💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : اِسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخُرُوجِ ) يَعْنِي فِي الْهِجْرَةِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى بِطُولِهِ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ , وَإِنَّمَا ذَكَرَ مِنْهُ هَاهُنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ مِنْ أَجْلِ ذِكْرِ عَامِرِ بْن فُهَيْرَةَ لِيُنَبِّهَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ السَّابِقِينَ. قَوْله فِيهِ ( فَكَانَ عَامِرَ بْن فُهَيْرَةَ غُلَامًا لِعَبْدِ اللَّه بْن الطُّفَيْل بْن سَخْبَرَةَ أَخُو عَائِشَة ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ " أَخِي عَائِشَةَ " وَهُمَا جَائِزَانِ الْأُولَى عَلَى الْقَطْعِ وَالثَّانِيَةُ عَلَى الْبَدَلِ , وَفِي قَوْله : " عَبْد اللَّه بْن الطُّفَيْلِ " نَظَر وَكَأَنَّهُ مَقْلُوب وَالصَّوَاب كَمَا قَالَ الدِّمْيَاطِيّ الطُّفَيْل بْن عَبْد اللَّه بْن سَخْبَرَةَ , وَهُوَ أَزْدِيّ مِنْ بَنِي زَهْرَانَ , وَكَانَ أَبُوهُ زَوْجَ أُمِّ رُومَانَ وَالِدَةِ عَائِشَةَ , فَقَدِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَكَّةَ فَخَالَفَ أَبَا بَكْر , وَمَاتَ وَخَلَفَ الطُّفَيْل , فَتَزَوَّجَ أَبُو بَكْر اِمْرَأَتَهُ أُمَّ رُومَانَ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَن وَعَائِشَة , فَالطُّفَيْلُ أَخُوهُمَا مِنْ أُمِّهِمَا , وَاشْتَرَى أَبُو بَكْر عَامِر بْن فُهَيْرَةَ مِنْ الطُّفَيْل. قَوْله : ( وَعَنْ أَبِي أُسَامَة ) هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله : " حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة " وَإِنَّمَا فَصَّلَهُ لِيُبَيِّنَ الْمَوْصُولَ مِنْ الْمُرْسَلِ , وَكَأَنَّ هِشَامَ بْن عُرْوَةَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِيهِ هَكَذَا فَذَكَرَ قِصَّةَ الْهِجْرَةِ مَوْصُولَةً بِذِكْرِ عَائِشَة فِيهِ , وَقِصَّة بِئْر مَعُونَة مُرْسَلَة لَيْسَ فِيهِ ذِكْر عَائِشَة. وَوَجْه تَعَلُّقِهِ بِهِ مِنْ جِهَةِ ذِكْر عَامِر بْن فُهَيْرَةَ , فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ , وَفِيهِ : " فَلَمَّا خَرَجَا - أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر - خَرَجَ مَعَهُمْ " أَيْ إِلَى الْمَدِينَةِ , وَقَوْله يَعْقُبَانِهِ بِالْقَافِ أَيْ يَرْكَبَانِهِ عَقَبَة , وَهُوَ أَنْ يَنْزِلَ الرَّاكِبُ وَيَرْكَب رَفِيقُهُ ثُمَّ يَنْزِل الْآخَرُ وَيَرْكَب الْمَاشِي , هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِرُ اللَّفْظِ فِي الْعَقَبَةِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا يُرْكِبُهُ مَرَّةً وَهَذَا يُرْكِبُهُ أُخْرَى , وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ التَّعْبِيرُ بِيُرْدِفَانِهِ أَظْهَر. قَوْله : ( فَقُتِلَ عَامِر بْن فُهَيْرَةَ يَوْم بِئْر مَعُونَة ) هَذَا آخِرُ الْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ , ثُمَّ سَاقَ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ صِفَة قَتْلِ عَامِرِ بْن فُهَيْرَةَ مُرْسَلَة , وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي " الدَّلَائِل " سِيَاق هَذِهِ الْقِصَّة فِي حَدِيث الْهِجْرَة مَوْصُولًا بِهِ مُدْرَجًا , وَالصَّوَاب مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ. قَوْله : ( لَمَّا قُتِلَ الَّذِينَ بِبِئْرِ مَعُونَة ) أَيْ الْقُرَّاء الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ ( وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّة الضَّمْرِيّ ) قَدْ سَاقَ عُرْوَة ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْهُ , وَفِي رِوَايَتِهِ " وَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرو السَّاعِدِيَّ إِلَى بِئْرِ مَعُونَةَ وَبَعَثَ مَعَهُ الْمُطَّلِب السُّلَمِيّ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ , فَقُتِلَ الْمُنْذِر بْن عَمْرو وَأَصْحَابه , إِلَّا عَمْرَو بْن أُمَيَّة فَإِنَّهُمْ أَسَرُوهُ وَاسْتَحْيَوْهُ " وَفِي رِوَايَةِ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ اِجْتَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ. قَوْله : ( قَالَ لَهُ عَامِر بْن الطُّفَيْل : مَنْ هَذَا ؟ فَأَشَارَ إِلَى قَتِيل ) فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُرْوَة " أَنَّ عَامِر بْن الطُّفَيْلِ قَالَ لِعَمْرِو بْن أُمَيَّة : هَلْ تَعْرِف أَصْحَابَك ؟ قَالَ : نَعَمْ فَطَافَ فِي الْقَتْلَى فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَنْسَابِهِمْ ". قَوْله : ( هَذَا عَامِر بْن فُهَيْرَةَ ) وَهُوَ مَوْلَى أَبِي بَكْر الْمَذْكُور فِي حَدِيث الْهِجْرَةِ. قَوْله : ( لَقَدْ رَأَيْته بَعْدَمَا قُتِلَ ) فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ الْمَذْكُورَة " فَأَشَارَ عَامِر بْن الطُّفَيْلِ إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ : هَذَا طَعَنَهُ بِرُمْحِهِ ثُمَّ اِنْتَزَعَ رُمْحَهُ فَذَهَبَ بِالرَّجُلِ عُلُوًّا فِي السَّمَاءَ حَتَّى مَا أَرَاهُ ". قَوْله : ( ثُمَّ وُضِعَ ) أَيْ إِلَى الْأَرْض. