💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى ) هُوَ مُنْذِر بْن يَعْلَى الْكُوفِيّ الثَّوْرِيّ , وَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَتْ كُنْيَته اِسْم أَبِيهِ , وَالْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ , وَمُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة هُوَ اِبْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَاسْم الْحَنَفِيَّة خَوْلَة بِنْت جَعْفَر كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْله : ( قُلْت لِأَبِي : أَيّ النَّاس خَيْر ؟ ) فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سُوقَة عَنْ مُنْذِر عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ " قُلْت لِأَبِي : يَا أَبَتِي مَنْ خَيْر النَّاس بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : أَوَمَا تَعْلَم يَا بُنَيّ ؟ قُلْت : لَا , قَالَ : أَبُو بَكْر " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَفِي رِوَايَة الْحَسَن بْن مُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة عَنْ أَبِيهِ " قَالَ : سُبْحَان اللَّه يَا بُنَيّ , أَبُو بَكْر " , وَفِي رِوَايَة أَبِي جُحَيْفَةَ عِنْد أَحْمَد " قَالَ لِي عَلِيّ : يَا أَبَا جُحَيْفَةَ أَلَا أُخْبِرك بِأَفْضَل هَذِهِ الْأُمَّة بَعْد نَبِيّهَا ؟ قُلْت : بَلَى , قَالَ : وَلَمْ أَكُنْ أَرَى أَنَّ أَحَدًا أَفْضَل مِنْهُ " وَقَالَ فِي آخِره " وَبَعْدهمَا آخَر ثَالِث لَمْ يُسَمِّهِ " , وَفِي رِوَايَة لِلدَّارَقُطْنِيّ فِي الْفَضَائِل مِنْ طَرِيق أَبِي الضُّحَى عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ " وَإِنْ شِئْتُمْ أَخْبَرْتُكُمْ بِخَيْرِ النَّاس بَعْد عُمَر " فَلَا أَدْرِي أَسْتَحْيَا أَنْ يَذْكُر نَفْسه أَوْ شَغَلَهُ الْحَدِيث. قَوْله : ( وَخَشِيت أَنْ يَقُول عُثْمَان قُلْت : ثُمَّ أَنْتَ , قَالَ : مَا أَنَا إِلَّا رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ ) فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن سُوقَة " ثُمَّ عَجِلْت لِلْحَدَاثَةِ فَقُلْت : ثُمَّ أَنْتَ يَا أَبَتِي , فَقَالَ : أَبُوك رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ " زَادَ فِي رِوَايَة الْحَسَن بْن مُحَمَّد " لِي مَا لَهُمْ وَعَلَيَّ مَا عَلَيْهِمْ " وَهَذَا قَالَهُ عَلِيّ تَوَاضُعًا مَعَ مَعْرِفَته حِين الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة أَنَّهُ خَيْر النَّاس يَوْمئِذٍ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد قَتْل عُثْمَان , وَأَمَّا خَشْيَة مُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة أَنْ يَقُول عُثْمَان فَلِأَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ أَبَاهُ أَفْضَل , فَخَشِيَ أَنَّ عَلِيًّا يَقُول عُثْمَان عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع مِنْهُ وَالْهَضْم لِنَفْسِهِ فَيَضْطَرِب حَال اِعْتِقَاده وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي سِنّ الْحَدَاثَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة. وَرَوَى خَيْثَمَة فِي " فَضَائِل الصَّحَابَة " مِنْ طَرِيق عُبَيْد بْن أَبِي الْجَعْد عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ , فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث وَزَادَ " ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُخْبِركُمْ بِخَيْرِ أُمَّتكُمْ بَعْد عُمَر ؟ ثُمَّ سَكَتَ , فَظَنَنَّا أَنَّهُ يَعْنِي نَفْسه " وَفِي رِوَايَة عُبَيْد خَبَر عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بَعْد وَقْعَة النَّهْرَوَانِ وَكَانَتْ فِي سَنَة ثَمَان وَثَلَاثِينَ , وَزَادَ فِي آخِر حَدِيثه " أَحْدَثنَا أُمُورًا يَفْعَل اللَّه فِيهَا مَا يَشَاء " وَأَخْرَجَ اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة عُثْمَان مِنْ طَرِيق ضَعِيفَة فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : " إِنَّ الثَّالِث عُثْمَان " وَمِنْ طَرِيق أُخْرَى أَنَّ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ : " فَرَجَعْت الْمَوَالِي يَقُولُونَ : كَنَّى عَنْ عُثْمَان , وَالْعَرَب تَقُول : كَنَّى عَنْ نَفْسه " وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِأَحَدٍ , وَقَدْ سَبَقَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي أَيّ الرَّجُلَيْنِ أَفْضَل بَعْد أَبِي بَكْر وَعُمَر : عُثْمَان أَوْ عَلِيّ ؟ وَأَنَّ الْإِجْمَاع اِنْعَقَدَ بِآخِرِهِ بَيْن أَهْل السُّنَّة أَنَّ تَرْتِيبهمْ فِي الْفَضْل كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلَافَة , رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي " الْمُفْهِم " مَا مُلَخَّصه : الْفَضَائِل جَمْع فَضِيلَة , وَهِيَ الْخَصْلَة الْجَمِيلَة الَّتِي يَحْصُل لِصَاحِبِهَا بِسَبَبِهَا شَرَف وَعُلُوّ مَنْزِلَة إِمَّا عِنْد الْحَقّ وَإِمَّا عِنْد الْخَلْق , وَالثَّانِي لَا عِبْرَة بِهِ إِلَّا إِنْ أَوْصَلَ إِلَى الْأَوَّل , فَإِذَا قُلْنَا فُلَان فَاضِل فَمَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ مَنْزِلَة عِنْد اللَّه , وَهَذَا لَا تَوَصُّل إِلَيْهِ إِلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ الرَّسُول , فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْهُ إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا قَطَعْنَا بِهِ أَوْ ظَنِّيًّا عَمِلْنَا بِهِ , وَإِذَا لَمْ نَجِد الْخَبَر فَلَا خَفَاء أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا مَنْ أَعَانَهُ اللَّه عَلَى الْخَيْر وَيَسَّرَ لَهُ أَسْبَابه أَنَّا نَرْجُو حُصُول تِلْكَ الْمَنْزِلَة لَهُ لِمَا جَاءَ فِي الشَّرِيعَة مِنْ ذَلِكَ , قَالَ : وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمَقْطُوع بِهِ بَيْن أَهْل السُّنَّة بِأَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْر ثُمَّ عُمَر , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِيمَنْ بَعْدهمَا : فَالْجُمْهُور عَلَى تَقْدِيم عُثْمَان , وَعَنْ مَالِك التَّوَقُّف , وَالْمَسْأَلَة اِجْتِهَادِيَّة , وَمُسْتَنَدهَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة اِخْتَارَهُمْ اللَّه تَعَالَى لِخِلَافَةِ نَبِيّه وَإِقَامَة دِينه فَمَنْزِلَتهمْ عِنْده بِحَسَبِ تَرْتِيبهمْ فِي الْخِلَافَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ.