💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ حَدَّثَنَا يَحْيَى وَزَادَ : قَالَتْ عَائِشَة لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضه ) أَمَّا عَلِيّ فَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن الْمَدِينِيّ , وَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ اِبْن سَعِيد الْقَطَّانُ , وَمُرَاده أَنَّ عَلِيًّا وَافَقَ عَبْد اللَّه بْن أَبِي شَيْبَة فِي رِوَايَته عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْحَدِيث الَّذِي قَبْله وَزَادَ عَلَيْهِ قِصَّة اللُّدُود. قَوْله : ( لَدَدْنَاهُ ) أَيْ جَعَلْنَا فِي جَانِب فَمه دَوَاء بِغَيْرِ اِخْتِيَاره , وَهَذَا هُوَ اللُّدُود , فَأَمَّا مَا يُصَبّ فِي الْحَلْق فَيُقَال لَهُ الْوُجُور , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث الْعَبَّاس " أَنَّهُمْ أَذَابُوا قِسْطًا - أَيْ بِزَيْتٍ - قَلَّدُوهُ بِهِ ". قَوْله : ( فَجَعَلَ يُشِير إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي , فَقُلْنَا : كَرَاهِيَة الْمَرِيض لِلدَّوَاءِ ) قَالَ عِيَاض : ضَبَطْنَاهُ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا مِنْهُ كَرَاهِيَة , وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء : هُوَ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف أَيْ هَذَا الِامْتِنَاع كَرَاهِيَة , وَيَحْتَمِل أَنَّ النَّصْب عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول لَهُ أَيْ نَهَانَا لِلْكَرَاهِيَةِ لِلدَّوَاءِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَصْدَرًا أَيْ كَرِهَهُ كَرَاهِيَة الدَّوَاء , قَالَ عِيَاض : الرَّفْع أَوْجَه مِنْ النَّصْب عَلَى الْمَصْدَر. قَوْله : ( لَا يَبْقَى أَحَد فِي الْبَيْت إِلَّا لُدّ وَأَنَا أَنْظُر إِلَّا الْعَبَّاس فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدكُمْ ) قِيلَ : فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْقِصَاص فِي جَمِيع مَا يُصَاب بِهِ الْإِنْسَان عَمْدًا , وَفِيهِ نَظَر , لِأَنَّ الْجَمِيع لَمْ يَتَعَاطَوْا ذَلِكَ , وَإِنَّمَا فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ عُقُوبَة لَهُمْ لِتَرْكِهِمْ اِمْتِثَال نَهْيه عَنْ ذَلِكَ , أَمَّا مَنْ بَاشَرَهُ فَظَاهِر , وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُبَاشِرهُ فَلِكَوْنِهِمْ تَرَكُوا نَهْيهمْ عَمَّا نَهَاهُمْ هُوَ عَنْهُ. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ التَّأْوِيل الْبَعِيد لَا يُعْذَر بِهِ صَاحِبه وَفِيهِ نَظَر أَيْضًا لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي مُعَارَضَة النَّهْي , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : أَرَادَ أَنْ لَا يَأْتُوا يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْهِمْ حَقّه فَيَقَعُوا فِي خَطْب عَظِيم , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِن الْعَفْو لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِم لِنَفْسِهِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَأْدِيبهمْ لِئَلَّا يَعُودُوا , فَكَانَ ذَلِكَ تَأْدِيبًا لَا قِصَاصًا وَلَا اِنْتِقَامًا. قِيلَ : وَإِنَّمَا كَرِهَ اللَّدّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَتَدَاوَى لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوت فِي مَرَضه , وَمَنْ حَقَّقَ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ التَّدَاوِي. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل التَّخْيِير وَالتَّحَقُّق , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ التَّدَاوِي لِأَنَّهُ كَانَ غَيْر مُلَائِم لِدَائِهِ , لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَات الْجَنْب فَدَاوَوْهُ بِمَا يُلَائِمهَا , وَلَمْ يَكُنْ بِهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِر فِي سِيَاق الْخَبَر كَمَا تَرَى , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( رَوَاهُ اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة ) وَصَلَهُ مُحَمَّد بْن مُسْعَد عَنْ مُحَمَّد بْن الصَّبَّاحِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد بِهَذَا السَّنَد وَلَفْظه : كَانَتْ تَأْخُذ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَاصِرَة , فَاشْتَدَّتْ بِهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَدَدْنَاهُ , فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : هَذَا مِنْ فِعْل نِسَاء جِئْنَ مِنْ هُنَا , وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَة , وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّ اللَّه يُسَلِّط عَلَيَّ ذَات الْجَنْب مَا كَانَ اللَّه لِيَجْعَل لَهَا عَلَيَّ سُلْطَانًا , وَاَللَّه لَا يَبْقَى أَحَد فِي الْبَيْت إِلَّا لُدَّ , فَمَا بَقِيَ أَحَد فِي الْبَيْت إِلَّا لُدَّ , وَلَدَدْنَا مَيْمُونَة وَهِيَ صَائِمَة " وَمَنْ طَرِيق أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ أُمّ سَلَمَة وَأَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ أَشَارَتَا بِأَنْ يَلُدُّوهُ , وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْسٍ قَالَتْ : " إِنَّ أَوَّل مَا اِشْتَكَى كَانَ فِي بَيْت مَيْمُونَة , فَاشْتَدَّ مَرَضه حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ , فَتَشَاوَرْنَ فِي لَدّه فَلَدُّوهُ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : هَذَا فِعْل نِسَاء جِئْنَ مِنْ هُنَا - وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَة - وَكَانَتْ أَسْمَاء مِنْهُنَّ فَقَالُوا : كُنَّا نَتَّهِم بِك ذَات الْجَنْب , فَقَالَ : مَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِّبنِي بِهِ , لَا يَبْقَى أَحَد فِي الْبَيْت إِلَّا لُدَّ. قَالَ : فَلَقَدْ اِلْتَدَّتْ مَيْمُونَة وَهِيَ صَائِمَة " وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي الزِّنَاد هَذِهِ بَيَان ضَعْف مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ اِبْن لَهِيعَة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ مِنْ ذَات الْجَنْب " ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنَّ ذَات الْجَنْب تُطْلَق بِإِزَاءِ مَرَضَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي كِتَاب الطِّبّ : أَحَدهمَا وَرَم حَارّ يَعْرِض فِي الْغِشَاء الْمُسْتَبْطِن , وَالْآخَر رِيح مُحْتَقِن بَيْن الْأَضْلَاع , فَالْأَوَّل هُوَ الْمَنْفِيّ هُنَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك " ذَات الْجَنْب مِنْ الشَّيْطَان " وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أَثْبَت هُنَا , وَلَيْسَ فِيهِ مَحْذُور كَالْأَوَّلِ.