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَارَتْهُ وَلَمْ يَرَهُ الْمُشْرِكُونَ , وَهَذَا وَاقِعٌ عِنْدَ اِبْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِعَامِرِ بْن فُهَيْرَةَ وَتَرْهِيبٌ لِلْكُفَّارِ وَتَخْوِيفٌ , وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ الْمَذْكُورَةِ " وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِلَابٍ جَبَّارُ بْن سَلْمَى , ذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا طَعَنَهُ قَالَ : فُزْت وَاَللَّهِ قَالَ : فَقُلْت فِي نَفْسِي : مَا قَوْلُهُ فُزْت ؟ فَأَتَيْت الضَّحَّاكَ بْنَ سُفْيَانَ فَسَأَلْته فَقَالَ : بِالْجَنَّةِ. قَالَ : فَأَسْلَمْت , وَدَعَانِي إِلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْت مِنْ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ " اِنْتَهَى. وَجَبَّارُ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُثَقَّلٌ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ , وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ فِي " الِاسْتِيعَابِ " أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ قَتَلَهُ , وَكَأَنَّ نِسْبَتَهُ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ لِكَوْنِهِ كَانَ رَأْسَ الْقَوْمِ. قَوْله : ( فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرُهُمْ ) قَدْ ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ , وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ الْمَذْكُورَةِ فَجَاءَ خَبَرُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. قَوْله : ( وَأُصِيبَ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ عُرْوَةُ بْنَ أَسْمَاءَ بْن الصَّلْت ) أَيْ اِبْن أَبِي حَبِيب بْن حَارِثَة السُّلَمِيّ حَلِيف بَنِي عَمْرو بْن عَوْف. قَوْله : ( فَسُمِّيَ عُرْوَةُ بِهِ ) قِيلَ الْمُرَادُ اِبْنُ الزُّبَيْرِ , كَانَ الزُّبَيْرُ سَمَّى اِبْنَهُ عُرْوَةَ لَمَّا وُلِدَ لَهُ بِاسْمِ عُرْوَةَ بْن أَسْمَاءَ الْمَذْكُور , وَكَانَ بَيْنَ قَتْلِ عُرْوَةَ بْن أَسْمَاء وَمَوْلِد عُرْوَة بْن الزُّبَيْر بِضْعَةَ عَشَرَ عَامًا , وَقَدْ يُسْتَبْعَد هَذَا بِطُولِ الْمُدَّةِ وَبِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَ الزُّبَيْرِ وَعُرْوَةَ بْن أَسْمَاءَ. قَوْله : ( وَمُنْذِر بْن عَمْرو ) أَيْ اِبْن أَبِي حُبَيْش بْن لَوْذَان مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ مِنْ الْخَزْرَجِ , وَكَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ ( سُمِّيَ بِهِ مُنْذِرًا ) كَذَا ثَبَتَ بِالنَّصْبِ , وَالْأَوَّلُ سُمِّيَ بِهِ مُنْذِر كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ , أَيْ أَنَّ الزُّبَيْرَ سَمَّى اِبْنَهُ مُنْذِرًا بِاسْمِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرو هَذَا , فَيُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ مَحْذُوف وَالْمُرَاد بِهِ الزُّبَيْر , أَوْ الْمُرَاد بِهِ أَبُو أَسِيدٍ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِابْنٍ لِأَبِي أَسِيدٍ فَقَالَ : مَا اِسْمه ؟ قَالُوا : فُلَانٌ , قَالَ : بَلْ هُوَ الْمُنْذِر. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِم : قَالُوا إِنَّهُ سَمَّاهُ الْمُنْذِر تَفَاؤُلًا بِاسْمِ عَمِّ أَبِيهِ الْمُنْذِر بْن عَمْرو , وَكَانَ اُسْتُشْهِدَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ , فَتَفَاءَلَ بِهِ لِيَكُونَ خَلَفًا مِنْهُ , وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ الْبَحْث الَّذِي ذَكَرْته فِي عُرْوَةَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوَجَّهَ النَّصْبُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فِي إِقَامَةِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ بِهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ كَمَا قُرِئَ ( لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) وَمِنْ الْمُنَاسَبَةِ هُنَا أَنَّ عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْرِ هُوَ عُرْوَةُ اِبْن أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر , وَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عُرْوَة اِبْن أَسْمَاء نَاسَبَ أَنْ يُسَمَّى بِاسْمِ عُرْوَةَ اِبْن أَسْمَاءَ , وَلَمَّا سَمَّى الزُّبَيْرُ اِبْنَهُ بِاسْمِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ نَاسَبَ أَنْ يُسَمِّيَ الْآخَرَ بِاسْمِ الثَّانِي.