💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع ) اِبْن شُبْرُمَةَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء بَيْنهمَا مُوَحَّدَة سَاكِنَة. قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن ) هُوَ اِبْن زِيَاد , وَنُعْم بِضَمِّ النُّون وَسُكُون الْمُهْمَلَة. قَوْله : ( بِذُهَيْبَةِ ) تَصْغِير ذَهَبَة , وَكَأَنَّهُ أَنَّثَهَا عَلَى مَعْنَى الطَّائِفَة أَوْ الْجُمْلَة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : عَلَى مَعْنَى الْقِطْعَة. وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهَا كَانَتْ تِبْرًا , وَقَدْ يُؤَنَّث الذَّهَب فِي بَعْض اللُّغَات , وَفِي مُعْظَم النُّسَخ مِنْ مُسْلِم " بِذَهَبَةٍ " بِفَتْحَتَيْنِ بِغَيْرِ تَصْغِير. قَوْله : ( فِي أَدِيم مَقْرُوظ ) بِظَاءِ مُعْجَمَة مُشَالَة أَيْ مَدْبُوغ بِالْقَرَظِ. قَوْله : ( لَمْ تُحَصَّل مِنْ تُرَابهَا ) أَيْ لَمْ تُخَلَّص مِنْ تُرَاب الْمَعْدِن فَكَأَنَّهَا كَانَتْ تِبْرًا وَتَخْلِيصهَا بِالسَّبْكِ. قَوْله : ( بَيْن عُيَيْنَةَ بْن بَدْر ) كَذَا نُسِبَ لِجَدِّهِ الْأَعْلَى. وَهُوَ عُيَيْنَةَ بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر الْفَزَارِيُّ. قَوْله : ( وَأَقْرَع بْن حَابِس ) قَالَ اِبْن مَالِك : فِيهِ شَاهِد عَلَى أَنَّ ذَا الْأَلْف وَاللَّام مِنْ الْأَعْلَام الْغَالِبَة قَدْ يُنْزَعَانِ عَنْهُ فِي غَيْر نِدَاء وَلَا إِضَافَة وَلَا ضَرُورَة , وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ عَنْ الْعَرَب : هَذَا يَوْم اِثْنَيْنِ مُبَارَك , وَقَالَ مِسْكِين الدَّارِمِيُّ وَنَابِغَة الْجَعْدِيّ فِي الْجَعْدِيَّة , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ , وَقَدْ مَضَى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن مَسْرُوق عَنْ اِبْن أَبِي نُعْمِ بِلَفْظِ " وَالْأَقْرَع بْن حَابِس الْحَنْظَلِيّ ثُمَّ الْمُجَاشِعِيّ ". قَوْله : ( وَزَيْد الْخَيْل ) أَيْ اِبْن مُهَلْهَل الطَّائِيّ. وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق " وَبَيْن زَيْد الْخَيْل الطَّائِيّ ثُمَّ أَحَد بَنِي نَبْهَان " وَقِيلَ لَهُ زَيْد الْخَيْل لِكَرَائِم الْخَيْل الَّتِي كَانَتْ لَهُ , وَسَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْد الْخَيْر بِالرَّاءِ بَدَل اللَّام وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامه وَمَاتَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْله : ( وَالرَّابِع إِمَّا عَلْقَمَة ) أَيْ اِبْن عُلَاثَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَالْمُثَلَّثَة الْعَامِرِيّ ( وَإِمَّا عَامِر بْن الطُّفَيْل ) وَهُوَ الْعَامِرِيّ , وَجَزَمَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق بِأَنَّهُ عَلْقَمَة بْن عُلَاثَة الْعَامِرِيّ ثُمَّ أَحَد بَنِي كِلَاب وَهُوَ مِنْ أَكَابِر بَنِي عَامِر , وَكَانَ يَتَنَازَع الرِّيَاسَة هُوَ وَعَامِر بْن الطُّفَيْل , وَأَسْلَمَ عَلْقَمَة فَحَسُنَ إِسْلَامه , وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَر عَلَى حَوَرَانَ فَمَاتَ بِهَا فِي خِلَافَته. وَذِكْرُ عَامِر بْن الطُّفَيْل غَلَط مِنْ عَبْد الْوَاحِد فَإِنَّهُ كَانَ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ. قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مِنْ أَصْحَابه ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق " فَغَضِبَتْ قُرَيْش وَالْأَنْصَار وَقَالُوا : يُعْطِي صَنَادِيد أَهْل نَجْد وَيَدَعنَا , فَقَالَ : إِنَّمَا أَتَأَلَّفهُمْ " وَالصَّنَادِيد بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون جَمْع صِنْدِيد وَهُوَ الرَّئِيس. قَوْله : ( فَقَالَ أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِين مَنْ فِي السَّمَاء , يَأْتِينِي خَبَر السَّمَاء صَبَاحًا وَمَسَاء ) فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَقِب قَوْل الْخَارِجِيّ الَّذِي يُذْكَر بَعْد هَذَا , وَهُوَ الْمَحْفُوظ. ( تَنْبِيه ) : هَذِهِ الْقِصَّة غَيْر الْقِصَّة الْمُتَقَدِّمَة فِي غَزْوَة حُنَيْنٍ , وَوَهَمَ مَنْ خَلَطَهَا بِهَا. وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الذُّهَيْبَة فَقِيلَ : كَانَتْ خُمُس الْخُمُس , وَفِيهِ نَظَر. وَقِيلَ مِنْ الْخُمُس , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه أَنَّهُ يَضَعهُ فِي صِنْفٍ مِنْ الْأَصْنَاف لِلْمَصْلَحَةِ. وَقِيلَ مِنْ أَصْل الْغَنِيمَة وَهُوَ بَعِيد. