💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ اِبْن سَعِيدٍ الْقَطَّان. قَوْله : ( وَهِيَ مَغْلُوبَة ) أَيْ مِنْ شِدَّة كَرْب الْمَوْتِ. قَوْله : ( قَالَتْ : أَخْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ , فَقِيلَ : اِبْن عَمّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَأَنَّ الْقَائِل فَهِمَ عَنْهَا أَنَّهَا تَمْنَعهُ مِنْ الدُّخُول لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَتْهُ فَذَكَّرَهَا بِمَنْزِلَتِهِ , وَاَلَّذِي رَاجَعَ عَائِشَة فِي ذَلِكَ هُوَ اِبْن أَخِيهَا عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَاَلَّذِي اِسْتَأْذَنَ لِابْنِ عَبَّاس عَلَى عَائِشَة حِينَئِذٍ هُوَ ذَكْوَانُ مَوْلَاهَا , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ كُلّه أَحْمَد وَابْن سَعْد مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان هُوَ اِبْن خُثَيْمٍ عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَة أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَ لِابْنِ عَبَّاس عَلَى عَائِشَة وَهِيَ تَمُوت فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ " فَقَالَ لَهَا عَبْد اللَّه يَا أُمَّتَاهُ إِنَّ اِبْن عَبَّاس مِنْ صَالِح بَيْتك يُسَلِّم عَلَيْك وَيُوَدِّعك , قَالَتْ : اِئْذَنْ لَهُ إِنْ شِئْت " وَادَّعَى بَعْض الشُّرَّاح أَنَّ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ رِوَايَة الْبُخَارِيّ مُرْسَلَة , قَالَ : لِأَنَّ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة لَمْ يَشْهَد ذَلِكَ وَلَا سَمِعَهُ مِنْ اِبْن عَبَّاس حَالَ قَوْله لِعَائِشَةَ لِعَدَمِ حُضُوره اِنْتَهَى. وَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ الْجَزْم بِعَدَمِ حُضُوره وَسَمَاعه , وَمَا الْمَانِع مِنْ ذَلِكَ ؟ وَلَعَلَّهُ حَضَرَ جَمِيع ذَلِكَ وَطَالَ عَهْده بِهِ فَذَكَّرَهُ بِهِ ذَكْوَانُ , أَوْ أَنَّ ذَكْوَانَ ضَبَطَ مِنْهُ مَا لَمْ يَضْبِطهُ هُوَ , وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة ذَكْوَانَ مَا لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة. قَوْله : ( كَيْفَ تَجِدِينَك ) فِي رِوَايَة اِبْن ذَكْوَانَ " فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ : أَبْشِرِي. قَالَتْ : وَأَيْضًا. قَالَ : مَا بَيْنَك وَبَيْنَ أَنْ تَلْقَيْ مُحَمَّدًا وَالْأَحِبَّة إِلَّا أَنْ تَخْرُج الرُّوح مِنْ الْجَسَد ". قَوْله : ( بِخَيْرٍ إِنْ اِتَّقَيْت ) أَيْ إِنْ كُنْت مِنْ أَهْل التَّقْوَى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ أَبْقَيْت. قَوْله : ( فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , زَوْجَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْكِح بِكْرًا غَيْرك ) فِي رِوَايَة ذَكْوَانَ " كُنْت أَحَبَّ نِسَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يَكُنْ يُحِبّ إِلَّا طَيِّبًا ". قَوْله : ( وَنَزَلَ عُذْرُك مِنْ السَّمَاء ) يُشِيرُ إِلَى قِصَّة الْإِفْك , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ذَكْوَانَ " وَأَنْزَلَ اللَّه بَرَاءَتك مِنْ فَوْقِ سَبْع سَمَوَات. جَاءَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين , فَلَيْسَ فِي الْأَرْض مَسْجِدًا إِلَّا وَهُوَ يُتْلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيْل وَأَطْرَاف النَّهَار " وَزَادَ فِي آخِره " وَسَقَطَتْ قِلَادَتك لَيْلَةَ الْأَبْوَاء فَنَزَلَ التَّيَمُّم , فَوَاَللَّهِ إِنَّك لَمُبَارَكَةٌ " وَلِأَحْمَد مِنْ طَرِيق أُخْرَى فِيهَا رَجُل لَمْ يُسَمَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ لَهَا : " إِنَّمَا سُمِّيت أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ لِتَسْعَدِي , وَإِنَّهُ لَاسْمك قَبْلَ أَنْ تُولَدِي " وَأَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن سَابِطٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله. قَوْله : ( وَدَخَلَ اِبْن الزُّبَيْر خِلَافه ) أَيْ عَلَى عَائِشَة بَعْدَ أَنْ خَرَجَ اِبْن عَبَّاس فَتَخَالَفَا فِي الدُّخُول وَالْخُرُوج ذَهَابًا وَإِيَابًا , وَافَقَ رُجُوع اِبْن عَبَّاس مَجِيء اِبْن الزُّبَيْر. قَوْله : ( وَدِدْت إِلَخْ ) هُوَ عَلَى عَادَة أَهْل الْوَرَع فِي شِدَّة الْخَوْف عَلَى أَنْفُسهمْ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ذَكْوَانَ أَنَّهَا قَالَتْ لِابْنِ عَبَّاس هَذَا الْكَلَام قَبْلَ أَنْ يَقُوم وَلَفْظه " فَقَالَتْ دَعْنِي مِنْك يَا بْن عَبَّاس , فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنِّي كُنْت نَسْيًا مَنْسِيًّا ". ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَذْكُر هُنَا خُصُوص مَا يَتَعَلَّق بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّرْجَمَة صَرِيحًا , وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُوم قَوْل اِبْن عَبَّاس : " نَزَلَ عُذْرك مِنْ السَّمَاء " فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَة مِنْ أَعْظَم مَا يَتَعَلَّق بِإِقَامَةِ عُذْرهَا وَبَرَاءَتهَا رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة " وَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار : سُبْحَانَك مَا يَكُون لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَك الْآيَة " وَسَأَذْكُرُ تَسْمِيَته هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن عَوْن ) هُوَ عَبْد اللَّه ( عَنْ الْقَاسِم ) هُوَ اِبْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر. قَوْله : ( أَنَّ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ اِسْتَأْذَنَ عَلَى عَائِشَة نَحْوه ) فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْهَيْثَم بْن خَلَف وَغَيْره عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ , قَالَ الْمُزِّيُّ فِي " الْأَطْرَاف " يَعْنِي قَوْله : " أَنْتِ زَوْجَة رَسُول اللَّه وَنَزَلَ عُذْرك ". قُلْت : وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم فِي " الْمُسْتَخْرَج " مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَوْن وَلَفْظه " عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا اِشْتَكَتْ. فَاسْتَأْذَنَ اِبْن عَبَّاس عَلَيْهَا وَأَتَاهَا يَعُودهَا فَقَالَتْ : الْآنَ يَدْخُل عَلَيَّ فَيُزَكِّيَنِي فَأَذِنَتْ لَهُ فَقَالَ : أَبْشِرِي يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , تُقْدِمِينَ عَلَى فَرَط صِدْق , وَتُقْدِمِينَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَبِي بَكْر , قَالَتْ : أَعُوذ بِاَللَّهِ أَنْ تُزَكِّيَنِي " وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عَائِشَة عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بِإِسْنَادِ الْبَاب بِلَفْظِ " أَنَّ عَائِشَة اِشْتَكَتْ فَجَاءَ اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , تُقْدِمِينَ عَلَى فَرَط صِدْق عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر " فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب مُخْتَصَرَة , وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " نَحْوه وَمَعْنَاهُ " بَعْض الْحَدِيث لَا جَمِيع تَفَاصِيله. ثُمَّ رَاجَعْت " مُسْتَخْرَج الْإِسْمَاعِيلِيّ " فَظَهَرَ لِي أَنَّ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى هُوَ الَّذِي اِخْتَصَرَهُ لَا الْبُخَارِيّ , لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَحْفَظ حَدِيث اِبْن عَوْن , وَأَنَّهُ كَانَ سَمِعَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ , فَكَانَ إِذَا حَدَّثَ بِهِ يَخْتَصِرهُ , وَكَانَ يَتَحَقَّق قَوْلهَا : " نَسْيًا مَنْسِيًّا " لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة اِبْن عَوْن وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة , وَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ جَمَاعَة مِنْ مَشَايِخه عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَوْن فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ كَمَا بَيَّنْته , فَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن الْمُثَنَّى وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة دَلَالَة عَلَى سِعَة عِلْم اِبْن عَبَّاس وَعَظِيم مَنْزِلَته بَيْنَ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَتَوَاضُع عَائِشَة وَفَضْلهَا وَتَشْدِيدهَا فِي أَمْر دِينهَا , وَأَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا لَا يَدْخُلُونَ عَلَى أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا بِإِذْنٍ , وَمَشُورَة الصَّغِير عَلَى الْكَبِير إِذَا رَآهُ عَدْل إِلَى مَا الْأَوْلَى خِلَافه , وَالتَّنْبِيه عَلَى رِعَايَة جَانِب الْأَكَابِر مِنْ أَهْل الْعِلْم وَالدِّين , وَأَنْ لَا يَتْرُك مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ ذَلِكَ لِمُعَارِضٍ دُونَ ذَلِكَ فِي الْمَصْلَحَة.