَأَة قَدْ أُعْطِيَتْ جَمَالًا , وَبَقِيَ فِي الْبَيْت ثَلَاثَة ". قَوْله : ( ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ ) فِي رِوَايَة أَبِي قِلَابَةَ : " فَجَعَلَ يَخْرُج ثُمَّ يَرْجِعُ وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ ". قَوْله : ( وَإِذَا هُوَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ , فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلَاثَة نَفَر ) فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز " وَبَقِيَ ثَلَاثَة رَهْط " وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ " فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْته رَأَى رَجُلَيْنِ " وَوَافَقَهُ بَيَان بْن عَمْرو عَنْ أَنَس عِنْدَ التِّرْمِذِيّ , وَأَصْله عِنْدَ الْمُصَنِّف أَيْضًا , وَيُجْمَع بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُمْ أَوَّل مَا قَامَ وَخَرَجَ مِنْ الْبَيْت كَانُوا ثَلَاثَة وَفِي آخِر مَا رَجَعَ تَوَجَّهَ وَاحِد مِنْهُمْ فِي أَثْنَاء ذَلِكَ فَصَارُوا اِثْنَيْنِ , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَزْم اِبْن التِّين بِأَنَّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْم , وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ أَنْ يَكُون التَّحْدِيث وَقَعَ مِنْ اِثْنَيْنِ مِنْهُمْ فَقَطْ وَالثَّالِث كَانَ سَاكِتًا , فَمَنْ ذَكَرَ الثَّلَاثَة لَحَظَ الْأَشْخَاص وَمَنْ ذَكَرَ الِاثْنَيْنِ لَحَظَ سَبَب الْعُقُود , وَلَمْ أَقِف عَلَى تَسْمِيَة أَحَد مِنْهُمْ. قَوْله : ( فَانْطَلَقْت فَجِئْت فَأَخْبَرَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ اِنْطَلَقُوا ) هَكَذَا وَقَعَ الْجَزْم فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِأَنَّهُ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُرُوجِهِمْ , وَكَذَا فِي رِوَايَة الْجَعْد الْمَذْكُورَة , وَاتَّفَقَتْ رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز وَحُمَيْدٍ عَلَى أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَشُكّ فِي ذَلِكَ , وَلَفْظ حُمَيْدٍ " فَلَا أَدْرِي أَلَا أَخْبَرْته بِخُرُوجِهِمَا أَمْ أُخْبِرَ " وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز عَنْ أَنَس " فَمَا أَدْرِي أَخْبَرْته أَوْ أُخْبِرَ " وَهُوَ مَبْنِيّ لِلْمَجْهُولِ أَيْ أُخْبِرَ بِالْوَحْيِ , وَهَذَا الشَّكّ قَرِيب مِنْ شَكّ أَنَس فِي تَسْمِيَة الرَّجُل الَّذِي سَأَلَ الدُّعَاء بِالِاسْتِسْقَاءِ , فَإِنَّ بَعْض أَصْحَاب أَنَس جَزَمَ عَنْهُ بِأَنَّهُ الرَّجُل الْأَوَّل وَبَعْضهمْ ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَا أَدْرِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَكَانه , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَذْكُرهُ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ الشَّكّ فَكَانَ يَشُكّ فِيهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَجَزَمَ. قَوْله : ( فَذَهَبْت أَدْخُل فَأَلْقَى الْحِجَاب بَيْنِي وَبَيْنَهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوت النَّبِيّ ) الْآيَة ) زَادَ أَبُو قِلَابَةَ فِي رِوَايَته ( إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ - إِلَى قَوْله - مِنْ وَرَاء حِجَاب ) فَضُرِبَ الْحِجَاب. وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز " حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْله فِي أُسْكُفَّة الْبَاب دَاخِلَة وَالْأُخْرَى خَارِجَة أَرْخَى السِّتْر بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأُنْزِلَتْ آيَة الْحِجَاب "