💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا جَرِير وَأَبُو أُسَامَةَ وَاللَّفْظ لِجَرِيرٍ ) أَيْ لَفْظ الْمَتْن. قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو أُسَامَة حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح ) يَعْنِي قَالَ أَبُو أُسَامَة عَنْ الْأَعْمَشِ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح. فَأَفَادَ تَصْرِيح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الِاعْتِصَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي أُسَامَة وَصَرَّحَ فِي رِوَايَته أَيْضًا بِالتَّحْدِيثِ , وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة مُفْرَدَة فِي الِاعْتِصَام. قَوْله : ( يُدْعَى نُوح يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبّ , فَيَقُول : هَلْ بَلَّغْت ؟ فَيَقُول : نَعَمْ ) زَادَ فِي الِاعْتِصَام " نَعَم يَا رَبّ ". قَوْله : ( فَيَقُول مَنْ يَشْهَد لَك ) فِي الِاعْتِصَام فَيَقُول " مَنْ شُهُودك ". قَوْله : ( فَيَشْهَدُونَ ) فِي الِاعْتِصَام " فَجَاءَ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ " وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا الْإِسْنَاد أَتَمّ مِنْ سِيَاق وَأَشْمَل وَلَفْظه " يَجِيء النَّبِيّ يَوْم الْقِيَامَة وَمَعَهُ الرَّجُل , وَيَجِيء النَّبِيّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ , وَيَجِيء النَّبِيّ وَمَعَهُ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , قَالَ فَيُقَال لَهُمْ : أَبَلَّغَكُمْ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ : لَا , فَيُقَال لِلنَّبِيِّ : أَبَلَّغْتهمْ ؟ فَيَقُول : نَعَمْ , فَيُقَال : لَهُ : مَنْ يَشْهَد لَك ؟ " الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْهُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة أَيْضًا. قَوْله : ( فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ) زَادَ أَبُو مُعَاوِيَة " فَيُقَال وَمَا عَلَّمَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أَخْبَرَنَا نَبِيّنَا أَنَّ الرُّسُل قَدْ بَلَّغُوا فَصَدَّقْنَاهُ " وَيُؤْخَذ مِنْ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب تَعْمِيم ذَلِكَ , فَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم بِسَنَدٍ جَيِّد عَنْ أَبِي الْعَالِيَة عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ ( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ ) وَكَانُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس يَوْم الْقِيَامَة , كَانُوا شُهَدَاء عَلَى قَوْم نُوح وَقَوْم هُود وَقَوْم صَالِح وَقَوْم شُعَيْب وَغَيْرهمْ أَنَّ رُسُلهمْ بَلَّغَتْهُمْ وَأَنَّهُمْ كَذَّبُوا رُسُلهمْ , قَالَ أَبُو الْعَالِيَة. وَهِيَ قِرَاءَة أُبَيٍّ " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَمِنْ حَدِيث جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْأُمَم إِلَّا وَدَّ أَنَّهُ مِنَّا أَيَّتهَا الْأُمَّة , مَا مِنْ نَبِيّ كَذَّبَهُ قَوْمه إِلَّا وَنَحْنُ شُهَدَاؤُهُ يَوْم الْقِيَامَة أَنْ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَة اللَّه وَنَصَحَ لَهُمْ. قَوْله : ( فَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) فِي الِاعْتِصَام " ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". قَوْله : ( وَالْوَسَط الْعَدْل ) هُوَ مَرْفُوع مِنْ نَفْس الْخَبَر , وَلَيْسَ بِمُدْرَجٍ مِنْ قَوْل بَعْض الرُّوَاة كَمَا وَهَمَ فِيهِ بَعْضهمْ , وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام بِلَفْظِ " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا عَدْلًا " وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق حَفْص اِبْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا السَّنَد فِي قَوْله : ( وَسَطًا ) قَالَ : عَدْلًا , كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مَرْفُوعًا , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه مُخْتَصَرًا مَرْفُوعًا , وَمِنْ طَرِيق وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش بِلَفْظِ " وَالْوَسَط الْعَدْل " مُخْتَصَرًا مَرْفُوعًا , وَمِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش مِثْله , وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق جَعْفَر بْنِ عَوْن عَنْ الْأَعْمَش مِثْله , وَأَخْرَجَهُ عَنْ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ كَمُجَاهِدٍ وَعَطَاء وَقَتَادَةَ , وَمِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله , قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْوَسَط فِي كَلَام الْعَرَب الْخِيَار , يَقُولُونَ فُلَان وَسَط فِي قَوْمه وَوَاسِط إِذَا أَرَادُوا الرَّفْع فِي حَسَبه. قَالَ : وَاَلَّذِي أَرَى أَنَّ مَعْنَى الْوَسَط فِي الْآيَة الْجُزْء الَّذِي بَيْن الطَّرَفَيْنِ , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ وَسَط لِتَوَسُّطِهِمْ فِي الدِّين فَلَمْ يَغْلُوا كَغُلُوِّ النَّصَارَى وَلَمْ يُقَصِّرُوا كَتَقْصِيرِ الْيَهُود , وَلَكِنَّهُمْ أَهْل وَسَط وَاعْتِدَال , قُلْت : لَا يَلْزَم مِنْ كَوْن الْوَسَط فِي الْآيَة صَالِحًا لِمَعْنَى التَّوَسُّط أَنْ لَا يَكُون أُرِيدَ بِهِ مَعْنَاهُ الْآخَر كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَدِيث , فَلَا مُغَايَرَة بَيْن الْحَدِيث وَبَيْن مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنَى الْآيَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ.