💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْر فِي زِيَادَات الْمَغَازِي " عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن أَيْمَن الْمَخْزُومِيّ ". قَوْله : ( أَتَيْت جَابِرًا فَقَالَ إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ ) فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْمَحَارِبِيّ عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن أَيْمَن عَنْ أَبِيهِ " قَالَ قُلْت لِجَابِرِ بْن عَبْد اللَّه حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْوِيه عَنْك فَقَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ". قَوْله : ( فَعَرَضَتْ كَيْدَةٌ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْكَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة , قِيلَ : هِيَ الْقِطْعَة الشَّدِيدَة الصُّلْبَةُ مِنْ الْأَرْضِ , وَقَالَ عِيَاض : كَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا وَاحِدَةُ الْكَيْدِ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ الْكَيْدَ - وَهِيَ الْجِبِلَّةُ - أَعْجَزَهُمْ فَلَجَئُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ وَكِيع عَنْ عَبْد الْوَاحِد بْن أَيْمَن " وَهَاهُنَا كُدْيَةٌ مِنْ الْجَبَلِ " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " فَعَرَضَتْ كُدْيَة " وَهِيَ بِضَمِّ الْكَاف وَتَقْدِيمِ الدَّالِ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ , وَهِيَ الْقِطْعَةُ الصُّلْبَة الصَّمَّاءُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيّ عَنْ الْجُرْجَانِيّ " كِنْدَة " بِنُونٍ , وَعِنْد اِبْن السَّكَن " كَتِدَةٌ " بِمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْق قَالَ عِيَاض : لَا أَعْرِف لَهُمَا مَعْنَى , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيِّ " فَجِئْت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : هَذِهِ كُدْيَة قَدْ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ " وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ " فَقَالَ : رُشُّوهَا بِالْمَاءِ فَرَشُّوهَا ". قَوْله : ( أَنَا نَازِلٌ , ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوب بِحَجَرٍ ) زَادَ يُونُس " مِنْ الْجُوع " وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ " أَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى رَبَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَطْنَهُ حَجَرًا مِنْ الْجُوعِ " وَفَائِدَةُ رَبْطِ الْحَجْرِ عَلَى الْبَطْنِ أَنَّهَا تُضْمِرُ مِنْ الْجُوعَ فَيُخْشَى عَلَى اِنْحِنَاءِ الصُّلْبِ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ فَإِذَا وَضَعَ فَوْقَهَا الْحَجَرَ وَشَدَّ عَلَيْهَا الْعِصَابَةَ اِسْتَقَامَ الظَّهْر , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّهُ لِتَسْكِينِ حَرَارَةِ الْجُوعِ بِبَرْدِ الْحَجَرِ , وَلِأَنَّهَا حِجَارَة رِقَاق قَدْر الْبَطْن تَشُدُّ الْأَمْعَاءَ فَلَا يَتَحَلَّل شَيْء مِمَّا فِي الْبَطْن فَلَا يَحْصُل ضَعْف زَائِد بِسَبَبِ التَّحَلُّل. قَوْله : ( وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوق ذَوَاقًا ) هِيَ جُمْلَة مُعْتَرِضَة أَوْرَدَهَا لِبَيَانِ السَّبَب فِي رَبْطِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَر عَلَى بَطْنِهِ , وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ " لَا نَطْعَمُ شَيْئًا أَوْ لَا نَقْدِر عَلَيْهِ ". قَوْله : ( فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ) بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْوَاوِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيْ الْمِسْحَاة , وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ " فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ أَوْ الْمِسْحَاةَ " بِالشَّكِّ. قَوْله : ( فَضَرَبَ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيّ " ثُمَّ سَمَّى ثَلَاثًا ثُمَّ ضَرَبَ " وَعِنْدَ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَةَ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَان قَالَ : " ضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي الْخَنْدَقِ ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّه وَبِهِ بَدِينَا وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا فَحَبَّذَا رَبًّا وَحَبَّذاَ دِينًا قَوْله : ( فَعَادَ كَثِيبًا ) أَيْ رَمْلًا. قَوْله : ( أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ ) شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ " أَهْيَلَ " بِغَيْرِ شَكٍّ , وَكَذَا عِنْدَ يُونُسَ , وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ " كَثِيبًا يُهَالُ " وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَارَ رَمْلًا يَسِيلُ وَلَا يَتَمَاسَكُ , قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَكَانَتْ الْجِبَال كَثِيبًا مَهِيلًا ) أَيْ رَمْلًا سَائِلًا , وَأَمَّا " أَهْيَم " فَقَالَ عِيَاض ضَبَطَهَا بَعْضهمْ بِالْمُثَلَّثَةِ وَبَعْضهمْ بِالْمُثَنَّاةِ وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا تَكَسَّرَتْ , وَالْمَعْرُوفُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ بِمَعْنَى أَهْيَل , وَقَدْ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ( فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ) الْمُرَاد الرِّمَال الَّتِي لَا يَرْوِيهَا الْمَاءُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ زِيَادَة بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ. " لَمَّا كَانَ حِين أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ عَرَضَتْ لَنَا فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةٌ لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ , فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَاءَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ : بِسْمِ اللَّه , فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَهَا , وَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الشَّامِ , وَاَللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ السَّاعَةَ , ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ الثُّلُثَ الْآخَرَ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ , أُعْطِيت مَفَاتِيحَ فَارِسٍ , وَاَللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ أَبْيَضَ. ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ; فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ , وَاَللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا السَّاعَةَ " وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرو نَحْوَهُ , وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ كَثِير بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو بْن عَوْف عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَفِي أَوَّلِهِ " خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَقَ لِكُلِّ عَشْرَةِ أُنَاسٍ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ - وَفِيهِ - فَمَرَّتْ بِنَا صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ كَسَرَتْ مَعَاوِيلَنَا فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْدِلَ عَنْهَا فَقُلْنَا. حَتَّى نُشَاوِرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ سَلْمَانَ - وَفِيهِ - فَضَرَبَ ضَرْبَة صَدَع الصَّخْرَة وَبَرَقَ مِنْهَا بَرْقَةٌ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ - وَفِيهِ - رَأَيْنَاك تُكَبِّر فَكَبَّرْنَا بِتَكْبِيرِك فَقَالَا : إِنَّ الْبَرْقَةَ الْأُولَى أَضَاءَتْ لَهَا قُصُور الشَّام , فَأَخْبَرَنِي جِبْرِيل أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِمْ - وَفِي آخِره - فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ وَاسْتَبْشَرُوا " وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ نَحْوه. قَوْله : ( فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه اِئْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْت ) زَادَ أَبُو نُعَيْم فِي " الْمُسْتَخْرَج " فَأَذِنَ لِي , وَفِي الْمُسْنَد مِنْ زِيَادَات عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس " اِحْتَفَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَقَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ شَدُّوا الْحِجَارَةَ عَلَى بُطُونِهِمْ مِنْ الْجُوعِ , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هَلْ دَلَلْتُمْ عَلَى رَجُل يُطْعِمنَا أَكْلَةً ؟ قَالَ رَجُل : نَعَمْ , قَالَ : أَمَّا لَا فَتَقَدَّمَ " الْحَدِيث , وَكَأَنَّهُ جَابِر , وَيُؤْخَذ مِنْ هَذِهِ النُّكْتَة فِي قَوْله : " اِئْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ". قَوْله : ( فَقُلْت لِامْرَأَتِي ) اِسْمهَا سُهَيْلَة بِنْت مَسْعُود الْأَنْصَارِيَّة. قَوْله : ( عِنْدِي شَعِير ) بَيَّنَ يُونُس بْن بُكَيْر فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ صَاع. قَوْله : ( وَعَنَاق ) بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف النُّون هِيَ الْأُنْثَى مِنْ الْمَعْز , وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْن مِينَاء الَّتِي تِلْو هَذِهِ " فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاع مِنْ شَعِير , وَلَنَا بَهِيمَة دَاجِن " أَيْ سَمِينَة , وَالدَّاجِن الَّتِي تُتْرَك فِي الْبَيْت وَلَا تَفْلِتُ لِلْمَرْعَى , وَمِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَسْمَنَ. وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ " سَمِينَة ". قَوْله : ( فَذَبَحْت ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ التَّاءِ , وَقَوْله : ( طَحَنْت ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَفَتْح النُّونِ , فَاَلَّذِي ذَبَحَ هُوَ جَابِر , وَامْرَأَته هِيَ الَّتِي طَحَنَتْ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيد عِنْدَ أَحْمَدَ " فَأَمَرْت اِمْرَأَتِي فَطَحَنَتْ لَنَا الشَّعِيرَ وَصَنَعَتْ لَنَا مِنْهُ خُبْزًا ". قَوْله : ( وَالْعَجِين قَدْ اِنْكَسَرَ ) أَيْ لَانَ وَرَطِبَ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ الْخَمِيرُ. قَوْله : ( وَالْبُرْمَة بَيْن الْأَثَافِيّ ) بِمُثَلَّثَةٍ وَفَاءٍ أَيْ الْحِجَارَةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهَا الْقِدْرُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ. قَوْله : ( حَتَّى جَعَلْنَا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ " حَتَّى جَعَلَتْ ". قَوْله : ( فِي الْبُرْمَةِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُونِ الرَّاءِ. قَوْله : ( طُعَيِّمٌ ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْقِيرِهِ , قَالُوا : مِنْ تَمَامِ الْمَعْرُوفِ تَعْجِيلُهُ وَتَحْقِيرُهُ , قَالَ اِبْن التِّينِ ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ. قَوْله : ( فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ " وَرَجُلَانِ " بِالْجَزْمِ , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بَعْد هَذِهِ " فَقُمْ أَنْتَ وَنَفَر مَعَك " وَفِي رِوَايَة أَحْمَد " وَكُنْت أُرِيدَ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ ". قَوْله : ( فَقَالَ : قُومُوا , فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ " فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا قُومُوا " وَهِيَ أَوْضَحُ , فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْمُهَاجِرِينَ بِذَلِكَ , فَكَأَنَّ الْمُرَادَ فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ , وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمْ , وَفِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ : " فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى اِمْرَأَتِهِ قَالَ وَيْحَك جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ". قَوْله : ( قَالَتْ هَلْ سَأَلَك ؟ قَالَ نَعَمْ. فَقَالَ : اُدْخُلُوا ) فِي هَذَا السِّيَاق اِخْتِصَار , وَبَيَانه فِي رِوَايَة يُونُس " قَالَ فَلَقِيت مِنْ الْحَيَاءِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقُلْت : جَاءَ الْخَلْقُ عَلَى صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ وَعَنَاقٍ , فَدَخَلْت عَلَى اِمْرَأَتِي أَقُولُ : اِفْتَضَحْت , جَاءَك رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَنْدَقِ أَجْمَعِينَ , فَقَالَتْ : هَلْ كَانَ سَأَلَك كَمْ طَعَامُك ؟ فَقُلْت : نَعَمْ , فَقَالَتْ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , وَنَحْنُ قَدْ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا عِنْدَنَا , فَكَشَفَ عَنِّي غَمًّا شَدِيدًا " وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ " فَجِئْت اِمْرَأَتِي فَقَالَتْ : بِك وَبِك , فَقُلْت : قَدْ فَعَلْت الَّذِي قُلْت ". وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهَا " قَالَتْ لَهُ لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ , فَجِئْت فَسَارَرْته " وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا أَوْصَتْهُ أَوَّلًا بِأَنْ يُعْلِمَهُ بِالصُّورَةِ , فَلَمَّا قَالَ لَهَا إِنَّهُ جَاءَ بِالْجَمِيعِ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ فَخَاصَمَتْهُ , فَلَمَّا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ أَعْلَمَهُ سَكَنَ مَا عِنْدَهَا لِعِلْمِهَا بِإِمْكَانِ خَرْقِ الْعَادَة , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُفُورِ عَقْلِهَا وَكَمَالِ فَضْلِهَا. وَقَدْ وَقَعَ لَهَا مَعَ جَابِر فِي قِصَّة التَّمْرِ " أَنَّ جَابِرًا أَوْصَاهَا لَمَّا زَارَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ , فَلَمَّا أَرَادَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِانْصِرَافَ نَادَتْهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي , فَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك وَعَلَى زَوْجِك , فَعَاتَبَهَا جَابِر , فَقَالَتْ لَهُ : أَكُنْتَ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُورِدُ رَسُولَهُ بَيْتِي ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَا أَسْأَلُهُ الدُّعَاءَ " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ لِجَابِرٍ " فَارْجِعْ إِلَيْهِ فَبَيِّنْ لَهُ , فَأَتَيْته فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّمَا هِيَ عَنَاقٌ وَصَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ , قَالَ : فَارْجِعْ فَلَا تُحَرِّكَنَّ شَيْئًا مِنْ التَّنُّور وَلَا مِنْ الْقِدْر حَتَّى آتِيَهَا , وَاسْتَعِرْ صِحَافًا ". قَوْله : ( وَلَا تَضَاغَطُوا ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَغَيْر مُعْجَمَة وَطَاء مُهْمَلَة مُشَالَة , أَيْ لَا تَزْدَحِمُوا , وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا " فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ ". قَوْله : ( وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ ) أَيْ يُغَطِّيهَا. قَوْله : ( ثُمَّ يَنْزِعُ ) أَيْ يَأْخُذُ اللَّحْمَ مِنْ الْبُرْمَةِ , وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الَّتِي تِلْوَ هَذِهِ " فَقَالَ اُدْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَك " أَيْ تُسَاعِدْك , وَقَوْله : " وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِك " أَيْ اِغْرِفِي , وَالْمِقْدَحَةُ الْمِغْرَفَةُ , وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ " وَأَقْعَدَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً فَأَكَلُوا ". قَوْله : ( وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ " فَأَقْسَمَ بِاَللَّهِ لَأَكَلُوا - أَيْ لَقَدْ أَكَلُوا - حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا " بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ أَيْ رَجَعُوا , وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْر " فَمَا زَالَ يُقَرِّبُ إِلَى النَّاسِ حَتَّى شَبِعُوا أَجْمَعُونَ , وَيَعُودُ التَّنُّورُ وَالْقِدْرُ أَمْلَأَ مَا كَانَا ". قَوْله : ( كُلِي هَذَا وَأَهْدِي ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ فِعْلُ أَمْرٍ لِلْمَرْأَةِ مِنْ الْهَدِيَّةِ , ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : " فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ " وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ " كُلِي وَأَهْدِي , فَلَمْ نَزَلْ نَأْكُلُ وَنَهْدِي يَوْمَنَا أَجْمَعَ " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ " فَأَكَلْنَا نَحْنُ وَأَهْدَيْنَا لِجِيرَانِنَا , فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ ذَلِكَ " وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي تَكْثِيرِ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ أَيْضًا فِي قِصَّةٍ أُخْرَى بِمَا يُغْنِي عَنْ الْإِعَادَةِ.