💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( قَدِمْنَا الْمَدِينَة ) فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام " وَهِيَ أَوْبَأ أَرْض اللَّه " وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة نَحْوه وَزَادَ " قَالَ هِشَام وَكَانَ وَبَاؤُهَا مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَكَانَ الْإِنْسَان إِذَا دَخَلَهَا وَأَرَادَ أَنْ يَسْلَم مِنْ وَبَائِهَا قِيلَ لَهُ اِنْهَقْ , فَيَنْهَق كَمَا يَنْهَق الْحِمَار , وَفِي ذَلِكَ يَقُول الشَّاعِر : لَعَمْرِي لَئِنْ غَنَّيْت خِيفَة الرَّدَى نَهِيق حِمَار إِنَّنِي لَمُرَوَّع قَوْله : ( وُعِكَ ) بِضَمِّ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه أَيْ أَصَابَهُ الْوَعْك وَهِيَ الْحُمَّى. قَوْله : ( كَيْف تَجِدك ) أَيْ تَجِد نَفْسك أَوْ جَسَدك , وَقَوْله : " مُصَبَّح " بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة وَزْن مُحَمَّد , أَيْ مُصَاب بِالْمَوْتِ صَبَاحًا , وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّهُ يُقَال لَهُ وَهُوَ مُقِيم بِأَهْلِهِ صَبَّحَك اللَّه بِالْخَيْرِ , وَقَدْ يَفْجَأهُ الْمَوْت فِي بَقِيَّة النَّهَار وَهُوَ مُقِيم بِأَهْلِهِ. قَوْله : ( أَدْنَى ) أَيْ أَقْرَب. قَوْله : ( شِرَاك ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء : السَّيْر الَّذِي يَكُون فِي وَجْه النَّعْل , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْت أَقْرَب إِلَى الشَّخْص مِنْ شِرَاك نَعْله لِرِجْلِهِ. قَوْله : ( أَقْلَعَ عَنْهُ ) بِفَتْحِ أَوَّله أَيْ الْوَعْك وَبِضَمِّهَا , وَالْإِقْلَاع الْكَفّ عَنْ الْأَمْر. قَوْله : ( يَرْفَع عَقِيرَته ) أَيْ صَوْته بِبُكَاءٍ أَوْ بِغِنَاءٍ , قَالَ الْأَصْمَعِيّ : أَصْله أَنَّ رَجُلًا اِنْعَقَرَتْ رِجْله فَرَفَعَهَا عَلَى الْأُخْرَى وَجَعَلَ يَصِيح فَصَارَ كُلّ مَنْ رَفَعَ صَوْته يُقَال : رَفَعَ عَقِيرَته , وَإِنْ لَمْ يَرْفَع رِجْله. قَالَ ثَعْلَب : وَهَذَا مِنْ الْأَسْمَاء الَّتِي اُسْتُعْمِلَتْ عَلَى غَيْر أَصْلهَا. قَوْله : ( بِوَادٍ ) أَيْ بِوَادِي مَكَّة. قَوْله : ( وَجَلِيل ) بِالْجِيمِ نَبْت ضَعِيف يُحْشَى بِهِ خِصَاص الْبُيُوت وَغَيْرهَا. قَوْله : ( مِيَاه مِجَنَّة ) بِالْجِيمِ مَوْضِع عَلَى أَمْيَال مِنْ مَكّه وَكَانَ بِهِ سُوق , تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَائِل الْحَجّ. وَقَوْله : " يَبْدُونَ " أَيْ يَظْهَر , وَشَامَة وَطَفِيل جَبَلَانِ بِقُرْبِ مَكَّة , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : كُنْت أَحْسِب أَنَّهُمَا جَبَلَانِ حَتَّى ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُمَا عَيْنَانِ , وَقَوْله : " أَرَدْنَ وَيَبْدُونَ " بِنُونِ التَّأْكِيد الْخَفِيفَة , وَشَامَة بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمِيم مُخَفَّفًا , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الصَّوَاب بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَل الْمِيم وَالْمَعْرُوف بِالْمِيمِ , وَزَادَ الْمُصَنِّف آخِر كِتَاب الْحَجّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة - عَنْ هِشَام بِهِ " ثُمَّ يَقُول بِلَال : اللَّهُمَّ اِلْعَنْ عُتْبَة بْن رَبِيعَة وَشَيْبَة بْن رَبِيعَة وَأُمَيَّة بْن خَلَف كَمَا أَخْرَجُونَا إِلَى أَرْض الْوَبَاء , ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَة " الْحَدِيث. وَقَوْله : " كَمَا أَخْرَجُونَا " أَيْ أَخْرِجْهُمْ مِنْ رَحْمَتك كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ وَطَننَا , وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته عَنْ هِشَام وَعَمْرو بْن عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة جَمِيعًا عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة عَقِبَ قَوْل أَبِيهَا " فَقُلْت وَاَللَّه مَا يَدْرِي أَبِي مَا يَقُول ". قَالَتْ : " ثُمَّ دَنَوْت إِلَى عَامِر بْن فُهَيْرَة - وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يَضْرِب عَلَيْنَا الْحِجَاب - فَقُلْت : كَيْف تَجِدك يَا عَامِر ؟ فَقَالَ : لَقَدْ وَجَدْت الْمَوْت قَبْل ذَوْقه إِنَّ الْجَبَان حَتْفه مِنْ فَوْقه كُلّ اِمْرِئِ مُجَاهِد بِطَوْقِهِ كَالثَّوْرِ يَحْمِي جِسْمه بُرُوقه وَقَالَتْ فِي آخِره : " فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُمْ لَيَهْذُونَ وَمَا يَعْقِلُونَ مِنْ شِدَّة الْحُمَّى ". وَالزِّيَادَة فِي قَوْل عَامِر بْن فُهَيْرَة رَوَاهَا مَالِك أَيْضًا فِي " الْمُوَطَّأ " عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَائِشَة مُنْقَطِعًا , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِهَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ حَدِيث الْبَرَاء أَنَّ عَائِشَة أَيْضًا وَعَكَتْ , وَكَانَ أَبُو بَكْر يَدْخُل عَلَيْهَا , وَكَانَ وُصُول عَائِشَة إِلَى الْمَدِينَة مَعَ آلِ أَبِي بَكْر , هَاجَرَ بِهِمْ أَخُوهَا عَبْد اللَّه , وَخَرَجَ زَيْد بِي حَارِثَة وَأَبُو رَافِع بِبِنْتَيْ النَّبِيّ فَاطِمَة وَأُمّ كُلْثُوم وَأُسَامَة بْن زَيْد وَأُمّه أُمّ أَيْمَن وَسَوْدَة بِنْت زَمْعَة , وَكَانَتْ رُقَيَّة بِنْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ سَبَقَتْ مَعَ زَوْجهَا عُثْمَان , وَأَخْرَجَتْ زَيْنَب وَهِيَ الْكُبْرَى عِنْد زَوْجهَا أَبِي الْعَاصِ بْن الرَّبِيع.