📚 التخريج و شرح الألفاظ
(الفتنة) الفساد والشر واضطراب الأمور. (ها هنا) نحو المشرق. (قرن الشيطان) المراد: ما يثيره الشيطان من الفتن، ومن يسعى فيها ويؤجج نيرانها من شياطين الإنس، أو المراد بالقرن صفحة الرأس وجانبه، فيكون المعنى: أن الشيطان ينتصب في محاذاة الشمس حين تطلع، فإذا طلعت كانت بين جانبي رأسه، فإذا سجد عبدة الشمس كان السجود له.
💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس , وَأَخُوهُ هُوَ أَبُو بَكْر عَبْد الْحَمِيد , وَسُلَيْمَان هُوَ اِبْن بِلَال , وَثَوْر بْن زَيْد هُوَ الْمَدَنِيّ , وَأَمَّا ثَوْر بْن يَزِيد الشَّامِيّ فَأَبُوهُ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّة مَفْتُوحَة فِي أَوَّله , وَأَبُو الْغَيْث اِسْمه سَالِم. قَوْله : ( الْإِيمَان يَمَان ) فِي رِوَايَة الْأَعْرَج الَّتِي بَعْدهَا " الْفِقْه يَمَان " وَفِيهَا وَفِي رِوَايَة ذَكْوَانَ " وَالْحِكْمَة يَمَانِيَّة " وَفِي أَوَّلهَا وَأَوَّل رِوَايَة ذَكْوَانَ " أَتَاكُمْ أَهْل الْيَمَن " وَهُوَ خِطَاب لِلصَّحَابَةِ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ , وَفِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود " وَالْجَفَاء وَغِلَظ الْقُلُوب فِي الْفَدَّادِينَ إِلَخْ " وَفِي رِوَايَة ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء فِي أَصْحَاب الْإِبِل " وَزَادَ فِيهَا " وَالسَّكِينَة وَالْوَقَار فِي أَهْل الْغَنَم " وَزَادَ فِي رِوَايَة أَبِي الْغَيْث " وَالْفِتْنَة هُنَا حَيْثُ يَطْلُع قَرْن الشَّيْطَان " وَهَذَا هُوَ الْحَدِيث السَّادِس , وَسَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْفِتَن إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَتَقَدَّمَ شَرْح سَائِر ذَلِكَ فِي أَوَّل الْمَنَاقِب وَفِي بَدْء الْخَلْق , وَأَشَرْت هُنَاكَ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا " أَتَاكُمْ أَهْل الْيَمَن " تَرُدّ قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " الْإِيمَان يَمَان " الْأَنْصَار وَغَيْر ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ اِبْن الصَّلَاح قَوْل أَبِي عُبَيْد وَغَيْره : إِنَّ مَعْنَى قَوْله : " الْإِيمَان يَمَان " أَنَّ مَبْدَأ الْإِيمَان مِنْ مَكَّة لِأَنَّ مَكَّة مِنْ تِهَامَة وَتِهَامَة مِنْ الْيَمَن , وَقِيلَ : الْمُرَاد مَكَّة وَالْمَدِينَة , لِأَنَّ هَذَا الْكَلَام صَدَرَ وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبُوك , فَتَكُون الْمَدِينَة حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَحَلّ الَّذِي هُوَ فِيهِ يَمَانِيَّة , وَالثَّالِث وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الْأَنْصَار لِأَنَّهُمْ يَمَانِيُّونَ فِي الْأَصْل فَنَسَبَ الْإِيمَان إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَنْصَاره. وَقَالَ اِبْن الصَّلَاح : وَلَوْ تَأَمَّلُوا أَلْفَاظ الْحَدِيث لَمَا اِحْتَاجُوا إِلَى هَذَا التَّأْوِيل , لِأَنَّ قَوْله " أَتَاكُمْ أَهْل الْيَمَن " خِطَاب لِلنَّاسِ وَمِنْهُمْ الْأَنْصَار , فَيَتَعَيَّن أَنَّ الَّذِينَ جَاءُوا غَيْرهمْ , قَالَ : وَمَعْنَى الْحَدِيث وَصْف الَّذِينَ جَاءُوا بِقُوَّةِ الْإِيمَان وَكَمَاله وَلَا مَفْهُوم لَهُ , قَالَ : ثُمَّ الْمُرَاد الْمَوْجُودُونَ حِينَئِذٍ مِنْهُمْ لَا كُلّ أَهْل الْيَمَن فِي كُلّ زَمَان اِنْتَهَى. وَلَا مَانِع أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " الْإِيمَان يَمَان " مَا هُوَ أَعَمّ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْد وَمَا ذَكَرَهُ اِبْن الصَّلَاح , وَحَاصِله أَنَّ قَوْله " يَمَان " يَشْمَل مَنْ يُنْسَب إِلَى الْيَمَن بِالسُّكْنَى وَبِالْقَبِيلَةِ , لَكِنْ كَوْن الْمُرَاد بِهِ مَنْ يُنْسَب بِالسُّكْنَى أَظْهَر. بَلْ هُوَ الْمُشَاهَد فِي كُلّ عَصْر مِنْ أَحْوَال سُكَّان جِهَة الْيَمَن وَجِهَة الشَّمَال , فَغَالِب مَنْ يُوجَد مِنْ جِهَة الْيَمَن رِقَاق الْقُلُوب وَالْأَبْدَان , وَغَالِب مَنْ يُوجَد مِنْ جِهَة الشَّمَال غِلَاظ الْقُلُوب وَالْأَبْدَان , وَقَدْ قَسَمَ فِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود أَهْل الْجِهَات الثَّلَاثَة : الْيَمَن وَالشَّام وَالْمَشْرِق , وَلَمْ يَتَعَرَّض لِلْمَغْرِبِ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي حَدِيث آخَر , فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرهُ الرَّاوِي إِمَّا لِنِسْيَانٍ أَوْ غَيْره , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي الْأَشْعَرِيِّينَ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْيَمَن قَطْعًا , وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس " بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ إِذْ قَالَ : اللَّه أَكْبَر , إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح , وَجَاءَ أَهْل الْيَمَن نَقِيَّة قُلُوبهمْ , حَسَنَة طَاعَتهمْ. الْإِيمَان يَمَان وَالْفِقْه يَمَان وَالْحِكْمَة يَمَانِيَّة " أَخْرَجَهُ الْبَزَّار. وَعَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِم عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " يَطْلُع عَلَيْكُمْ أَهْل الْيَمَن كَأَنَّهُمْ السَّحَاب , هُمْ خَيْر أَهْل الْأَرْض " الْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيُّ , وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن عَبَسَةَ " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُيَيْنَةَ بْن حِصْن : أَيّ الرِّجَال خَيْر ؟ قَالَ رِجَال أَهْل نَجْد , قَالَ : كَذَبْت بَلْ هُمْ أَهْل الْيَمَن , الْإِيمَان يَمَان " الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيث مُعَاذ بْن جَبَل , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْله " هُمْ أَرَقّ أَفْئِدَة وَأَلْيَن قُلُوبًا " أَيْ لِأَنَّ الْفُؤَاد غِشَاء الْقَلْب , فَإِذَا رَقَّ نَفَذَ الْقَوْل وَخَلَصَ إِلَى مَا وَرَاءَهُ ; وَإِذَا غَلُظَ بَعُدَ وُصُوله إِلَى دَاخِل , وَإِذَا كَانَ الْقَلْب لَيِّنًا عَلِقَ كُلّ مَا يُصَادِفهُ.