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَوْله : " مَنْ فِي السَّمَاء " فِي كِتَاب التَّوْحِيد. قَوْله : ( فَقَامَ رَجُل غَائِر الْعَيْنَيْنِ ) بَالِغِينَ الْمُعْجَمَة وَالتَّحْتَانِيَّة وَزْن فَاعِل مِنْ الْغَوْر , وَالْمُرَاد أَنَّ عَيْنَيْهِ دَاخِلَتَانِ فِي مَحَاجِرهمَا لَاصِقَتَيْنِ بِقَعْرِ الْحَدَقَة , وَهُوَ ضِدّ الْجُحُوظ. قَوْله : ( مُشْرِف ) بِشِينِ مُعْجَمَة وَفَاء أَيْ بَارِزهمَا , وَالْوَجْنَتَانِ الْعَظْمَان الْمُشْرِفَانِ عَلَى الْخَدَّيْنِ. قَوْله : ( نَاشِز ) بِنُونِ وَشَيْنَ مُعْجَمَة وَزَاي أَيْ مُرْتَفِعهَا , فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق " نَاتِئ الْجَبِين " بِنُونٍ وَمُثَنَّاة عَلَى وَزْن فَاعِل مِنْ النُّتُوء أَيْ أَنَّهُ يَرْتَفِع عَلَى مَا حَوْله. قَوْله : ( مَحْلُوق ) سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر التَّوْحِيد مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ الْخَوَارِج سِيمَاهُمْ التَّحْلِيق , وَكَانَ السَّلَف يُوَفِّرُونَ شُعُورهمْ لَا يَحْلِقُونَهَا , وَكَانَتْ طَرِيقَة الْخَوَارِج حَلْق جَمِيع رُءُوسِهِمْ. قَوْله : ( أَوَلَسْت أَحَقّ أَهْل الْأَرْض أَنْ يَتَّقِي اللَّه ) وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق " فَقَالَ وَمَنْ يُطِعْ اللَّه إِذَا عَصَيْته " وَهَذَا الرَّجُل هُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَة التَّمِيمِيّ كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ , وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ اِسْمه نَافِع وَرَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ , وَقِيلَ اِسْمه حُرْقُوص بْن زُهَيْر السَّعْدِيّ , وَسَيَأْتِي تَحْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ. قَوْله : ( فَقَالَ خَالِد بْن الْوَلِيد ) فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي سَعِيد فِي عَلَامَات النُّبُوَّة " فَقَالَ عُمَر " وَلَا تُنَافِيه هَذِهِ الرِّوَايَة لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا سَأَلَ فِي ذَلِكَ. قَوْله : ( أَلَا أَضْرِب عُنُقه ؟ قَالَ : لَا , لَعَلَّهُ أَنْ يَكُون يُصَلِّي ) فِيهِ اِسْتِعْمَال لَعَلَّ اِسْتِعْمَال عَسَى , نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن مَالِك , وَقَوْله : " يُصَلِّي " قِيلَ فِيهِ دَلَالَة مِنْ طَرِيق الْمَفْهُوم عَلَى أَنَّ تَارِك الصَّلَاة يُقْتَل وَفِيهِ نَظَر. قَوْله : ( أَنْ أُنَقِّب ) بِنُونِ وَقَاف ثَقِيلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة أَيْ إِنَّمَا أُمِرْت أَنْ آخُذَ بِظَوَاهِر أُمُورهمْ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِنَّمَا مَنَعَ قَتْله وَإِنْ كَانَ قَدْ اِسْتَوْجَبَ الْقَتْل لِئَلَّا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّهُ يَقْتُل أَصْحَابه وَلَا سِيَّمَا مَنْ صَلَّى , كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيره فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ. وَقَالَ الْمَازِرِيّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْهَم مِنْ الرَّجُل الطَّعْن فِي النُّبُوَّة , وَإِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَى تَرْك الْعَدْل فِي الْقِسْمَة , وَلَيْسَ ذَلِكَ كَبِيرَة , وَالْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ مِنْ الْكَبَائِر بِالْإِجْمَاعِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَاز وُقُوع الصَّغَائِر , أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يُعَاقِب هَذَا الرَّجُل لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت ذَلِكَ عَنْهُ , بَلْ نَقَلَهُ عَنْهُ وَاحِد , وَخَبَر الْوَاحِد لَا يُرَاق بِهِ الدَّم. اِنْتَهَى. وَأَبْطَلَهُ عِيَاض بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث : " اِعْدِلْ يَا مُحَمَّد " فَخَاطَبَهُ فِي الْمَلَإِ بِذَلِكَ حَتَّى اِسْتَأْذَنُوهُ فِي قَتْلِهِ , فَالصَّوَاب مَا تَقَدَّمَ. قَوْله : ( يَخْرُج مِنْ ضِئْضِئِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَادَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَيْنهمَا تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة سَاكِنَة وَفِي آخِره تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة أَيْضًا , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ بِصَادَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ , فَأَمَّا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة فَالْمُرَاد بِهِ النَّسْل وَالْعَقِب , وَزَعَمَ اِبْن الْأَثِير أَنَّ الَّذِي بِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَاهُ , وَحَكَى اِبْن الْأَثِير أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَدِّ بِوَزْنِ قِنْدِيل , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء أَنَّهُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَوْ مِنْ عَقِب هَذَا. قَوْله : ( يَتْلُونَ كِتَاب اللَّه رَطْبًا ) فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق " يَقْرَءُونَ الْقُرْآن ". قَوْله : ( لَا يُجَاوِز حَنَاجِرَهُمْ ) تَقَدَّمَ شَرْحه فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. قَوْله : ( يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين ) فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق " مِنْ الْإِسْلَام " وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ أَوَّل الدِّين هُنَا بِالطَّاعَةِ , وَقَالَ : إِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ طَاعَة الْإِمَام كَمَا يَخْرُج السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة , وَهَذِهِ صِفَة الْخَوَارِج الَّذِينَ كَانُوا لَا يُطِيعُونَ الْخُلَفَاء. وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد بِالدِّينِ الْإِسْلَام كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى , وَخَرَّجَ الْكَلَام مَخْرَج الزَّجْر وَأَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ يَخْرُجُونَ مِنْ الْإِسْلَام الْكَامِل. وَزَادَ سَعِيد بْن مَسْرُوق فِي رِوَايَته " يَقْتُلُونَ أَهْل الْإِسْلَام وَيَدَعُونَ أَهْل الْأَوْثَان " وَهُوَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُغَيَّبَات فَوَقَعَ كَمَا قَالَ. قَوْله : ( وَأَظُنّهُ قَالَ : لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنّهُمْ قَتْل ثَمُود ) فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق " لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنّهُمْ قَتْل عَادٍ " وَلَمْ يَتَرَدَّد فِيهِ وَهُوَ الرَّاجِح , وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ قَوْله " لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنّهُمْ " مَعَ أَنَّهُ نَهَى خَالِدًا عَنْ قَتْل أَصْلهمْ , وَأُجِيب بِأَنَّهُ أَرَادَ إِدْرَاك خُرُوجهمْ وَاعْتِرَاضهمْ الْمُسْلِمِينَ بِالسَّيْفِ , وَلَمْ يَكُنْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي زَمَانه , وَأَوَّل مَا ظَهَرَ فِي زَمَان عَلِيّ كَمَا هُوَ مَشْهُور , وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي " عَلَامَات النُّبُوَّة " , وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَكْفِير الْخَوَارِج , وَهِيَ مَسْأَلَة شَهِيرَة فِي الْأُصُول , وَسَيَأْتِي الْإِلْمَام بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ.