💡 شرح فتح الباري
عَنْ أَنَس فِي نَبْع الْمَاء مِنْ بَيْن أَصَابِعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْرَدَهُ مِنْ أَرْبَعَة طُرُق : مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ وَإِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَحُمَيْد , وَتَقَدَّمَ عِنْده فِي الطَّهَارَة مِنْ رِوَايَة ثَابِت كُلّهمْ عَنْ أَنَس وَعِنْد بَعْضهمْ مَا لَيْسَ عِنْد بَعْض , وَظَهَرَ لِي مِنْ مَجْمُوع الرِّوَايَات أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ فِي مَوْطِنَيْنِ لِلتَّغَايُرِ فِي عَدَد مَنْ حَضَرَ , وَهِيَ مُغَايَرَة وَاضِحَة يَبْعُد الْجَمْع فِيهَا , وَكَذَلِكَ تَعْيِين الْمَكَان الَّذِي وَقَعَ ذَلِكَ فِيهِ ; لِأَنَّ ظَاهِر رِوَايَة الْحَسَن أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَفَر , بِخِلَافِ رِوَايَة قَتَادَةَ فَإِنَّهَا ظَاهِرَة فِي أَنَّهَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ , وَسَيَأْتِي فِي غَيْر حَدِيث أَنَس أَنَّهَا كَانَتْ فِي مَوَاطِن أُخَر. قَالَ عِيَاض : هَذِهِ الْقِصَّة رَوَاهَا الثِّقَات مِنْ الْعَدَد الْكَثِير عَنْ الْجَمّ الْغَفِير عَنْ الْكَافَّة مُتَّصِلَة بِالصَّحَابَةِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِن اِجْتِمَاع الْكَثِير مِنْهُمْ فِي الْمَحَافِل وَمَجْمَع الْعَسَاكِر , وَلَمْ يَرِد عَنْ أَحَد مِنْهُمْ إِنْكَار عَلَى رَاوِي ذَلِكَ , فَهَذَا النَّوْع مُلْحَق بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاته. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : قَضِيَّة نَبْع الْمَاء مِنْ بَيْن أَصَابِعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ فِي عِدَّة مَوَاطِن فِي مَشَاهِد عَظِيمَة , وَوَرَدَتْ مِنْ طُرُق كَثِيرَة يُفِيد مَجْمُوعهَا الْعِلْم الْقَطْعِيّ الْمُسْتَفَاد مِنْ التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ. قُلْت : أَخَذَ كَلَام عِيَاض وَتَصَرَّفَ فِيهِ , قَالَ : وَلَمْ يُسْمَع بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَة عَنْ غَيْر نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَحَدِيث نَبْع الْمَاء جَاءَ مِنْ رِوَايَة أَنَس عِنْد الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَد وَغَيْرهمْ مِنْ خَمْسَة طُرُق , وَعَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه مِنْ أَرْبَعَة طُرُق , وَعَنْ اِبْن مَسْعُود عِنْد الْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَعَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَالِد عَبْد الرَّحْمَن عِنْد الطَّبَرَانِيِّ , فَعَدَد هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة لَيْسَ كَمَا يُفْهَم مِنْ إِطْلَاقهمَا , وَأَمَّا تَكْثِير الْمَاء يَلْمِسهُ بِيَدٍ أَوْ يَتْفُل فِيهِ أَوْ يَأْمُر بِوَضْعِ شَيْء فِيهِ كَسَهْمٍ مِنْ كِنَانَته فَجَاءَ فِي حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ , وَعَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب عِنْد الْبُخَارِيّ وَأَحْمَد مِنْ طَرِيقَيْنِ , وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عِنْد مُسْلِم , وَعَنْ أَنَس عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِل " , وَعَنْ زِيَاد بْن الْحَارِث الصُّدَائِيّ عِنْده , وَعَنْ حِبَّانَ بْن بُحّ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة الصُّدَائِيّ أَيْضًا , فَإِذَا ضُمَّ هَذَا إِلَى هَذَا بَلَغَ الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة أَوْ قَارَبَهَا. وَأَمَّا مَنْ رَوَاهَا مِنْ أَهْل الْقَرْن الثَّانِي فَهُمْ أَكْثَر عَدَدًا , وَإِنْ كَانَ شَطْر طُرُقه أَفْرَادًا. وَفِي الْجُمْلَة يُسْتَفَاد مِنْهَا الرَّدّ عَلَى اِبْن بَطَّال حَيْثُ قَالَ : هَذَا الْحَدِيث شَهِدَهُ جَمَاعَة كَثِيرَة مِنْ الصَّحَابَة إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيق أَنَس , وَذَلِكَ لِطُولِ عُمْره وَتَطَلُّب النَّاس الْعُلُوّ فِي السَّنَد اِنْتَهَى. وَهُوَ يُنَادِي عَلَيْهِ بِقِلَّةِ الِاطِّلَاع وَالِاسْتِحْضَار لِأَحَادِيث الْكِتَاب الَّذِي شَرَحَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَلَمْ يُسْمَع بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَة عَنْ غَيْر نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ نَبَعَ الْمَاء مِنْ بَيْن عَظْمه وَعَصَبه وَلَحْمه وَدَمه , وَقَدْ نَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : " نَبَعَ الْمَاء مِنْ بَيْن أَصَابِعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْلَغ فِي الْمُعْجِزَة مِنْ نَبْع الْمَاء مِنْ الْحَجَر حَيْثُ ضَرَبَهُ مُوسَى بِالْعَصَا فَتَفَجَّرَتْ مِنْهُ الْمِيَاه , لِأَنَّ خُرُوج الْمَاء مِنْ الْحِجَارَة مَعْهُود , بِخِلَافِ خُرُوج الْمَاء مِنْ بَيْن اللَّحْم وَالدَّم " اِنْتَهَى. وَظَاهِر كَلَامه أَنَّ الْمَاء نَبَعَ مِنْ نَفْس اللَّحْم الْكَائِن فِي الْأَصَابِع , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي حَدِيث جَابِر الْآتِي " فَرَأَيْت الْمَاء يَخْرُج مِنْ بَيْن أَصَابِعه " وَأَوْضَح مِنْهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيِّ " فَجَاءُوا بِشَنٍّ فَوَضَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَده عَلَيْهِ ثُمَّ فَرَّقَ أَصَابِعه فَنَبَعَ الْمَاء مِنْ أَصَابِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل عَصَا مُوسَى , فَإِنَّ الْمَاء تَفَجَّرَ مِنْ نَفْس الْعَصَا فَتَمَسُّكه بِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَاء تَفَجَّرَ مِنْ بَيْن أَصَابِعه , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ الْمَاء كَانَ يَنْبُع مِنْ بَيْن أَصَابِعه بِالنِّسْبَةِ إِلَى رُؤْيَة الرَّائِي , وَهُوَ فِي نَفْس الْأَمْر لِلْبَرَكَةِ الْحَاصِلَة فِيهِ يَفُور وَيَكْثُر وَكَفّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَاء , فَرَآهُ الرَّائِي نَابِعًا مِنْ بَيْن أَصَابِعه , وَالْأَوَّل أَبْلَغ فِي الْمُعْجِزَة , وَلَيْسَ فِي الْأَخْبَار مَا يَرُدّهُ وَهُوَ أَوْلَى. قَوْله : ( عَنْ سَعِيد ) هُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة. قَوْله : ( عَنْ أَنَس ) لَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ إِلَّا مُعَنْعَنًا , لَكِنْ بَقِيَّة الْخَبَر تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَنَس لِقَوْلِهِ : " قُلْت كَمْ كُنْتُمْ " لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي " الدَّلَائِل " مِنْ طَرِيق مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم عَنْ سَعِيد فَقَالَ : " عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن عَنْ أَنَس " فَهَذَا لَوْ كَانَ مَحْفُوظًا اِقْتَضَى أَنَّ فِي رِوَايَة الصَّحِيح اِنْقِطَاعًا , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة بَعْد الِاخْتِلَاط. قَوْله : ( وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ ) بِتَقْدِيمِ الزَّاي عَلَى الرَّاء وَبِالْمَدِّ مَكَان مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ عِنْد السُّوق. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ كَانَ مُرْتَفِعًا كَالْمَنَارَةِ , وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَمْر عُثْمَان بِالتَّأْذِينِ عَلَى الزَّوْرَاء , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ , بَلْ الْوَاقِع أَنَّ الْمَكَان الَّذِي أُمِرَ عُثْمَان بِالتَّأْذِينِ فِيهِ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ لَا أَنَّهُ الزَّوْرَاء نَفْسهَا , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس " شَهِدْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابه عِنْد الزَّوْرَاء , أَوْ عِنْد بُيُوت الْمَدِينَة " أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم. وَعِنْد أَبِي نُعَيْم مِنْ رِوَايَة شَرِيك بْن أَبِي نَمِر عَنْ أَنَس أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَحْضَرَ الْمَاء , وَأَنَّهُ أَحْضَرَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْت أُمّ سَلَمَة , وَأَنَّهُ رَدَّهُ بَعْد فَرَاغهمْ إِلَى أُمّ سَلَمَة وَفِيهِ قَدْر مَا كَانَ فِيهِ أَوَّلًا. وَوَقَعَ عِنْده فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى قُبَاء , فَأُتِيَ مِنْ بَعْض بُيُوتهمْ بِقَدَحٍ صَغِير " وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر الْآتِي التَّصْرِيح بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَفَر فَفِي رِوَايَة نُبَيْح الْعَنَزِيّ عِنْد أَحْمَد عَنْ جَابِر قَالَ : " سَافَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَضَرَتْ الصَّلَاة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا فِي الْقَوْم مِنْ طَهُور ؟ فَجَاءَ رَجُل بِفَضْلَةٍ فِي إِدَاوَة فَصَبَّهُ فِي قَدَح , فَتَوَضَّأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ إِنَّ الْقَوْم أَتَوْا بِبَقِيَّةِ الطَّهُور فَقَالُوا : تَمَسَّحُوا تَمَسَّحُوا , فَسَمِعَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : عَلَى رِسْلكُمْ , فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي الْقَدَح فِي جَوْف الْمَاء ثُمَّ قَالَ : أَسْبِغُوا الطَّهُور , قَالَ جَابِر : فَوَالَّذِي أَذْهَب بَصَرِي لَقَدْ رَأَيْت الْمَاء يَخْرُج مِنْ بَيْن أَصَابِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَضَّئُوا أَجْمَعُونَ , قَالَ حَسِبْته قَالَ : كُنَّا مِائَتَيْنِ وَزِيَادَة " وَجَاءَ عَنْ جَابِر قِصَّة أُخْرَى أَخْرَجَهَا مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ فِي أَوَاخِر الْكِتَاب فِي حَدِيث طَوِيل فِيهِ " أَنَّ الْمَاء الَّذِي أَحْضَرُوهُ لَهُ كَانَ قَطْرَة فِي إِنَاء مِنْ جِلْد لَوْ أَفْرَغَهَا لَشَرِبَهَا يَابِس الْإِنَاء , وَأَنَّهُ لَمْ يَجِد فِي الرَّكْب قَطْرَة مَاء غَيْرهَا , قَالَ فَأَخَذَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّمَ وَغَمَزَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ : نَادِ بِجَفْنَةِ الرَّكْب فَجِيءَ بِهَا ; فَقَالَ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَة فَبَسَطَهَا ثُمَّ فَرَّقَ أَصَابِعه وَوَضَعَ تِلْكَ الْقَطْرَة فِي قَعْر الْجَفْنَة فَقَالَ : خُذْ يَا جَابِر فَصُبَّ عَلَيَّ وَقُلْ بِسْمِ اللَّه , فَفَعَلْت , قَالَ : فَرَأَيْت الْمَاء يَفُور مِنْ بَيْن أَصَابِعه , ثُمَّ فَارَتْ الْجَفْنَة وَدَارَتْ حَتَّى اِمْتَلَأَتْ , فَأَتَى النَّاس فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوَوْا , فَرَفَعَ يَده مِنْ الْجَفْنَة وَهِيَ مَلْأَى " وَهَذِهِ الْقِصَّة أَبْلَغ مِنْ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى قِلَّة الْمَاء وَعَلَى كَثْرَة مَنْ اِسْتَقَى مِنْهُ. قَوْله : ( زُهَاء ثَلَاثمِائَةِ ) هُوَ بِضَمِّ الزَّاي وَبِالْمَدِّ أَيْ قَدْر ثَلَاثمِائَةِ مَأْخُوذَة مِنْ زَهَوْت الشَّيْء إِذَا حَصَرْته. وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق خَالِد بْن الْحَارِث عَنْ سَعِيد قَالَ : " ثَلَاثمِائَةِ , بِالْجَزْمِ بِدُونِ قَوْله " زُهَاء " وَاَللَّه أَعْلَم.