إِنَّ الْأَنْصَارَ كَرِشِي وَعَيْبَتِي وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ وَقَالَ حَجَّاجٌ عَنْ مُسِيِّهِمْ
مَرَّ أَبُو بَكْرٍ وَالْعَبَّاسُ ـ رضى الله عنهما ـ بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ وَهُمْ يَبْكُونَ، فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمْ قَالُوا ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَّا. فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ـ قَالَ ـ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ ـ قَالَ ـ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ " أُوصِيكُمْ بِالأَنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَقَدْ قَضَوُا الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ".
(مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا) أي جلوسا معه، وكان ذلك في مرضه صلى الله عليه وسلم، فخافوا أن يموت من مرضه فيفقدوا مجلسه، فبكوا حزنا على ذلك. (حاشية برد) طرفه، والبرد كساء مربع. (كرشي وعيبتي) الكرش للحيوان المجتر بمنزلة المعدة للإنسان، والعيبة مستودع الثياب، والمعنى: إنهم بطانتي وخاصتي، وموضع سري وأمانتي. (قضوا الذي عليهم) أدوا ما عاهدوا عليه من النصرة وغيرها. (بقي الذي لهم) وهو دخول الجنة.
قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يَحْيَى أَبُو عَلِيّ ) هُوَ الْيَشْكُرِيّ الْمَرْوَزِيُّ الصَّائِغ كَانَ أَحَد الْحُفَّاظ , مَاتَ قَبْل الْبُخَارِيّ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَاذَان أَخُو عَبْدَان ) هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن عُثْمَان بْن جَبَلَةَ , وَهُوَ أَصْغَر مِنْ أَخِيهِ عَبْدَان , وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْدَان وَأَدْرَكَ شَاذَان. قَوْله : ( مَرَّ أَبُو بَكْر ) أَيْ الصِّدِّيق ( وَالْعَبَّاس ) أَيْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب , وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَرَض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَبْكُونَ. قَوْله : ( فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمْ ) ؟ لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ هَلْ هُوَ أَبُو بَكْر أَوْ الْعَبَّاس , وَيَظْهَر لِي أَنَّهُ الْعَبَّاس. قَوْله : ( ذَكَرْنَا مَجْلِس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ الَّذِي كَانُوا يَجْلِسُونَهُ مَعَهُ , وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَرَض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَشَوْا أَنْ يَمُوت مِنْ مَرَضه فَيَفْقِدُوا مَجْلِسه , فَبَكَوْا حُزْنًا عَلَى فَوَات ذَلِكَ. قَوْله : ( فَدَخَلَ ) كَذَا أَفْرَدَ بَعْد أَنْ ثَنَّى , وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ خَاطَبَهُمْ , وَقَدْ قَدَّمْت رُجْحَان أَنَّهُ الْعَبَّاس لِكَوْنِ الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة اِبْنه وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ. قَوْله : ( حَاشِيَة بُرْد ) فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي حَاشِيَة بُرْدَةَ بِزِيَادَةِ هَاء التَّأْنِيث. قَوْله : ( أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ ) اِسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْض الْأَئِمَّة أَنَّ الْخِلَافَة لَا تَكُون فِي الْأَنْصَار لِأَنَّ مَنْ فِيهِمْ الْخِلَافَة يُوصُونَ وَلَا يُوصَى بِهِمْ , وَلَا دَلَالَة فِيهِ إِذْ لَا مَانِع مِنْ ذَلِكَ. قَوْله : ( كَرِشِي وَعَيْبَتِي ) أَيْ بِطَانَتِي وَخَاصَّتِي قَالَ الْقَزَّاز : ضَرَبَ الْمَثَل بِالْكَرِشِ لِأَنَّهُ مُسْتَقَرّ غِذَاء الْحَيَوَان الَّذِي يَكُون فِيهِ نَمَاؤُهُ , وَيُقَال : لِفُلَانِ كَرِش مَنْثُورَة أَيْ عِيَال كَثِيرَة , وَالْعَيْبَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة بَعْدهَا مُوَحَّدَة مَا يُحْرِز فِيهِ الرَّجُل نَفِيس مَا عِنْده , يُرِيد أَنَّهُمْ مَوْضِع سِرّه وَأَمَانَته قَالَ اِبْن دُرَيْدٍ : هَذَا مِنْ كَلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُوجِز الَّذِي لَمْ يُسْبَق إِلَيْهِ. وَقَالَ غَيْره : الْكَرِش بِمَنْزِلَةِ الْمَعِدَة لِلْإِنْسَانِ , وَالْعَيْبَة مُسْتَوْدَع الثِّيَاب وَالْأَوَّل أَمْر بَاطِن وَالثَّانِي أَمْر ظَاهِر , فَكَأَنَّهُ ضَرَبَ الْمَثَل بِهِمَا فِي إِرَادَة اِخْتِصَاصهمْ بِأُمُورِهِ الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة , وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَكُلّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مُسْتَوْدَع لِمَا يُخْفَى فِيهِ. قَوْله : ( وَقَدْ قَضَوْا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ ) يُشِير إِلَى مَا وَقَعَ لَهُمْ لَيْلَة الْعَقَبَة مِنْ الْمُبَايَعَة , فَإِنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى أَنْ يُؤْوُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَنْصُرُوهُ عَلَى أَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة , فَوَفَوْا بِذَلِكَ.
إِنَّ الْأَنْصَارَ كَرِشِي وَعَيْبَتِي وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ وَقَالَ حَجَّاجٌ عَنْ مُسِيِّهِمْ
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا عَاصِبًا رَأْسَهُ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَمَّا بَعْدُ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَإِنَّكُمْ قَدْ أَصْبَحْتُمْ تَزِيدُونَ وَأَصْبَحَتْ الْأَنْصَارُ لَا تَزِيدُ عَلَى هَيْئَتِهَا الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ وَإِنَّ الْأَنْصَارَ عَيْبَتِي الَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا فَأَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يَوْمَئِذٍ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ تَزِيدُونَ وَإِنَّ الْأَنْصَارَ لَا يَزِيدُونَ وَإِنَّ الْأَنْصَارَ عَيْبَتِي الَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا أَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَضَوْا الَّذِي عَل…
إِنَّ الْأَنْصَارَ كَرِشِي وَعَيْبَتِي وَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَعْصُوبُ الرَّأْسِ قَالَ فَتَلَقَّاهُ الْأَنْصَارُ وَنِسَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ فَإِذَا هُوَ بِوُجُوهِ الْأَنْصَارِ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأُحِبُّكُمْ وَقَالَ إِنَّ الْأَنْصَارَ قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ مَا عَلَيْكُمْ فَأَحْسِنُوا إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ
