💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ أَنَّ أَنَسًا سَمِعَهُ مِنْ اِبْن مَسْعُود وَلَفْظه عَنْ أَنَس " قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر : مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ أَبِي جَهْل ؟ قَالَ - يَعْنِي اِبْن مَسْعُود - فَانْطَلَقْت , فَإِذَا اِبْنَا عَفْرَاء قَدْ اِكْتَنَفَاهُ فَضَرَبَاهُ , فَأَخَذْت بِلِحْيَتِهِ " الْحَدِيث. قَوْله : ( فَانْطَلَقَ اِبْن مَسْعُود ) وَفِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج " فَقَالَ اِبْن مَسْعُود أَنَا , فَانْطَلَقَ ". قَوْله : ( اِبْنَا عَفْرَاء ) هُمَا مُعَاذ وَمُعَوِّذ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه. قَوْله : ( حَتَّى بَرَدَ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالرَّاء أَيْ مَاتَ , هَكَذَا فَسَّرُوهُ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة السَّمَرْقَنْدِيّ فِي مُسْلِم " حَتَّى بَرَكَ " بِكَافٍ بَدَل الدَّال أَيْ سَقَطَ , وَكَذَا هُوَ عِنْد أَحْمَد عَنْ الْأَنْصَارِيّ عَنْ التَّيْمِيِّ , قَالَ عِيَاض : وَهَذِهِ الرِّوَايَة أَوْلَى , لِأَنَّهُ قَدْ كَلَّمَ اِبْن مَسْعُود , فَلَوْ كَانَ مَاتَ كَيْف كَانَ يُكَلِّمهُ ؟ اِنْتَهَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " حَتَّى بَرَدَ " أَيْ صَارَ فِي حَالَة مَنْ مَاتَ , وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ سِوَى حَرَكَة الْمَذْبُوح , فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مَا سَيَئُولُ إِلَيْهِ , وَمِنْهُ قَوْلهمْ لِلسُّيُوفِ بَوَارِد أَيْ قَوَاتِل , وَقِيلَ لِمَنْ قُتِلَ بِالسَّيْفِ بَرَدَ أَيْ أَصَابَهُ مَتْن الْحَدِيد لِأَنَّ طَبْع الْحَدِيد الْبُرُودَة , وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْله بَرَدَ أَيْ فَتَرَ وَسَكَنَ , يُقَال جَدّ فِي الْأَمْر حَتَّى بَرَدَ أَيْ فَتَرَ , وَبَرَدَ النَّبِيذ أَيْ سَكَنَ غَلَيَانه. قَوْله : ( قَتَلْتُمُوهُ , أَوْ رَجُل قَتَلَهُ قَوْمه ) شَكّ مِنْ الرَّاوِي , بَيَّنَهُ اِبْن عُلَيَّة عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ وَأَنَّ الشَّكّ مِنْ التَّيْمِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْغَزْوَة. وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَة " قَالَ سُلَيْمَان - أَيْ التَّيْمِيُّ - قَالَ أَبُو مِجْلَز " هُوَ التَّابِعِيّ الْمَشْهُور " قَالَ أَبُو جَهْل : فَلَوْ غَيْر أَكَّار قَتَلَنِي " هَذَا مُرْسَل وَالْأَكَّار بِتَشْدِيدِ الْكَاف الزَّرَّاع , وَعُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَنْصَار أَصْحَاب زَرْع فَأَشَارَ إِلَى تَنْقِيص مَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمْ بِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم " لَوْ غَيْرك كَانَ قَتَلَنِي " وَهُوَ تَصْحِيف. قَوْله : ( أَنْتَ أَبَا جَهْل ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْمُسْتَمْلِي وَحْده " أَنْتَ أَبُو جَهْل " وَالْأَوَّل هُوَ الْمُعْتَمَد فِي حَدِيث أَنَس هَذَا , فَقَدْ صَرَّحَ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ بِأَنَّهُ هَكَذَا نَطَقَ بِهَا أَنَس , وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِر غَزْوَة بَدْر وَلَفْظه " فَقَالَ أَنْتَ أَبَا جَهْل " قَالَ اِبْن عُلَيَّة قَالَ سُلَيْمَان : هَكَذَا قَالَهَا أَنَس , قَالَ : " أَنْتَ أَبَا جَهْل " اِنْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ فِيهِ " أَنْتَ أَبُو جَهْل " وَكَأَنَّهُ مِنْ إِصْلَاح بَعْض الرُّوَاة , وَكَذَلِكَ نَطَقَ بِهَا يَحْيَى الّقَطَّانُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق الْمُقَدَّمِيّ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ التَّيْمِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ : " قَالَ أَنْتَ أَبَا جَهْل " قَالَ الْمُقَدَّمِيّ : هَكَذَا قَالَهَا يَحْيَى الّقَطَّانُ. وَقَدْ وُجِّهَتْ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة بِالْحَمْلِ عَلَى لُغَة مَنْ يُثْبِت الْأَلِف فِي الْأَسْمَاء السِّتَّة فِي كُلّ حَالَة كَقَوْلِهِ : " إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا " وَقِيلَ : هُوَ مَنْصُوب بِإِضْمَارِ أَعْنِي , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن التِّين بِأَنَّ شَرْط هَذَا الْإِضْمَار أَنْ تَكْثُر النُّعُوت , وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : كَأَنَّ اِبْن مَسْعُود تَعَمَّدَ اللَّحْن لِيَغِيظَ أَبَا جَهْل كَالْمُصَغِّرِ لَهُ , وَمَا أَبْعَد مَا قَالَ , وَقِيلَ : إِنَّ قَوْله أَنْتَ مُبْتَدَأ مَحْذُوف الْخَبَر , وَقَوْله أَبَا جَهْل - مُنَادَى مَحْذُوف الْأَدَاة , وَالتَّقْدِير أَنْتَ الْمَقْتُول يَا أَبَا جَهْل , وَخَاطَبَهُ بِذَلِكَ مُقَرِّعًا لَهُ وَمُتَشَفِّيًا مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيه بِمَكَّة أَشَدّ الْأَذَى. وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن إِسْحَاق وَالْحَاكِم " قَالَ اِبْن مَسْعُود : فَوَجَدْته بِآخِرِ رَمَق , فَوَضَعْت رِجْلِي عَلَى عُنُقه فَقُلْت : أَخْزَاك اللَّه يَا عَدُوّ اللَّه , قَالَ : وَبِمَا أَخْزَانِي ؟ هَلْ أَعْمَد رَجُل قَتَلْتُمُوهُ " قَالَ وَزَعَمَ رِجَال مِنْ بَنِي مَخْزُوم أَنَّهُ قَالَ لَهُ : " لَقَدْ اِرْتَقَيْت يَا رُوَيْع الْغَنَم مُرْتَقًى صَعْبًا " قَالَ : " ثُمَّ احْتَزَزْت رَأْسه فَجِئْت بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : هَذَا رَأْس عَدُوّ اللَّه أَبِي جَهْل , فَقَالَ : وَاَللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ؟ فَحَلَفَ لَهُ " وَفِي زِيَادَة الْمَغَازِي رِوَايَة يُونُس بْن بُكَيْر مِنْ طَرِيق الشَّعْبِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف نَحْو الْحَدِيث الَّذِي بَعْده وَفِيهِ " فَحَلَفَ لَهُ , فَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ثُمَّ اِنْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهُ فَقَامَ عِنْده فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَعَزّ الْإِسْلَام وَأَهْله " ثَلَاث مَرَّات ".