💡 شرح فتح الباري
حَدِيث عَلِيّ وَأَبِي ذَرّ فِي الْمُبَارَزَة , أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُق. وَأَبُو مِجْلَز بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفَتْح اللَّام بَعْدهَا زَاي هُوَ لَاحِق بْن حُمَيْدٍ , تَابِعِيّ وَكَذَا شَيْخه وَالرَّاوِي عَنْهُ - وَقِيسَ بْن عِبَاد بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمُوَحَّدَة تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى ذَلِكَ الْحَدِيث وَحَدِيث الْبَاب مَعَ الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ هَلْ هُوَ عَنْ عَلِيّ أَوْ أَبِي ذَرْ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ كُلّ مِنْهُمَا , وَيَدُلّ عَلَيْهِ اِخْتِلَاف السِّيَاقَيْنِ. قَوْله : ( فِي سِتَّة مِنْ قُرَيْش ) يَعْنِي ثَلَاثَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي عَبْد مَنَافٍ : اِثْنَيْنِ مِنْ بَنِي هَاشِم , وَوَاحِد مِنْ بَنِي الْمُطَّلِب. وَثَلَاثَة مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عَبْد شَمْس بْن عَبْد مَنَافٍ. قَوْله : ( عَلِيّ وَحَمْزَة ) أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب بْن هَاشِم وَعُبَيْدَة بْن الْحَارِث بْن عَبْد الْمُطَّلِب. قَوْله : ( وَشَيْبَة بْن رَبِيعَة ) أَيْ اِبْن عَبْد شَمْس , وَعُتْبَة هُوَ أَخُوهُ , وَالْوَلِيد بْن عُتْبَة وَلَده. وَلَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة تَفْصِيل الْمُبَارِزِينَ. وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّ عُبَيْدَة بْن الْحَارِث وَعُتْبَة بْن رَبِيعَة كَانَا أَسَنَّ الْقَوْم , فَبَرَزَ عُبَيْدَة لِعُتْبَة , وَحَمْزَة لِشَيْبَةَ , وَعَلِيّ لِلْوَلِيدِ. وَعِنْد مُوسَى بْن عُقْبَة : بَرَزَ حَمْزَة لِعُتْبَة , وَعُبَيْدَة لِشَيْبَةَ , وَعَلِيّ لِلْوَلِيدِ. ثُمَّ اِتَّفَقَا فَقَتَلَ عَلِيّ الْوَلِيد , وَقَتَلَ حَمْزَة الَّذِي بَارَزَهُ , وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَة وَمَنْ بَارَزَهُ بِضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَتْ الضَّرْبَة فِي رُكْبَة عُبَيْدَة فَمَاتَ مِنْهَا لَمَّا رَجَعُوا بِالصَّفْرَاءِ , وَمَالَ حَمْزَة وَعَلِيّ إِلَى الَّذِي بَارَزَ عُبَيْدَة فَأَعَانَاهُ عَلَى قَتْله. وَعِنْد الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَبْد خَيْر عَنْ عَلِيّ مِثْل قَوْل مُوسَى بْن عُقْبَة , وَعِنْد الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة مِثْله. وَأَوْرَدَ اِبْن سَعْد مِنْ طَرِيق عَبِيدَة السَّلْمَانِيّ أَنَّ شَيْبَة لِحَمْزَة وَعُبَيْدَة لِعُتْبَة وَعَلِيًّا لِلْوَلِيدِ , ثُمَّ قَالَ اللَّيْث : إِنَّ عُتْبَة لِحَمْزَة وَشَيْبَة لِعُبَيْدَة ا ه. قَالَ بَعْض مَنْ لَقِينَاهُ : اِتَّفَقَتْ الرِّوَايَات عَلَى أَنَّ عَلِيًّا لِلْوَلِيدِ , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَتْ فِي عُتْبَة وَشَيْبَة أَيّهمَا لِعُبَيْدَة وَحَمْزَة , وَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّ شَيْبَة لِعُبَيْدَة. قُلْت : وَفِي دَعْوَى الِاتِّفَاق نَظَر , فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَارِثَة بْن مُضَرِّب عَنْ عَلِيّ قَالَ : " تَقَدَّمَ عُتْبَة وَتَبِعَهُ اِبْنه وَأَخُوهُ , فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَاب مِنْ الْأَنْصَار , فَقَالَ : لَا حَاجَة لَنَا فِيكُمْ , إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمّنَا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُمْ يَا حَمْزَة , قُمْ يَا عَلِيّ , قُمْ يَا عُبَيْدَة. فَأَقْبَلَ حَمْزَة إِلَى عُتْبَة وَأَقْبَلْت إِلَى شَيْبَة وَاخْتُلِفَ بَيْن عُبَيْدَة وَالْوَلِيد ضَرْبَتَانِ فَأَثْخَنَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا صَاحِبه , ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيد فَقَتَلْنَاهُ وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَة " قُلْت : وَهَذَا أَصَحّ الرِّوَايَات , لَكِنَّ الَّذِي فِي السِّيَرِ مِنْ أَنَّ الَّذِي بَارَزَهُ عَلِيّ هُوَ الْوَلِيد هُوَ الْمَشْهُور وَهُوَ اللَّائِق بِالْمَقَامِ , لِأَنَّ عُبَيْدَة وَشَيْبَة كَانَا شَيْخَيْنِ كَعُتْبَةَ وَحَمْزَة , بِخِلَافِ عَلِيّ وَالْوَلِيد فَكَانَا شَابَّيْنِ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَلِيّ قَالَ " أَعَنْت أَنَا وَحَمْزَة عُبَيْدَة بْن الْحَارِث عَلَى الْوَلِيد بْن عُتْبَة , فَلَمْ يَعِبْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَيْنَا " وَهَذَا مُوَافِق لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ , فَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْمُبَارَزَة خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهَا كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيّ. وَشَرَطَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق لِلْجَوَازِ إِذْن الْأَمِير عَلَى الْجَيْش , وَجَوَاز إِعَانَة الْمُبَارِز رَفِيقه , وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِحَمْزَة وَعَلِيّ وَعُبَيْدَة بْن الْحَارِث رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ.