💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنِي سَعِيد ) هُوَ اِبْن سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ. قَوْله : ( لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَر أُهْدِيَت لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَقَدْ سَبَقَ مُطَوَّلًا فِي أَوَاخِرِ الْجِزْيَةِ فَذَكَرَ هَذَا الطَّرَفَ وَزَادَ " فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ " فَذَكَرَ الْحَدِيث. وَسَيَأْتِي شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي كِتَاب الطِّبّ. قَالَ أَبِي إِسْحَاق : لَمَّا اِطْمَأَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَب بِنْت الْحَارِث اِمْرَأَة سَلَّامِ بْن مُشْكِم شَاةً مَشْوِيَّةً , وَكَانَتْ سَأَلَتْ : أَيُّ عُضْو مِنْ الشَّاةِ أَحَبّ إِلَيْهِ ؟ قِيلَ لَهَا : الذِّرَاعُ , فَأَكْثَرَتْ فِيهَا مِنْ السُّمِّ , فَلَمَّا تَنَاوَلَ الذِّرَاعَ لَاكَ مِنْهَا مُضْغَة وَلَمْ يُسِغْهَا , وَأَكَلَ مَعَهُ بِشْرُ بْن الْبَرَاءِ فَأَسَاغَ لَقُمْته , فَذَكَرَ الْقِصَّة , وَأَنَّهُ صَفَحَ عَنْهَا , وَأَنَّ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ مَاتَ مِنْهَا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ اِمْرَأَةً مِنْ الْيَهُودِ أَهْدَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً مَسْمُومَةً فَأَكَلَ , فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَمْسِكُوا فَإِنَّهَا مَسْمُومَة , وَقَالَ لَهَا : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَتْ. أَرَدْت إِنْ كُنْت نَبِيًّا فَيُطْلِعُك اللَّهُ , وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا فَأُرِيحَ النَّاسَ مِنْك , قَالَ فَمَا عَرَضَ لَهَا " وَمِنْ طَرِيق أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِر نَحْوه فَقَالَ : " فَلَمْ يُعَاقِبهَا " وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب مِثْله وَزَادَ " فَاحْتَجَمَ عَلَى الْكَاهِل " قَالَ قَالَ الزُّهْرِيُّّ. " فَأَسْلَمْت فَتَرَكَهَا " قَالَ مَعْمَر : وَالنَّاس يَقُولُونَ قَتَلَهَا. وَأَخْرَجَ اِبْن سَعْد عَنْ شَيْخِهِ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَة لَهُ هَذِهِ الْقِصَّة مُطَوَّلَة وَفِي آخِرِهِ " قَالَ فَدَفَعَهَا إِلَى وُلَاةِ بِشْرِ بْن الْبَرَاء فَقَتَلُوهَا " قَالَ الْوَاقِدِيُّ : وَهُوَ الثَّبْت. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَابِر نَحْو رِوَايَة مَعْمَر عَنْهُ , وَهَذَا مُنْقَطِع لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَع مِنْ جَابِر , وَمِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة نَحْوه مُرْسَلًا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَصَلَهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ الْبَيْهَقِيُّ. يُحْتَمَل أَنْ يَكُون تَرَكَهَا أَوَّلًا ثُمَّ لَمَّا مَاتَ بِشْر بْن الْبَرَاءِ مِنْ الْأَكْلَةِ قَتَلَهَا , وَبِذَلِكَ أَجَابَ السُّهَيْلِيُّ وَزَادَ : أَنَّهُ كَانَ تَرَكَهَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِم لِنَفْسِهِ , ثُمَّ قَتَلَهَا بِبَشَرٍ قِصَاصًا. قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون تَرَكَهَا لِكَوْنِهَا أَسْلَمَتْ , وَإِنَّمَا أَخَّرَ قَتْلَهَا حَتَّى مَاتَ بِشْر لِأَنَّ بِمَوْتِهِ تَحَقَّقَ وُجُوب الْقِصَاص بِشَرْطِهِ. وَوَافَقَ مُوسَى بْن عُقْبَة عَلَى تَسْمِيَتِهَا زَيْنَب بِنْت الْحَارِث. وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ بِسَنَدٍ لَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْت ؟ قَالَتْ : قَتَلْت أَبِي وَعَمِّي وَزَوْجِي وَأَخِي ". قَالَ فَسَأَلْت إِبْرَاهِيمَ بْن جَعْفَر فَقَالَ : عَمّهَا يَسَار وَكَانَ مِنْ أَجْبَنِ النَّاسِ , وَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ مِنْ الرَّفِّ. وَأَخُوهَا زُبَيْر , وَزَوْجهَا سَلَّامُ بْن مُشْكِم. وَوَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " أُخْت مَرْحَب " وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ. وَعِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ " بِنْت أَخِي مَرْحَبٍ " وَلَمْ يَنْفَرِد الزُّهْرِيُّ بِدَعْوَاهُ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ , فَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ فِي مَغَازِيهِ وَلَفْظُهُ بَعْد قَوْلِهَا وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا أَرَحْت النَّاسَ مِنْك , وَقَدْ اِسْتَبَانَ لِي الْآن أَنَّك صَادِق , وَأَنَا أُشْهِدُك وَمَنْ حَضَرَ أَنِّي عَلَى دِينِك , وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله قَالَ فَانْصَرَفَ عَنْهَا حِين أَسْلَمَتْ. وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ قِصَّة خَيْبَر عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ : مِنْهَا جَوَازُ قِتَالِ الْكُفَّارِ فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ , وَالْإِغَارَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَة بِغَيْرِ إِنْذَارٍ , وَقِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ عَلَى السِّهَامِ , وَأَكْلُ الطَّعَامِ الَّذِي يُصَابُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَدَّخِرَهُ وَلَا يُحَوِّلَهُ , وَأَنَّ مَدَدَ الْجَيْشِ إِذَا حَضَرَ بَعْد اِنْقِضَاءِ الْحَرْبِ يُسْهَمُ لَهُ إِنْ رَضِيَ الْجَمَاعَةُ كَمَا وَقَعَ لِجَعْفَرٍ وَالْأَشْعَرِيِّينَ , وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ إِذَا لَمْ يَرْضَوْا كَمَا وَقَعَ لِأَبَانَ بْن سَعِيد وَأَصْحَابه , وَبِذَلِكَ يُجْمَع بَيْن الْأَخْبَار. وَمِنْهَا تَحْرِيم لُحُوم الْحُمْر الْأَهْلِيَّة , وَأَنَّ مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه لَا يَطْهُر بِالذَّكَاةِ , وَتَحْرِيم مُتْعَة النِّسَاء , وَجَوَاز الْمُسَاقَاة وَالْمُزَارَعَة , وَيَثْبُت عَقْد الصُّلْح وَالتَّوَثُّق مِنْ أَرْبَاب التُّهَم , وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ اِنْتَقَضَ عَهْده وَهُدِرَ دَمه , وَأَنَّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَة قَبْل الْقِسْمَةِ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَوْ كَانَ دُونَ حَقِّهِ , وَأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّر فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَيْن قِسْمَتِهَا وَتَرْكِهَا , وَجَوَاز إِجْلَاء أَهْل الذِّمَّة إِذَا اِسْتَغْنَى عَنْهُمْ , وَجَوَاز الْبِنَاء بِالْأَهْلِ بِالسَّفَرِ , وَالْأَكْل مِنْ طَعَام أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَبُولِ هَدِيَّتِهِمْ , وَقَدْ ذَكَرْت غَالِب هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي أَبْوَابِهَا , وَاَللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ.