💡 شرح فتح الباري
حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِيمَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ أَيْ شَيْئَيْنِ. قَوْله : ( مَنْ شَيْء مِنْ الْأَشْيَاء ) أَيْ مِنْ أَصْنَاف الْمَال. قَوْله : ( فِي سَبِيل اللَّه ) أَيْ فِي طَلَب ثَوَاب اللَّه , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ الْجِهَاد وَغَيْره مِنْ الْعِبَادَات. قَوْله : ( دُعِيَ مِنْ أَبْوَاب يَعْنِي الْجَنَّة ) كَذَا وَقَعَ هُنَا وَكَأَنَّ لَفْظَة " الْجَنَّة " سَقَطَتْ مِنْ بَعْض الرُّوَاة فَلِأَجْلِ مُرَاعَاة الْمُحَافَظَة عَلَى اللَّفْظ زَادَ " يَعْنِي " , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِلَفْظِ " مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة " بِغَيْرِ تَرَدُّد. وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ كُلّ عَامِل يُدْعَى مِنْ بَاب ذَلِكَ الْعَمَل , وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " لِكُلِّ عَامِل بَاب مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة يُدْعَى مِنْهُ بِذَلِكَ الْعَمَل " أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح. قَوْله : ( يَا عَبْد اللَّه هَذَا خَيْر ) لَفْظ " خَيْر " بِمَعْنَى فَاضِل لَا بِمَعْنَى أَفْضَل وَإِنْ كَانَ اللَّفْظ قَدْ يُوهِم ذَلِكَ , فَفَائِدَته زِيَادَة تَرْغِيب السَّامِع فِي طَلَب الدُّخُول مِنْ ذَلِكَ الْبَاب , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْجِهَاد بَيَان الدَّاعِي مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه " دَعَاهُ خَزَنَة الْجَنَّة كُلّ خَزَنَة بَاب " أَيْ خَزَنَة كُلّ بَاب " أَيْ فُلُ هَلُمَّ " , وَلَفْظَة " فُلُ " لُغَة فِي فُلَان , وَهِيَ بِالضَّمِّ , وَكَذَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَة , وَقِيلَ إِنَّهَا تَرْخِيمهَا فَعَلَى هَذَا فَتُفْتَح اللَّام. قَوْله : ( فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الصَّلَاة دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّلَاة ) وَقَعَ فِي الْحَدِيث ذِكْر أَرْبَعَة أَبْوَاب مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة , وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْجِهَاد " وَإِنَّ أَبْوَاب الْجَنَّة ثَمَانِيَة " وَبَقِيَ مِنْ الْأَرْكَان الْحَجّ فَلَهُ بَاب بِلَا شَكّ , وَأَمَّا الثَّلَاثَة الْأُخْرَى فَمِنْهَا بَاب الْكَاظِمِينَ الْغَيْظ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ رَوْح بْن عُبَادَةَ عَنْ أَشْعَث عَنْ الْحَسَن مُرْسَلًا " إِنَّ لِلَّهِ بَابًا فِي الْجَنَّة لَا يَدْخُلهُ إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْ مَظْلِمَة " وَمِنْهَا الْبَاب الْأَيْمَن وَهُوَ بَاب الْمُتَوَكِّلِينَ الَّذِي يَدْخُل مِنْهُ مَنْ لَا حِسَاب عَلَيْهِ وَلَا عَذَاب , وَأَمَّا الثَّالِث فَلَعَلَّهُ بَاب الذِّكْر فَإِنَّ عِنْد التِّرْمِذِيّ مَا يُومِئ إِلَيْهِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بَاب الْعِلْم وَاَللَّه أَعْلَم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون بِالْأَبْوَابِ الَّتِي يُدْعَى مِنْهَا أَبْوَاب مِنْ دَاخِل أَبْوَاب الْجَنَّة الْأَصْلِيَّة لِأَنَّ الْأَعْمَال الصَّالِحَة أَكْثَر عَدَدًا مِنْ ثَمَانِيَة , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( فَقَالَ أَبُو بَكْر مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَاب مِنْ ضَرُورَة ) زَادَ فِي الصِّيَام " فَهَلْ يُدْعَى أَحَد مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَاب كُلّهَا " وَفِي الْحَدِيث إِشْعَار بِقِلَّةِ مَنْ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَاب كُلّهَا , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمُرَاد مَا يُتَطَوَّع بِهِ مِنْ الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة لَا وَاجِبَاتهَا لِكَثْرَةِ مَنْ يَجْتَمِع لَهُ الْعَمَل بِالْوَاجِبَاتِ كُلّهَا , بِخِلَافِ التَّطَوُّعَات فَقَلَّ مَنْ يَجْتَمِع لَهُ الْعَمَل بِجَمِيعِ أَنْوَاع التَّطَوُّعَات , ثُمَّ مَنْ يَجْتَمِع لَهُ ذَلِكَ إِنَّمَا يُدْعَى مِنْ جَمِيع الْأَبْوَاب عَلَى سَبِيل التَّكْرِيم لَهُ , وَإِلَّا فَدُخُوله إِنَّمَا يَكُون مِنْ بَاب وَاحِد , وَلَعَلَّهُ بَاب الْعَمَل الَّذِي يَكُون أَغْلَب عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عُمَر " مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " الْحَدِيث وَفِيهِ " فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَاب الْجَنَّة يَدْخُل مِنْ أَيّهَا شَاءَ " فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِره أَنَّهُ يُعَارِضهُ , لِأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهَا تُفْتَح لَهُ عَلَى سَبِيل التَّكْرِيم , ثُمَّ عِنْد دُخُوله لَا يَدْخُل إِلَّا مِنْ بَاب الْعِلْم الَّذِي يَكُون أَغْلَب عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ( تَنْبِيه ) : الْإِنْفَاق فِي الصَّلَاة وَالْجِهَاد وَالْعِلْم وَالْحَجّ ظَاهِر , وَأَمَّا الْإِنْفَاق فِي غَيْرهَا فَمُشْكِل , وَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْإِنْفَاقِ فِي الصَّلَاة فِيمَا يَتَعَلَّق بِوَسَائِلِهَا مِنْ تَحْصِيل آلَاتهَا مِنْ طَهَارَة وَتَطْهِير ثَوْب وَبَدَن وَمَكَان , وَالْإِنْفَاق فِي الصِّيَام بِمَا يُقَوِّيه عَلَى فِعْله وَخُلُوص الْقَصْد فِيهِ , وَالْإِنْفَاق فِي الْعَفْو عَنْ النَّاس يُمْكِن أَنْ يَقَع بِتَرْكِ مَا يَجِب لَهُ مِنْ حَقّ , وَالْإِنْفَاق فِي التَّوَكُّل بِمَا يُنْفِقهُ عَلَى نَفْسه فِي مَرَضه الْمَانِع لَهُ مِنْ التَّصَرُّف فِي طَلَب الْمَعَاش مَعَ الصَّبْر عَلَى الْمُصِيبَة , أَوْ يُنْفِق عَلَى مَنْ أَصَابَهُ مِثْل ذَلِكَ طَلَبًا لِلثَّوَابِ , وَالْإِنْفَاق فِي الذِّكْر عَلَى نَحْو مِنْ ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْإِنْفَاقِ فِي الصَّلَاة وَالصِّيَام بَذْل النَّفْس فِيهِمَا , فَإِنَّ الْعَرَب تُسَمِّي مَا يَبْذُلهُ الْمَرْء مِنْ نَفْسه نَفَقَة كَمَا يُقَال أَنْفَقْت فِي طَلَب الْعِلْم عُمْرِي وَبَذَلْت فِيهِ نَفْسِي , وَهَذَا مَعْنًى حَسَن. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : زَوْجَيْنِ النَّفْس وَالْمَال لِأَنَّ الْمَال فِي الصَّلَاة وَالصِّيَام وَنَحْوهمَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ الْمُتَقَدِّم , وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ النَّفَقَة فِي الصِّيَام تَقَع بِتَفْطِيرِ الصَّائِم وَالْإِنْفَاق عَلَيْهِ , لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِع إِلَى بَاب الصَّدَقَة. قَوْله : ( وَأَرْجُو أَنْ تَكُون مِنْهُمْ ) قَالَ الْعُلَمَاء : الرَّجَاء مِنْ اللَّه وَمِنْ نَبِيّه وَاقِع , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَدْخُل الْحَدِيث فِي فَضَائِل أَبِي بَكْر. وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن حِبَّانَ فِي نَحْو هَذَا الْحَدِيث التَّصْرِيح بِالْوُقُوعِ لِأَبِي بَكْر وَلَفْظه " قَالَ أَجَلْ وَأَنْتَ هُوَ يَا أَبَا بَكْر " وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَنَّ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْء عُرِفَ بِهِ , وَأَنَّ أَعْمَال الْبَرّ قَلَّ أَنْ تَجْتَمِع جَمِيعهَا لِشَخْصٍ وَاحِد عَلَى السَّوَاء , وَأَنَّ الْمَلَائِكَة يُحِبُّونَ صَالِحِي بَنِي آدَم وَيَفْرَحُونَ بِهِمْ , فَإِنَّ الْإِنْفَاق كُلَّمَا كَانَ أَكْثَر كَانَ أَفْضَل , وَأَنَّ تَمَنِّي الْخَيْر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مَطْلُوب.