💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( مِنْ مَسْكَنه بِالسُّنْحِ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون وَبِضَمِّهَا أَيْضًا وَآخِره حَاء مُهْمَلَة , وَتَقَدَّمَ ضَبْطه فِي الْجَنَائِز , وَأَنَّهُ مَسْكَن زَوْجَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق. قَوْله : ( لَا يَجْمَع اللَّه عَلَيْك مَوْتَتَيْنِ ) تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَّل الْجَنَائِز , وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ : الْمُرَاد بِالْمَوْتَةِ الْأُخْرَى مَوْتَة الشَّرِيعَة أَيْ لَا يَجْمَع اللَّه عَلَيْك مَوْتك وَمَوْت شَرِيعَتك. قَالَ هَذَا الْقَائِل. وَيُؤَيِّدهُ قَوْل أَبِي بَكْر بَعْد ذَلِكَ فِي خُطْبَته " مَنْ كَانَ يَعْبُد مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ , وَمَنْ كَانَ يَعْبُد اللَّه فَإِنَّ اللَّه حَيّ لَا يَمُوت " وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْت لَيْسَ فِي الْقُرْآن أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ , ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ أَبَا بَكْر تَلَاهَا لِأَجْلِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ. قُلْت : وَرِوَايَة اِبْن السَّكَن قَدْ أَوْضَحَتْ الْمُرَاد. فَإِنَّهُ زَادَ لَفْظ " عَلِمْت ". قَوْله : ( قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة ) الْقَائِل هُوَ الزُّهْرِيّ. قَوْله : ( وَعُمَر يُكَلِّم النَّاس ) أَيْ يَقُول لَهُمْ : مَا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن بَابَنُوس عَنْ عَائِشَة مُتَّصِلًا بِمَا ذَكَرْته فِي آخِر الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الثَّامِن شَيْء دَارَ بَيْن الْمُغِيرَة وَعُمَر. فَفِيهِ بَعْد قَوْلهَا : " فَسَجَّيْته ثَوْبًا : فَجَاءَ عُمَر وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة فَاسْتَأْذَنَا فَأَذِنْت لَهُمَا , وَجَذَبْت الْحِجَاب فَنَظَر عُمَر إِلَيْهِ فَقَالَ : وَاغَشْيَتَاه , ثُمَّ قَامَا , فَلَمَّا دَنَوَا مِنْ الْبَاب قَالَ الْمُغِيرَة : يَا عُمَر مَاتَ. قَالَ : كَذَبْت , بَلْ أَنْتَ رَجُل تَحُوشُك فِتْنَة إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمُوت حَتَّى يُفْنِي اللَّه الْمُنَافِقِينَ. ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْر فَرَفَعْت الْحِجَاب , فَنَظَر إِلَيْهِ فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ , مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَرَوَى اِبْن إِسْحَاق وَعَبْد الرَّزَّاق وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة " أَنَّ الْعَبَّاس قَالَ لِعُمَر : هَلْ عِنْد أَحَد مِنْكُمْ عَهْد مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ , وَلَمْ يَمُتْ حَتَّى حَارَبَ وَسَالَمَ وَنَكَحَ وَطَلَّقَ وَتَرَكَكُمْ عَلَى مَحَجَّة وَاضِحَة " وَهَذِهِ مِنْ مُوَافَقَات الْعَبَّاس لِلصِّدِّيقِ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة " أَنَّ أَبَا بَكْر مَرَّ بِعُمَر وَهُوَ يَقُول : مَا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَمُوت حَتَّى يَقْتُل اللَّه الْمُنَافِقِينَ , وَكَانُوا أَظْهَرُوا الِاسْتِبْشَار وَرَفَعُوا رُءُوسهمْ , فَقَالَ : أَيّهَا الرَّجُل إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ , أَلَمْ تَسْمَع اللَّه تَعَالَى يَقُول : ( إِنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِك الْخُلْدَ ) ثُمَّ أَتَى الْمِنْبَر فَصَعِدَ فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَذَكَرَ خُطْبَته ". قَوْله : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) زَادَ يَزِيد بْن بَابَنُوس عَنْ عَائِشَة " أَنَّ أَبَا بَكْر حَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّه يَقُول : ( إِنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَة , ثُمَّ تَلَا ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ ) الْآيَة , وَقَالَ فِيهِ : قَالَ عُمَر. أَوَإِنَّهَا فِي كِتَاب اللَّه ؟ مَا شَعَرْت أَنَّهَا فِي كِتَاب اللَّه ". وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر نَحْوه وَزَادَ : ثُمَّ نَزَلَ , فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ , وَأَخَذَ الْمُنَافِقِينَ الْكَآبَة. قَالَ اِبْن عُمَر وَكَأَنَّمَا عَلَى وُجُوهنَا أَغْطِيَة فَكُشِفَتْ. قَوْله : ( فَأَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ) هُوَ مَقُول الزُّهْرِيّ , وَأَغْرَبَ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : مَا أَدْرِي الْقَائِل : " فَأَخْبَرَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب " الزُّهْرِيّ أَوْ شَيْخه أَبُو مَسْلَمَةَ ؟ فَقُلْت : صَرَّحَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر بِأَنَّهُ الزُّهْرِيّ , وَأَثَر اِبْن الْمُسَيِّب عَنْ عُمَر هَذَا أَهْمَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف مَعَ أَنَّهُ عَلَى شَرْطه. قَوْله : ( فَعُقِرْت ) بِضَمِّ الْعَيْن وَكَسْر الْقَاف أَيْ هَلَكْت , وَفِي رِوَايَة بِفَتْحِ الْعَيْن أَيْ دَهَشْت وَتَحَيَّرْت , وَيُقَال سَقَطْت , وَرَوَاهُ يَعْقُوب بْن السِّكِّيت بِالْفَاءِ مِنْ الْعَفَر وَهُوَ التُّرَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " فَقُعِرْت " بِتَقْدِيمِ الْقَاف عَلَى الْعَيْن وَهُوَ خَطَأ وَالصَّوَاب الْأَوَّل. قَوْله : ( مَا تُقِلّنِي ) بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر الْقَاف وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ مَا تَحْمِلنِي. قَوْله : ( وَحَتَّى أَهْوَيْت ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " هَوَيْت " بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيه. قَوْله : ( إِلَى الْأَرْض حِين سَمِعْته تَلَاهَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَقَوْله : " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عَلَى الْبَدَل مِنْ الْهَاء فِي قَوْله تَلَاهَا : أَيْ تَلَا الْآيَة الَّتِي مَعْنَاهَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) وَفِي رِوَايَة اِبْن السَّكَن " فَعَلِمْت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ " وَهِيَ وَاضِحَة , وَكَذَا عِنْد عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ " فَعُقِرْت وَأَنَا قَائِم حَتَّى خَرَرْت إِلَى الْأَرْض , فَأَيْقَنْت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ " وَفِي الْحَدِيث قُوَّة جَأْش أَبِي بَكْر وَكَثْرَة عِلْمه , وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَبَّاس كَمَا ذَكَرْنَا , وَالْمُغِيرَة كَمَا رَوَاهُ اِبْن سَعْد وَابْن أُمّ مَكْتُوم كَمَا فِي الْمَغَازِي لِأَبِي الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة قَالَ : " إِنَّهُ كَانَ يَتْلُو قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) وَالنَّاس لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ , وَكَانَ أَكْثَر الصَّحَابَة عَلَى خِلَاف ذَلِكَ " فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْأَقَلّ عَدَدًا فِي الِاجْتِهَاد قَدْ يُصِيب وَيُخْطِئ الْأَكْثَر فَلَا يَتَعَيَّن التَّرْجِيح بِالْأَكْثَرِ , وَلَا سِيَّمَا إِنْ ظَهَرَ أَنَّ بَعْضهمْ قَلَّدَ بَعْضًا.