💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( بَعَثَ أَبَا عَامِر ) هُوَ عُبَيْد بْن سَلِيم بْن حُضَّار الْأَشْعَرِيّ , وَهُوَ عَمّ أَبِي مُوسَى. وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : هُوَ اِبْن عَمّه. وَالْأَوَّل أَشْهَر. قَوْله : ( فَلَقِيَ دُرَيْد بْن الصِّمَّة فَقُتِلَ دُرَيْد ) أَمَّا الصِّمَّة فَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْمِيم أَيْ اِبْن بَكْر بْن عَلْقَمَة - وَيُقَال بْن الْحَارِث بْن بَكْر بْن عَلْقَمَة - الْجُشَمِيّ بِضَمِّ الْجِيم وَفَتْح الْمُعْجَمَة مِنْ بَنِي جُشَم بْن مُعَاوِيَة بْن بَكْر بْن هَوَازِن , فَالصِّمَّة لَقَب لِأَبِيهِ وَاسْمه الْحَارِث , وَقَوْله فَقُتِلَ رَوَيْنَاهُ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ , وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِله فَجَزَمَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بِأَنَّهُ رَبِيعَة بْن رُفَيْع بِفَاءِ مُصَغَّر اِبْن وَهْبَان بْن ثَعْلَبَة بْن رَبِيعَة السُّلَمِيّ وَكَانَ يُقَال لَهُ اِبْن الذِّعْنَة بِمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُهْمَلَة , وَيُقَال بِمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَة وَهِيَ أُمّه , وَقَالَ اِبْن هِشَام : يُقَال اِسْمه عَبْد اللَّه بْن قُبَيْع بْن أُهْبَان , وَسَاقَ بَقِيَّة نَسَبه. وَيُقَال لَهُ أَيْضًا اِبْن الدُّغُنَّة وَلَيْسَ هُوَ اِبْن الدُّغُنَّة الْمَذْكُور فِي قِصَّة أَبِي بَكْر فِي الْهِجْرَة , وَرَوَى الْبَزَّار فِي مُسْنَد أَنَس بِإِسْنَادٍ حَسَن مَا يُشْعِر بِأَنَّ قَاتِل دُرَيْد بْن الصِّمَّة هُوَ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام وَلَفْظه " لَمَّا اِنْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ اِنْحَازَ دُرَيْد بْن الصِّمَّة فِي سِتّمِائَة نَفْس عَلَى أَكْمَة فَرَأَوْا كَتِيبَة , فَقَالَ خَلُّوهُمْ لِي , فَخَلُّوهُمْ , فَقَالَ : هَذِهِ قُضَاعَة وَلَا بَأْس عَلَيْكُمْ , ثُمَّ رَأَوْا كَتِيبَة مِثْل ذَلِكَ , فَقَالَ : هَذِهِ سَلِيم , ثُمَّ رَأَوْا فَارِسًا وَحْده فَقَالَ : خَلُّوهُ لِي , فَقَالُوا مُعْتَجِر بِعِمَامَةٍ سَوْدَاء , فَقَالَ : هَذَا الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام , وَهُوَ قَاتِلكُمْ وَمُخْرِجكُمْ مِنْ مَكَانكُمْ هَذَا , قَالَ فَالْتَفَتَ الزُّبَيْر فَرَآهُمْ فَقَالَ : عَلَامَ هَؤُلَاءِ هَاهُنَا ؟ فَمَضَى إِلَيْهِمْ , وَتَبِعَهُ جَمَاعَة فَقَتَلُوا مِنْهُمْ ثَلَاثمِائَة , فَحَزَّ رَأْس دُرَيْد بْن الصِّمَّة فَجَعَلَهُ بَيْن يَدَيْهِ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اِبْن الدُّغُنَّة كَانَ فِي جَمَاعَة الزُّبَيْر فَبَاشَرَ قَتْلَهُ فَنُسِبَ إِلَى الزُّبَيْر مَجَازًا , وَكَانَ دُرَيْد مِنْ الشُّعَرَاءِ الْفُرْسَانِ الْمَشْهُورِينَ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَيُقَال إِنَّهُ كَانَ لَمَّا قُتِلَ اِبْن عِشْرِينَ - وَيُقَال اِبْن سِتِّينَ - وَمِائَة سَنَة. قَوْله : ( قَالَ أَبُو مُوسَى وَبَعَثَنِي ) أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَعَ أَبِي عَامِر ) أَيْ إِلَى مَنْ اِلْتَجَأَ إِلَى أَوْطَاسٍ , وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا عَامِر الْأَشْعَرِيّ فِي آثَار مَنْ تَوَجَّهَ إِلَى أَوْطَاسٍ , فَأَدْرَكَ بَعْض مَنْ اِنْهَزَمَ فَنَاوَشُوهُ الْقِتَال. قَوْله : ( فَرَمْي أَبُو عَامِر فِي رُكْبَته , رَمَاهُ جُشَمِيّ ) بِضَمِّ الْجِيم وَفَتْح الْمُعْجَمَة أَيْ رَجُل مِنْ بَنِي جُشَم , وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم هَذَا الْجُشَمِيّ فَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : زَعَمُوا أَنَّ سَلَمَة بْن دُرَيْد بْن الصِّمَّة هُوَ الَّذِي رَمَى أَبَا عَامِر بِسَهْمٍ فَأَصَابَ رُكْبَته فَقَتَلَهُ , وَأَخَذَ الرَّايَة أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَقَاتَلَهُمْ فَفَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ , وَقَالَ اِبْن هِشَام : حَدَّثَنِي مَنْ أَثِق بِهِ أَنَّ الَّذِي رَمَى أَبَا عَامِر أَخَوَانِ مِنْ بَنِي جُشْمٍ وَهُمَا أَوْفَى وَالْعَلَاء اِبْنَا الْحَارِث , وَفِي نُسْخَة وَافَى بَدَل أَوْفَى, فَأَصَابَ أَحَدهمَا رُكْبَته , وَقَتَلَهُمَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. وَعِنْد اِبْن عَائِذ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي " الْأَوْسَط " مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن " لَمَّا هَزَمَ اللَّه الْمُشْرِكِينَ يَوْم حُنَيْنٍ بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْل الطَّلَب أَبَا عَامِر الْأَشْعَرِيّ وَأَنَا مَعَهُ فَقَتَلَ اِبْن دُرَيْد أَبَا عَامِر , فَعَدَلْت إِلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ وَأَخَذْت اللِّوَاءَ " الْحَدِيث. فَهَذَا يُؤَيِّد مَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق. وَذَكَر اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي أَيْضًا أَنَّ أَبَا عَامِر لَقِيَ يَوْم أَوْطَاسٍ عَشْرَة مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِخْوَة فَقَتَلَهُمْ وَاحِدًا بَعْد وَاحَدّ , حَتَّى كَانَ الْعَاشِر فَحَمَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام وَهُوَ يَقُول : اللَّهُمَّ اِشْهَدْ عَلَيْهِ , فَقَالَ الرَّجُل اللَّهُمَّ لَا تُشْهِد عَلَيَّ , فَكَفّ عَنْهُ أَبُو عَامِر ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَقَتَلَهُ الْعَاشِر , ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْد فَحَسَن إِسْلَامه , فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمِّيه شَهِيد أَبِي عَامِر , وَهَذَا يُخَالِف الْحَدِيث الصَّحِيح فِي أَنَّ أَبَا مُوسَى قَتَلَ قَاتَلَ أَبِي عَامِر , وَمَا فِي الصَّحِيح أَوْلَى بِالْقَبُولِ , وَلَعَلَّ الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق شَارَكَ فِي قَتْلهُ. قَوْله : ( فَنَزَا مِنْهُ الْمَاء ) أَيْ اِنْصَبَّ مِنْ مَوْضِعِ السَّهْم. قَوْله : ( قَالَ يَا اِبْن أَخِي ) هَذَا يَرُدّ قَوْل اِبْن إِسْحَاق إِنَّهُ اِبْن عَمّه , وَيُحْتَمَل - إِنْ كَانَ ضَبَطَهُ - أَنْ يَكُون قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ أَسَنَّ مِنْهُ. قَوْله : ( فَرَجَعْت فَدَخَلْت عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَة اِبْن عَائِذ " فَلَمَّا رَآنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعِي اللِّوَاء قَالَ : يَا أَبَا مُوسَى قُتِلَ أَبُو عَامِر ". قَوْله : ( عَلَى سَرِير مُرَمَّل ) بِرَاءِ مُهْمَلَة ثُمَّ مِيم ثَقِيلَة , أَيْ مَعْمُول بِالرِّمَالِ , وَهِيَ حِبَال الْحُصْر الَّتِي تُضَفَّر بِهَا الْأَسِرَّة. قَوْله : ( وَعَلَيْهِ فِرَاش ) قَالَ اِبْن التِّين : أَنْكَرَهُ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن وَقَالَ : الصَّوَاب : مَا عَلَيْهِ فِرَاش , فَسَقَطَتْ " مَا " اِنْتَهَى. وَهُوَ إِنْكَار عَجِيب , فَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه رَقَدَ عَلَى غَيْر فِرَاش كَمَا فِي قِصَّة عُمَر أَنْ لَا يَكُون عَلَى سَرِيره دَائِمًا فِرَاش. قَوْله : ( فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ) يُسْتَفَاد مِنْهُ اِسْتِحْبَاب التَّطْهِير لِإِرَادَةِ الدُّعَاء , وَرَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء , خِلَافًا لِمَنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْتِسْقَاءِ , وَسَيَأْتِي بَيَان مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَاب الدَّعَوَات. قَوْله : ( فَوْق كَثِير مِنْ خَلْقك ) أَيْ فِي الْمَرْتَبَة , وَفِي رِوَايَة اِبْن عَائِذ " فِي الْأَكْثَرِينَ يَوْم الْقِيَامَة ". قَوْله : ( قَالَ أَبُو بُرْدَة ) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور.