أَنَّ فَاطِمَةَ بَكَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا أَبَتَاهُ مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ يَا أَبَتَاهُ إِلَى جِبْرِيلَ يَنْعَاهُ يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ
لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ـ عَلَيْهَا السَّلاَمُ ـ وَاكَرْبَ أَبَاهُ. فَقَالَ لَهَا " لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ ". فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ يَا أَبَتَاهْ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ. فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ ـ عَلَيْهَا السَّلاَمُ ـ يَا أَنَسُ، أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التُّرَابَ
(يتغشاه) يغطيه ما اشتد به من مرض فيأخذ بنفسه ويغمه. (واكرب أباه) أندب ما يصيب أبي من هم وغم وثقل. (ننعاه) من نعى الميت إذا أذاع موته وأخبر به. (أطابت) كيف طابت ورضيت مع حبكم الشديد له. (تحثوا) تهيلوا وتدفعوا وتضعوا.
قَوْله : ( وَاكَرْب أَبَاهُ ) فِي رِوَايَة مُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ ثَابِت عِنْد النَّسَائِيِّ " وَاكَرْبَاه " وَالْأَوَّل أَصْوَب لِقَوْلِهِ فِي نَفْس الْخَبَر " لَيْسَ عَلَى أَبِيك كَرْب بَعْد الْيَوْم " وَهَذَا يَدُلّ أَنَّهَا لَمْ تَرْفَع صَوْتهَا بِذَلِكَ وَإِلَّا لَكَانَ يَنْهَاهَا. قَوْله : ( يَا أَبَتَاهْ ) كَأَنَّهَا قَالَتْ : يَا أَبِي وَالْمُثَنَّاة بَدَل مِنْ التَّحْتَانِيَّة وَالْأَلِف لِلنُّدْبَةِ وَلِمَدِّ الصَّوْت وَالْهَاء لِلسَّكْتِ. قَوْله : ( مَنْ جَنَّة الْفِرْدَوْس مَأْوَاهُ ) بِفَتْحِ الْمِيم فِي أَوَّله عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَة , وَحَكَى الطَّيِّبِي عَنْ نُسْخَة مِنْ " الْمَصَابِيح " بِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهَا حَرْف جَرّ , قَالَ : وَالْأَوَّل أَوْلَى. قَوْله : ( إِلَى جِبْرِيل نَنْعَاهُ ) قِيلَ : الصَّوَاب إِلَى جِبْرِيل نَعَاهُ , جَزَمَ بِذَلِكَ سِبْط اِبْن الْجَوْزِيّ فِي " الْمِرْآة " , وَالْأَوَّل مُوَجَّه فَلَا مَعْنَى لِتَغْلِيظِ الرُّوَاة بِالظَّنِّ وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَارِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن سُلَيْمَان كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّاد فِي هَذَا الْحَدِيث " يَا أَبَتَاهُ , مِنْ رَبّه مَا أَدْنَاهُ " وَمِثْله لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق مَعْمَر , وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِت بِهِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : زَعَمَ بَعْض مَنْ لَا يُعَدّ فِي أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : " لَا كَرْب عَلَى أَبِيك بَعْد الْيَوْم " أَنَّ كَرْبه كَانَ شَفَقَة عَلَى أُمَّته لَمَّا عَلِمَ مِنْ وُقُوع الْفِتَن وَالِاخْتِلَاف , وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَم أَنْ تَنْقَطِع شَفَقَته عَلَى أُمَّته بِمَوْتِهِ , وَالْوَاقِع أَنَّهَا بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِأَنَّهُ مَبْعُوث إِلَى مَنْ جَاءَ بَعْده وَأَعْمَالهمْ تُعْرَض عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا الْكَلَام عَلَى ظَاهِره , وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْكَرْبِ مَا كَانَ يَجِدهُ مِنْ شِدَّة الْمَوْت , وَكَانَ فِيمَا يُصِيب جَسَده مِنْ الْآلَام كَالْبَشَرِ لِيَتَضَاعَف لَهُ الْأَجْر كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْله : ( فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَة : يَا أَنَس إِلَخْ ) وَهَذَا مِنْ رِوَايَة أَنَس عَنْ فَاطِمَة , وَأَشَارَتْ عَلَيْهَا السَّلَام بِذَلِكَ إِلَى عِتَابهمْ عَلَى إِقْدَامهمْ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى خِلَاف مَا عَرَفَتْهُ مِنْهُمْ مِنْ رِقَّة قُلُوبهمْ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّتهمْ لَهُ , وَسَكَتَ أَنَس عَنْ جَوَابهَا رِعَايَة لَهَا وَلِسَان حَاله يَقُول : لَمْ تَطِبْ أَنْفُسنَا بِذَلِكَ , إِلَّا أَنَّا قَهَرْنَاهَا عَلَى فِعْله اِمْتِثَالًا لِأَمْرِهِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سَعِيد فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار بِسَنَدٍ جَيِّد : " وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِينَا مِنْ دَفْنه حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبنَا " وَمِثْله فِي حَدِيث ثَابِت عَنْ أَنَس عِنْد التِّرْمِذِيّ وَغَيْره , يُرِيد أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا تَغَيَّرَتْ عَمَّا عَهِدُوهُ فِي حَيَاته مِنْ الْأُلْفَة وَالصَّفَاء وَالرِّقَّة , لِفِقْدَانِ مَا كَانَ يَمُدّهُمْ بِهِ مِنْ التَّعْلِيم وَالتَّأْدِيب. وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث جَوَاز التَّوَجُّع لِلْمَيِّتِ عِنْد اِحْتِضَاره بِمِثْلِ قَوْل فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام " وَاكَرْب أَبَاهُ " وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النِّيَاحَة , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلهَا بَعْد أَنْ قُبِضَ " وَا أَبَتَاهْ إِلَخْ " فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظ إِذَا كَانَ الْمَيِّت مُتَّصِفًا بِهَا لَا يَمْنَع ذِكْره لَهَا بَعْد مَوْته , بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ فِيهِ ظَاهِرًا وَهُوَ فِي الْبَاطِن بِخِلَافِهِ أَوْ لَا يَتَحَقَّق اِتِّصَافه بِهَا فَيَدْخُل فِي الْمَنْع , وَنُبِّهَ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمِزِّيَّ ذَكَرَ كَلَام فَاطِمَة هَذَا فِي مُسْنَد أَنَس , وَهُوَ مُتَعَقَّب , فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَوَّله فِي مُسْنَده لِأَنَّ الظَّاهِر أَنَّهُ حَضَرَهُ , لَكِنْ الْأَخِير إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَام فَاطِمَة فَحَقّه أَنْ يَذْكُر فِي رِوَايَة أَنَس عَنْهَا.
أَنَّ فَاطِمَةَ بَكَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا أَبَتَاهُ مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ يَا أَبَتَاهُ إِلَى جِبْرِيلَ يَنْعَاهُ يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ
أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَآهُ كَئِيبًا فَقَالَ مَا لَكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ كَئِيبًا لَعَلَّهُ سَاءَتْكَ إِمْرَةُ ابْنِ عَمِّكَ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ قَالَ لَا وَأَثْنَى عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كَلِمَةٌ لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَتَهُ وَأَشْرَقَ لَوْنُهُ فَمَا مَنَعَنِي أَ…
لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي بِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وَهُوَ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ " .
لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ وَمَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الأَيْدِي وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ .
