💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) هُوَ اِبْن عُمَر. قَوْله : ( لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ ) ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ ثُمَّ الْحَاكِم فِي " الْإِكْلِيل " أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِمْ مِنْ تَبُوكَ وَذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَةَ تِسْع , وَكَانَتْ مُدَّةُ مَرَضه عِشْرِينَ يَوْمًا اِبْتِدَاؤُهَا مِنْ لَيَالٍ بَقِيَتْ مِنْ شَوَّال , قَالُوا : وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ غَزْوَة تَبُوكَ , وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ) وَهَذَا يَدْفَع قَوْل اِبْن التِّين أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ فِي أَوَّل الْإِسْلَام قَبْلَ تَقْرِير الْأَحْكَام. قَوْله : ( جَاءَ اِبْنه عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه ) وَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ : لَمَّا اُخْتُصِرَ عَبْد اللَّه جَاءَ اِبْنه عَبْد اللَّه إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه إِنَّ أَبِي قَدْ اُحْتُضِرَ فَأُحِبّ أَنْ تَشْهَدَهُ وَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ , قَالَ : مَا اِسْمُك ؟ قَالَ : الْحُبَاب - يَعْنِي بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُخَفَّفًا - قَالَ : بَلْ أَنْتَ عَبْد اللَّه الْحُبَاب اِسْمُ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ هَذَا مِنْ فُضَلَاء الصَّحَابَة وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَة فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق , وَمِنْ مَنَاقِبِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ بَعْض مَقَالَات أَبِيهِ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنهُ فِي قَتْله , قَالَ : بَلْ أَحْسِنْ صُحْبَتَهُ , أَخْرَجَهُ اِبْن مَنْدَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِإِسْنَادٍ حَسَن , وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق عُرْوَة بْن الزُّبَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ أَنَّهُ اِسْتَأْذَنَ نَحْوَهُ , وَهَذَا مُنْقَطِع لِأَنَّ عُرْوَة لَمْ يُدْرِكهُ وَكَأَنَّهُ كَانَ يَحْمِل أَمْر أَبِيهِ عَلَى ظَاهِر الْإِسْلَام فَلِذَلِكَ اِلْتَمَسَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْضُر عِنْدَهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِعَهْدِ مِنْ أَبِيهِ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق سَعِيد كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ " أَرْسَلَ عَبْدُ اللَّه اِبْن أُبَيٍّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ : أَهْلَكَك حُبّ يَهُود , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا أَرْسَلْت إِلَيْك لِتَسْتَغْفِرَ لِي وَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْك لِتُوَبِّخَنِي. ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفَّنَ فِيهِ فَأَجَابَهُ " وَهَذَا مُرْسَل مَعَ ثِقَة رِجَاله , وَيُعَضِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق الْحَكَم بْن أَبَانٍ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ " لَمَّا مَرِضَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ جَاءَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ فَقَالَ : قَدْ فَهِمْت مَا تَقُول , فَامْنُنْ عَلَيَّ فَكَفِّنِّي فِي قَمِيصك وَصَلِّ عَلَيَّ فَفَعَلَ " وَكَأَنَّ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ أَرَادَ بِذَلِكَ دَفْع الْعَار عَنْ وَلَده وَعَشِيرَته بَعْدَ مَوْته فَأَظْهَرَ الرَّغْبَة فِي صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَوَقَعَتْ إِجَابَته إِلَى سُؤَاله بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ مِنْ حَاله إِلَى أَنْ كَشَفَ اللَّه الْغِطَاء عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي , وَهَذَا مِنْ أَحْسَن الْأَجْوِبَة فِيمَا يَتَعَلَّق بِهَذِهِ الْقِصَّة. قَوْله : ( فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ , فَقَامَ عُمَر فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر ثَانِي حَدِيث الْبَاب " فَلَمَّا قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَفِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه " فَقَامَ إِلَيْهِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيد الصَّلَاة عَلَيْهِ وَثَبَتَ إِلَيْهِ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَتُصَلِّي عَلَى اِبْن أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا أَعْدَدَ عَلَيْهِ قَوْله " يُشِير بِذَلِكَ إِلَى مِثْل قَوْله : ( لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا ) وَإِلَى مِثْل قَوْله : ( لَيُخْرِجَن الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ ) وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي تَفْسِير الْمُنَافِقِينَ. قَوْله : ( فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك رَبُّك أَنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِطْلَاق النَّهْي عَنْ الصَّلَاة , وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ جِدًّا حَتَّى أَقْدَمَ بَعْضهمْ فَقَالَ : هَذَا وَهْم مِنْ بَعْض رُوَاته , وَعَاكَسَهُ غَيْره فَزَعَمَ أَنَّ عُمَر اِطَّلَعَ عَلَى نَهْي خَاصّ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي خَاطِر عُمَر فَيَكُون مِنْ قَبِيل الْإِلْهَام , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ). قُلْت : الثَّانِي يَعْنِي مَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ أَقْرَب مِنْ الْأَوَّل , لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم النَّهْي عَنْ الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ , بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث " قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّه وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ " وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ فِي رِوَايَة الْبَاب تَجَوُّزًا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْبَاب بَعْدَهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر بِلَفْظِ " فَقَالَ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك اللَّه أَنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ " وَرَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر قَالَ " أَرَادَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّي عَلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ فَأَخَذْت بِثَوْبِهِ فَقُلْت : وَاللَّهِ مَا أَمَرَك اللَّه بِهَذَا , لَقَدْ قَالَ : إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّه لَهُمْ " وَوَقَعَ عِنْدَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس " فَقَالَ عُمَر : أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك اللَّه أَنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ ؟ قَالَ : أَيْنَ ؟ قَالَ قَالَ : اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ " الْآيَةَ , وَهَذَا مِثْل رِوَايَة الْبَاب , فَكَأَنَّ عُمَر قَدْ فَهِمَ مِنْ الْآيَة الْمَذْكُورَة مَا هُوَ الْأَكْثَر الْأَغْلَب مِنْ لِسَان الْعَرَب مِنْ أَنَّ " أَوْ " لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ , بَلْ لِلتَّسْوِيَةِ فِي عَدَم الْوَصْف الْمَذْكُور أَيْ أَنَّ الِاسْتِغْفَار لَهُمْ وَعَدَم الِاسْتِغْفَار سَوَاءٌ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) لَكِنْ الثَّانِيَة أَصْرَح , وَلِهَذَا وَرَدَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّة كَمَا سَأَذْكُرُهُ , وَفَهِمَ عُمَر أَيْضًا مِنْ قَوْله : ( سَبْعِينَ مَرَّةً ) أَنَّهَا لِلْمُبَالَغَةِ وَأَنَّ الْعَدَد الْمُعَيَّن لَا مَفْهُوم لَهُ , بَلْ الْمُرَاد نَفْي الْمَغْفِرَة لَهُمْ وَلَوْ كَثُرَ الِاسْتِغْفَار , فَيَحْصُل مِنْ ذَلِكَ النَّهْي عَنْ الِاسْتِغْفَار فَأَطْلَقَهُ , وَفَهِمَ أَيْضًا أَنَّ الْمَقْصُود الْأَعْظَم مِنْ الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت طَلَب الْمَغْفِرَة لِلْمَيِّتِ وَالشَّفَاعَة لَهُ فَلِذَلِكَ اِسْتَلْزَمَ عِنْدَهُ النَّهْي عَنْ الِاسْتِغْفَار تَرْك الصَّلَاة , فَلِذَلِكَ جَاءَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِطْلَاق النَّهْي عَنْ الصَّلَاة , وَلِهَذِهِ الْأُمُور اِسْتَنْكَرَ إِرَادَة الصَّلَاة عَلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ. هَذَا تَقْرِير مَا صَدَرَ عَنْ عُمَر مَعَ مَا عُرِفَ مِنْ شِدَّة صَلَابَته فِي الدِّين وَكَثْرَة بُغْضه لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ , وَهُوَ الْقَائِل فِي حَقّ حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ مَعَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْفَضْل كَشُهُودِهِ بَدْرًا وَغَيْر ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَاتَبَ قُرَيْشًا قَبْلَ الْفَتْح " دَعْنِي يَا رَسُول اللَّه أَضْرِبْ عُنُقه فَقَدْ نَافَقَ " فَلِذَلِكَ أَقْدَمَ عَلَى كَلَامه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ , وَلَمْ يَلْتَفِت إِلَى اِحْتِمَال إِجْرَاء الْكَلَام عَلَى ظَاهِره لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَابَة الْمَذْكُورَة. قَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَر حِرْصًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَشُورَة لَا إِلْزَامًا , وَلَهُ عَوَائِد بِذَلِكَ , وَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون النَّبِيّ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي مِثْل ذَلِكَ فَلَا يَسْتَلْزِم مَا وَقَعَ مِنْ عُمَر أَنَّهُ اِجْتَهَدَ مَعَ وُجُود النَّصّ كَمَا تَمَسَّكَ بِهِ قَوْم فِي جَوَاز ذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَشَارَ بِاَلَّذِي ظَهَرَ لَهُ فَقَطْ , وَلِهَذَا اِحْتَمَلَ مِنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهُ بِثَوْبِهِ وَمُخَاطَبَته لَهُ فِي مِثْل ذَلِكَ الْمَقَام , حَتَّى اِلْتَفَتَ إِلَيْهِ مُتَبَسِّمًا كَمَا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِذَلِكَ فِي هَذَا الْبَاب. قَوْله : ( إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّه فَقَالَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِر لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً , وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ ) فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر مِنْ الزِّيَادَة " فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَر , فَلَمَّا أَكْثَرْت عَلَيْهِ قَالَ : إِنِّي خُيِّرْت فَاخْتَرْت " أَيْ خُيِّرْت بَيْنَ الِاسْتِغْفَار وَعَدَمه , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيث اِبْن عُمَر حَيْثُ ذَكَرَ الْآيَة الْمَذْكُورَة. وَقَوْله فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر " لَوْ أَعْلَم أَنِّي إِنْ زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَر لَهُ لَزِدْت عَلَيْهَا " وَحَدِيث اِبْن عُمَر جَازِم بِقِصَّةِ الزِّيَادَة , وَآكَدُ مِنْهُ مَا رَوَى عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ ( اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِر لَهُمْ ) قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ خَيَّرَنِي رَبِّي , فَوَاَللَّهِ لَأَزِيدَن عَلَى السَّبْعِينَ " وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد مِثْله , وَالطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ مِثْله , وَهَذِهِ طُرُق وَإِنْ كَانَتْ مَرَاسِيل فَإِنَّ بَعْضهَا يُعَضِّد بَعْضًا. وَقَدْ خَفِيَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة عَلَى مَنْ خَرَّجَ أَحَادِيث الْمُخْتَصَر وَالْبَيْضَاوِيّ وَاقْتَصَرُوا عَلَى مَا وَقَعَ فِي حَدِيثَيْ الْبَاب , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطَالَ فِي حَال الصَّلَاة عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِغْفَار لَهُ , وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , فَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ مُجَمِّع بْن جَارِيَة قَالَ " مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطَالَ عَلَى جِنَازَة قَطُّ مَا أَطَالَ عَلَى جِنَازَة عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ مِنْ الْوُقُوف " وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق مُغِيرَة عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ " قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّه ( إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّه لَهُمْ ) فَأَنَا أَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِينَ " وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْقِصَّة مَنْ جَعَلَ مَفْهُوم الْعَدَد حُجَّةً , وَكَذَا مَفْهُوم الصِّفَة مِنْ بَاب الْأَوْلَى. وَوَجْه الدَّلَالَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِمَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ بِخِلَافِ السَّبْعِينَ فَقَالَ " سَأَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ " , وَأَجَابَ مَنْ أَنْكَرَ الْقَوْل بِالْمَفْهُومِ بِمَا وَقَعَ فِي بَقِيَّة الْقِصَّة , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَافِعٍ لِلْحُجَّةِ , لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُمْ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمَقْصُود بِالسَّبْعِينَ الْمُبَالَغَة لَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِالْمَفْهُومِ بَاقِيًا. قَوْله : ( قَالَ إِنَّهُ مُنَافِق فَصَلَّى عَلَيْهِ ) أَمَّا جَزْم عُمَر بِأَنَّهُ مُنَافِق فَجَرَى عَلَى مَا كَانَ يَطَّلِع عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَاله : وَإِنَّمَا لَمْ يَأْخُذ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ إِجْرَاء لَهُ عَلَى ظَاهِر حُكْم الْإِسْلَام كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره , وَاسْتِصْحَابًا لِظَاهِرِ الْحُكْم , وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِكْرَام وَلَده الَّذِي تَحَقَّقَتْ صَلَاحِيَته , وَمَصْلَحَة الِاسْتِئْلَاف لِقَوْمِهِ وَدَفْع الْمَفْسَدَة , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّل الْأَمْر يَصْبِر عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَيَعْفُو وَيَصْفَح , ثُمَّ أُمِرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فَاسْتَمَرَّ صَفْحه وَعَفْوه عَمَّا يُظْهِر الْإِسْلَام وَلَوْ كَانَ بَاطِنه عَلَى خِلَاف ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَاف وَعَدَم التَّنْفِير عَنْهُ , وَلِذَلِكَ قَالَ " لَا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُل أَصْحَابه " فَلَمَّا حَصَلَ الْفَتْح وَدَخَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْإِسْلَام وَقَلَّ أَهْل الْكُفْر وَذَلُّوا أُمِرَ بِمُجَاهَرَةِ الْمُنَافِقِينَ وَحَمْلهمْ عَلَى حُكْم مُرّ الْحَقّ , وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُول النَّهْي الصَّرِيح عَنْ الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا أُمِرَ فِيهِ بِمُجَاهِرَتِهِمْ , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَنْدَفِع الْإِشْكَال عَمَّا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ مَا فَعَلَ لِكَمَالِ شَفَقَته عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ بِطَرَفٍ مِنْ الدِّين , وَلِتَطْيِيبِ قَلْب وَلَده عَبْد اللَّه الرَّجُل الصَّالِح , وَلِتَأَلُّفِ قَوْمه مِنْ الْخَزْرَج لِرِيَاسَتِهِ فِيهِمْ , فَلَوْ لَمْ يُجِبْ سُؤَال اِبْنه وَتَرَكَ الصَّلَاة عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُود النَّهْي الصَّرِيح لَكَانَ سُبَّةً عَلَى اِبْنه وَعَارًا عَلَى قَوْمه , فَاسْتَعْمَلَ أَحْسَن الْأَمْرَيْنِ فِي السِّيَاسَة إِلَى أَنْ نُهِيَ فَانْتَهَى. وَتَبِعَهُ اِبْن بَطَّال وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ : وَرَجَا أَنْ يَكُون مُعْتَقَدًا لِبَعْضِ مَا كَانَ يَظْهَر فِي الْإِسْلَام. وَتَعَقَّبَهُ وَابْن الْمُنِير بِأَنَّ الْإِيمَان لَا يَتَبَعَّض. وَهُوَ كَمَا قَالَ , لَكِنَّ مُرَاد اِبْن بَطَّال أَنَّ إِيمَانه كَانَ ضَعِيفًا. قُلْت : وَقَدْ مَالَ بَعْض أَهْل الْحَدِيث إِلَى تَصْحِيح إِسْلَام عَبْد اللَّه بْن أُبَيٍّ لِكَوْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ , وَذَهَلَ عَنْ الْوَارِد مِنْ الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْمُصَرِّحَة فِي حَقّه بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ , وَلَمْ يَقِف عَلَى جَوَاب شَافٍ فِي ذَلِكَ , فَأَقْدَمَ عَلَى الدَّعْوَى الْمَذْكُورَة. وَهُوَ مَحْجُوج بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى نَقِيض مَا قَالَ , وَإِطْبَاقهمْ عَلَى تَرْك ذِكْره فِي كُتُب الصَّحَابَة مَعَ شُهْرَته وَذِكْر مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الشَّرَف وَالشُّهْرَة بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَة. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره ) قَالَ : فَذَكَرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي مِنْ اللَّه , وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِذَلِكَ أَلْفٌ مِنْ قَوْمه. قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره ) زَادَ عَنْ مُسَدَّد فِي حَدِيثه عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر فِي آخِره " فَتَرَكَ الصَّلَاة عَلَيْهِمْ " أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُسَدَّد وَحَمَّاد بْن زَاذَانَ عَنْ يَحْيَى , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز عَنْ مُسَدَّد بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس " فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ اِنْصَرَفَ , فَلَمْ يَمْكُث إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ " زَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي قَالَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيّ بِسَنَدِهِ فِي ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب قَالَ " فَمَا صَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُنَافِق بَعْدَهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه " وَمِنْ هَذَا الْوَجْه أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن إِسْحَاق فَزَادَ فِيهِ " وَلَا قَامَ عَلَى قَبْره " وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ ( اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِر لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَزِيدَن عَلَى السَّبْعِينَ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ فَلَنْ يَغْفِر اللَّه لَهُمْ ) وَرِجَاله ثِقَات مَعَ إِرْسَاله , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْآيَتَانِ مَعًا نَزَلَتَا فِي ذَلِكَ.