💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ عَمْرو ) هُوَ اِبْن دِينَار , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عُمَر عَنْ سُفْيَان " حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار " كَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه مِنْ طَرِيقه. قَوْله : ( كَانَ رَجُل فِي غَنِيمَة ) بِالتَّصْغِيرِ , وَفِي رِوَايَة سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِم وَصَحَّحَهُ " مَرَّ رَجُل مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِنْ الصَّحَابَة وَهُوَ يَسُوق غَنَمًا لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ". قَوْله : ( فَقَتَلُوهُ ) زَادَ فِي رِوَايَة سِمَاك " وَقَالُوا مَا سَلَّمَ عَلَيْنَا إِلَّا لِيَتَعَوَّذ مِنَّا ". قَوْله : ( وَأَخَذُوا غَنِيمَته ) فِي رِوَايَة سِمَاك " وَأَتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ " وَرَوَى الْبَزَّار مِنْ طَرِيق حَبِيب بْن أَبِي عَمْرَة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة قِصَّة أُخْرَى قَالَ " بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّة فِيهَا الْمِقْدَاد , فَلَمَّا أَتَوْا الْقَوْم وَجَدُوهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا وَبَقِيَ رَجُل لَهُ مَال كَثِير فَقَالَ : أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , فَقَتَلَهُ الْمِقْدَاد , فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْف لَك بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه غَدًا. وَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة " وَهَذِهِ الْقِصَّة يُمْكِن الْجَمْع بَيْنهَا وَبَيْن الَّتِي قَبْلهَا , وَيُسْتَفَاد مِنْهَا تَسْمِيَة الْقَاتِل , وَأَمَّا الْمَقْتُول فَرَوَى الثَّعْلَبِيّ مِنْ طَرِيق الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَخْرَجَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ نَحْوه وَاللَّفْظ لِلْكَلْبِيِّ , أَنَّ اِسْم الْمَقْتُول مِرْدَاس بْن نَهِيك مِنْ أَهْل فَدَك , وَأَنَّ اِسْم الْقَاتِل أُسَامَة بْن زَيْد , وَأَنَّ اِسْم أَمِير السَّرِيَّة غَالِب بْن فَضَالَة اللَّيْثِيُّ , وَأَنَّ قَوْم مِرْدَاس لَمَّا اِنْهَزَمُوا بَقِيَ هُوَ وَحْده وَكَانَ أَلْجَأَ غَنَمه بِجَبَلٍ , فَلَمَّا لَحِقُوهُ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه السَّلَام عَلَيْكُمْ , فَقَتَلَهُ أُسَامَة بْن زَيْد , فَلَمَّا رَجَعُوا نَزَلَتْ الْآيَة " وَكَذَا أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق السُّدِّيِّ نَحْوه , وَفِي آخِر رِوَايَة قَتَادَةَ " لِأَنَّ تَحِيَّة الْمُسْلِمِينَ السَّلَام بِهَا يَتَعَارَفُونَ " وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق اِبْن لَهِيعَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ " أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة ( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ ) فِي مِرْدَاس " وَهَذَا شَاهِد حَسَن. وَوَرَدَ فِي سَبَب نُزُولهَا عَنْ غَيْر اِبْن عَبَّاس شَيْء آخَر , فَرَوَى اِبْن إِسْحَاق فِي " الْمَغَازِي " وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقه عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ " بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَر مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ وَمُحَلِّم بْن جَثَّامَة , فَمَرَّ بِنَا عَامِر بْن الْأَضْبَط الْأَشْجَعِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا , فَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّم فَقَتَلَهُ , فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَر نَزَلَ الْقُرْآن " فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَة. وَأَخْرَجَهَا اِبْن إِسْحَاق مِنْ طَرِيق اِبْن عُمَر أَتَمّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا وَزَادَ أَنَّهُ كَانَ بَيْن عَامِر وَمُحَلِّم عَدَاوَة فِي الْجَاهِلِيَّة , وَهَذِهِ عِنْدِي قِصَّة أُخْرَى , وَلَا مَانِع أَنْ تَنْزِل الْآيَة فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. قَوْله فِي آخِر الْحَدِيث ( قَالَ قَرَأَ اِبْن عَبَّاس السَّلَام ) هُوَ مَقُول عَطَاء , وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور , وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّهَا قِرَاءَة الْأَكْثَر , وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَر شَيْئًا مِنْ عَلَامَات الْإِسْلَام لَمْ يَحِلّ دَمه حَتَّى يُخْتَبَر أَمْره , لِأَنَّ السَّلَام تَحِيَّة الْمُسْلِمِينَ , وَكَانَتْ تَحِيَّتهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة بِخِلَافِ ذَلِكَ فَكَانَتْ هَذِهِ عَلَامَة. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَة السَّلَم عَلَى اِخْتِلَاف ضَبْطه فَالْمُرَاد بِهِ الِانْقِيَاد وَهُوَ عَلَامَة الْإِسْلَام لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْلَام فِي اللُّغَة الِانْقِيَاد , وَلَا يَلْزَم مِنْ الَّذِي ذَكَرْته الْحُكْم بِإِسْلَامِ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِجْرَاء أَحْكَام الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ , بَلْ لَا بُدّ مِنْ التَّلَفُّظ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَفَاصِيل فِي ذَلِكَ بَيْن أَهْل الْكِتَاب وَغَيْرهمْ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ.