💡 شرح فتح الباري
حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة الذِّئْب الَّذِي كَلَّمَ الرَّاعِي , وَفِي قِصَّة الْبَقَرَة الَّتِي كَلَّمَتْ مَنْ حَمَّلَهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَا فِي إِسْنَاده فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل. قَوْله : ( بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمه عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْب ) الْحَدِيث لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم هَذَا الرَّاعِي , وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف الْحَدِيث فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل , وَهُوَ مُشْعِر بِأَنَّهُ عِنْده مِمَّنْ كَانَ قَبْل الْإِسْلَام , وَقَدْ وَقَعَ كَلَام الذِّئْب لِبَعْضِ الصَّحَابَة فِي نَحْو هَذِهِ الْقِصَّة , فَرَوَى أَبُو نُعَيْم فِي " الدَّلَائِل " مِنْ طَرِيق رَبِيعَة بْن أَوْس عَنْ أُنَيْس بْن عَمْرو عَنْ أُهْبَان بْن أَوْس قَالَ : " كُنْت فِي غَنَم لِي , فَشَدَّ الذِّئْب عَلَى شَاة مِنْهَا , فَصِحْت عَلَيْهِ فَأَقْعَى الذِّئْب عَلَى ذَنَبه يُخَاطِبنِي وَقَالَ : مَنْ لَهَا يَوْم تَشْتَغِل عَنْهَا ؟ تَمْنَعنِي رِزْقًا رَزَقَنِيهِ اللَّه تَعَالَى , فَصَفَّقْت بِيَدِي وَقُلْت : وَاَللَّه مَا رَأَيْت شَيْئًا أَعْجَبَ مِنْ هَذَا , فَقَالَ : أَعْجَب مِنْ هَذَا , هَذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن هَذِهِ النَّخَلَات يَدْعُو إِلَى اللَّه , قَالَ فَأَتَى أُهْبَان إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ وَأَسْلَمَ " فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أُهْبَان لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ كَانَ أَبُو بَكْر وَعُمَر حَاضِرَيْنِ , ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر غَائِبَيْنِ , فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِنِّي أُومِن بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر " وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَلَمَة فِي الْمُزَارَعَة وَفِيهِ : " قَالَ أَبُو سَلَمَة : وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْم " أَيْ عِنْد حِكَايَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ غَلَبَة صِدْق إِيمَانهمَا وَقُوَّة يَقِينهمَا , وَهَذَا أَلْيَق بِدُخُولِهِ فِي مَنَاقِبهمَا. قَوْله : ( يَوْم السَّبُع ) قَالَ عِيَاض : يَجُوز ضَمّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُونهَا , إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَة بِالضَّمِّ , وَقَالَ الْحَرْبِيّ : هُوَ بِالضَّمِّ وَالسُّكُون وَجَزَمَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْحَيَوَان الْمَعْرُوف , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هُوَ بِالْإِسْكَانِ وَالضَّمّ تَصْحِيف , كَذَا قَالَ , وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : هُوَ بِالسُّكُونِ وَالْمُحَدِّثُونَ يَرْوُونَهُ بِالضَّمِّ وَعَلَى هَذَا - أَيْ الضَّمّ - فَالْمَعْنَى إِذَا أَخَذَهَا السَّبُع لَمْ يَقْدِر عَلَى خَلَاصهَا مِنْهُ فَلَا يَرْعَاهَا حِينَئِذٍ غَيْرِي , أَيْ إِنَّك تَهْرُب مِنْهُ وَأَكُون أَنَا قَرِيبًا مِنْهُ أَرْعَى مَا يَفْضُل لِي مِنْهَا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ مَنْ لَهَا يَوْم يَطْرُقهَا السَّبُع - أَيْ الْأَسَد - فَتَفِرّ أَنْتَ مِنْهُ فَيَأْخُذ مِنْهَا حَاجَته وَأَتَخَلَّف أَنَا لَا رَاعِي لَهَا حِينَئِذٍ غَيْرِي , وَقِيلَ : إِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ عِنْد الِاشْتِغَال بِالْفِتَنِ فَتَصِير الْغَنَم هَمَلًا فَتَنْهَبهَا السِّبَاع فَيَصِير الذِّئْب كَالرَّاعِي لَهَا لِانْفِرَادِهِ بِهَا. وَأَمَّا بِالسُّكُونِ فَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِهِ فَقِيلَ : هُوَ اِسْم الْمَوْضِع الَّذِي يَقَع فِيهِ الْحَشْر يَوْم الْقِيَامَة , وَهَذَا نَقَلَهُ الْأَزْهَرِيّ فِي " تَهْذِيب اللُّغَة " عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " يَوْم الْقِيَامَة " وَقَدْ تُعُقِّبَ هَذَا بِأَنَّ الذِّئْب حِينَئِذٍ لَا يَكُون رَاعِيًا لِلْغَنَمِ وَلَا تَعَلُّق لَهُ بِهَا , وَقِيلَ : هُوَ اِسْم يَوْم عِيد كَانَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة يَشْتَغِلُونَ فِيهِ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِب فَيَغْفُل الرَّاعِي عَنْ غَنَمه فَيَتَمَكَّن الذِّئْب مِنْ الْغَنَم , وَإِنَّمَا قَالَ : " لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي " مُبَالَغَة فِي تَمَكُّنه مِنْهَا , وَهَذَا نَقَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , وَقِيلَ : هُوَ مِنْ سَبَعْت الرَّجُل إِذَا ذَعَرْته , أَيْ مَنْ لَهَا يَوْم الْفَزَع ؟ أَوْ مَنْ أَسْبَعْته إِذَا أَهْمَلْته , أَيْ مَنْ لَهَا يَوْم الْإِهْمَال. قَالَ الْأَصْمَعِيّ : السَّبْع الْهَمَل , وَأَسْبَعَ الرَّجُل أَغْنَامه إِذَا تَرَكَهَا تَصْنَع مَا تَشَاء , وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْل النَّوَوِيّ. وَقِيلَ : يَوْم الْأَكْل , يُقَال سَبَعَ الذِّئْب الشَّاة إِذَا أَكَلَهَا. وَحَكَى صَاحِب " الْمَطَالِع " أَنَّهُ رُوِيَ بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّة آخِر الْحُرُوف وَفَسَّرَهُ بِيَوْمِ الضَّيَاع , يُقَال أَسْيَعْت وَأَضْيَعْت بِمَعْنًى , وَهَذَا نَقَلَهُ اِبْن دِحْيَة عَنْ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِيَوْمِ السَّبْع يَوْم الشِّدَّة كَمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَة فَقَالَ : أَجْرَأ مِنْ سَبْع , يُرِيد أَنَّهَا مِنْ الْمَسَائِل الشِّدَاد الَّتِي يَشْتَدّ فِيهَا الْخَطْب عَلَى الْمُفْتِي , وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( وَبَيْنَمَا رَجُل يَسُوق بَقَرَة ) تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَة , وَوَقَعَ عِنْد اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي آخِره فِي الْقِصَّتَيْنِ " فَقَالَ النَّاس آمَنَّا بِمَا آمَنَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَفِي الْحَدِيث جَوَاز التَّعَجُّب مِنْ خَوَارِق الْعَادَات , وَتَفَاوُت النَّاس فِي الْمَعَارِف.