💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه ) بِالتَّصْغِيرِ , هُوَ أَبُو ثَابِت الْمَدَنِيّ مَشْهُور بِكُنْيَتِهِ , وَالْإِسْنَاد كُلّه مَدَنِيُّونَ , وَأَصْل شَيْخه حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل كُوفِيّ. قَوْله : ( ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمهَا , وَأَمَّا أُمّه فَاسْمهَا عُلْبَة - بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا مُوَحَّدَة - بِنْت شُرَيْح أُخْت مَخْرَمَةَ بْن شُرَيْح. قَوْله : ( وَقِع ) بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْر الْقَاف وَبِالتَّنْوِينِ أَيْ وَجِع وَزْنه وَمَعْنَاهُ , وَقَدْ مَضَى فِي الطَّهَارَة بِلَفْظِ وَجِع , وَجَاءَ بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ , وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يَشْتَكِي رِجْله كَمَا ثَبَتَ فِي غَيْر هَذَا الطَّرِيق. قَوْله : ( فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ) سَيَأْتِي شَرْحه فِي كِتَاب الْأَدَب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَوْله : ( فَنَظَرْت إِلَى خَاتَم النُّبُوَّة بَيْن كَتِفَيْهِ ) فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَرْجَس عِنْد مُسْلِم أَنَّهُ كَانَ إِلَى جِهَة كَتِفه الْيُسْرَى. قَوْله : ( قَالَ اِبْن عُبَيْد اللَّه الْحُجْلَة مِنْ حُجَل الْفَرَس الَّذِي بَيْن عَيْنَيْهِ وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة مِثْل زِرّ الْحُجْلَة ) قُلْت : هَكَذَا وَقَعَ , وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ شَيْء ; لِأَنَّهُ يَبْعُد مِنْ شَيْخه مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه أَنْ يُفَسِّر الْحُجْلَة وَلَمْ يَقَع لَهَا فِي سِيَاقه ذِكْر , وَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ مِثْل زِرّ الْحُجْلَة ثُمَّ فَسَرَّهَا , وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي أَصْل النَّسَفِيِّ تَضْبِيب بَيْن قَوْله : " بَيْن كَتِفَيْهِ " وَبَيْن قَوْله : " قَالَ اِبْن عُبَيْد اللَّه " وَأَمَّا التَّعْلِيق عَنْ اِبْن إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة فَالْمُرَاد أَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيث كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَة , وَسَيَأْتِي الْحَدِيث عَنْهُ مَوْصُولًا بِتَمَامِهِ فِي كِتَاب الطِّبّ. وَقَدْ زَعَمَ اِبْن التِّين أَنَّهَا فِي رِوَايَة اِبْن عُبَيْد اللَّه بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم , وَفِي رِوَايَة اِبْن حَمْزَة بِفَتْحِهِمَا , وَحَكَى اِبْن دِحْيَة مِثْله وَزَادَ فِي الْأَوَّل كَسْر الْمُهْمَلَة مَعَ ضَمّهَا , وَقِيلَ : الْفَرْق بَيْن رِوَايَة اِبْن حَمْزَة وَابْن عُبَيْد اللَّه أَنَّ رِوَايَة اِبْن عُبَيْد اللَّه بِتَقْدِيمِ الزَّاي عَلَى الرَّاء عَلَى الْمَشْهُور , وَرِوَايَة اِبْن حَمْزَة بِالْعَكْسِ بِتَقْدِيمِ الرَّاء عَلَى الزَّاي , وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ اُرْتُزَّ الشَّيْء إِذَا دَخَلَ فِي الْأَرْض , وَمِنْهُ الرَّزَّة , وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا الْبَيْضَة يُقَال اِرْتَزَّتْ الْجَرَادَة إِذَا أَدْخَلَتْ ذَنَبَهَا فِي الْأَرْض لِتَبِيضَ , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالْحُجْلَةِ الطَّيْر الْمَعْرُوف , وَجَزَمَ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْحُجْلَةِ هُنَا الْكِلَّة الَّتِي تُعَلَّق عَلَى السَّرِير وَيُزَيَّن بِهَا لِلْعَرُوسِ كَالْبَشْخَانَات , وَالزِّرّ عَلَى هَذَا حَقِيقَة لِأَنَّهَا تَكُون ذَات أَزْرَار وَعُرَى , وَاسْتُبْعِدَ قَوْل اِبْن عُبَيْد اللَّه بِأَنَّهَا مِنْ حُجَل الْفَرَس الَّذِي بَيْن عَيْنَيْهِ بِأَنَّ التَّحْجِيل إِنَّمَا يَكُون فِي الْقَوَائِم , وَأَمَّا الَّذِي فِي الْوَجْه فَهُوَ الْغُرَّة , وَهُوَ كَمَا قَالَ إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقهُ عَلَى ذَلِكَ مَجَازًا , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا قَدْر الزِّرّ , وَإِلَّا فَالْغُرَّة لَا زِرّ لَهَا. وَجَزَمَ التِّرْمِذِيّ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْحُجْلَةِ الطَّيْر الْمَعْرُوف , وَأَنَّ الْمُرَاد بِزِرِّهَا بَيْضهَا , وَيُعَضِّدهُ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ مِثْل بَيْضَة الْحَمَامَة , وَقَدْ وَرَدَتْ فِي صِفَة خَاتَم النُّبُوَّة أَحَادِيث مُتَقَارِبَة لِمَا ذُكِرَ هُنَا , مِنْهَا عِنْد مُسْلِم عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة " كَأَنَّهُ بَيْض حَمَامَة " وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق سِمَاك بْن حَرْب " كَبَيْضَةِ نَعَامَة " وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا غَلَط وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن سَرْجَس " نَظَرْت خَاتَم النُّبُوَّة جَمْعًا عَلَيْهِ خِيلَان " وَعِنْد اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر " مِثْل الْبُنْدُقَة مِنْ اللَّحْم " وَعِنْد التِّرْمِذِيّ " كَبَضْعَةٍ نَاشِزَة مِنْ اللَّحْم " وَعِنْد قَاسِم بْن ثَابِت مِنْ حَدِيث قُرَّة بْن إِيَاس " مِثْل السِّلْعَة " وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ كَأَثَرِ مِحْجَم , أَوْ كَالشَّامَةِ السَّوْدَاء أَوْ الْخَضْرَاء , أَوْ مَكْتُوب عَلَيْهَا " مُحَمَّد رَسُول اللَّه " أَوْ " سِرْ فَأَنْتَ الْمَنْصُور " أَوْ نَحْو ذَلِكَ , فَلَمْ يَثْبُت مِنْهَا شَيْء وَقَدْ أَطْنَبَ الْحَافِظ قُطْب الدِّين فِي اِسْتِيعَابهَا فِي " شَرْح السِّيرَة " وَتَبِعَهُ مُغَلْطَاي فِي " الزَّهْر الْبَاسِم " وَلَمْ يُبَيِّن شَيْئًا مِنْ حَالهَا , وَالْحَقّ مَا ذَكَرْته , وَلَا تَغْتَرّ بِمَا وَقَعَ مِنْهَا فِي صَحِيح اِبْن حِبَّانَ فَإِنَّهُ غَفَلَ حَيْثُ صَحَّحَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : اِتَّفَقَتْ الْأَحَادِيث الثَّابِتَة عَلَى أَنَّ خَاتَم النُّبُوَّة كَانَ شَيْئًا بَارِزًا أَحْمَر عِنْد كَتِفه الْأَيْسَر قَدْره إِذَا قُلِّلَ قَدْر بَيْضَة الْحَمَامَة وَإِذَا كُبِّرَ جَمْع الْيَد وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن سَرْجَس عِنْد مُسْلِم أَنَّ خَاتَم النُّبُوَّة كَانَ بَيْن كَتِفَيْهِ عِنْد نَاغِض كَتِفه الْيُسْرَى , وَفِي حَدِيث عَبَّاد بْن عَمْرو عِنْد الطَّبَرَانِيِّ كَأَنَّهُ رُكْبَة عَنْز عَلَى طَرَف كَتِفه الْأَيْسَر وَلَكِنْ سَنَده ضَعِيف , قَالَ الْعُلَمَاء : السِّرّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَلْب فِي تِلْكَ الْجِهَة , وَقَدْ وَرَدَ فِي خَبَر مَقْطُوع أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَبّه أَنَّ يُرِيه مَوْضِع الشَّيْطَان فَرَأَى الشَّيْطَان فِي صُورَة ضُفْدَع عِنْد نُغْض كَتِفه الْأَيْسَر حِذَاء قَلْبه لَهُ خُرْطُوم كَالْبَعُوضَةِ , أَخْرَجَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِسَنَدٍ قَوِيّ إِلَى مَيْمُون بْن مِهْرَانَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , فَذَكَرَ. وَذَكَرَهُ أَيْضًا صَاحِب " الْفَائِق " فِي مُصَنَّفه فِي م ص ر , وَلَهُ شَاهِد مَرْفُوع عَنْ أَنَس عِنْد أَبِي يَعْلَى وَابْن عَدِيّ وَلَفْظه " إِنَّ الشَّيْطَان وَاضِع خَطْمه عَلَى قَلْب اِبْن آدَم " الْحَدِيث , وَأَوْرَدَ اِبْن أَبِي دَاوُدَ فِي " كِتَاب الشَّرِيعَة " مِنْ طَرِيق عُرْوَة بْن رُوَيْم " أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ رَبّه أَنْ يُرِيه مَوْضِع الشَّيْطَان مِنْ اِبْن آدَم , قَالَ فَإِذَا بِرَأْسِهِ مِثْل الْحَيَّة وَاضِع رَأْسه عَلَى تَمْرَة الْقَلْب , فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْد رَبّه خَنَسَ , وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ ". قُلْت : وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد فِي آخِر التَّفْسِير , قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَضَعَ خَاتَم النُّبُوَّة عِنْد نُغْض كَتِفه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ مَعْصُوم مِنْ وَسْوَسَة الشَّيْطَان , وَذَلِكَ الْمَوْضِع يَدْخُل مِنْهُ الشَّيْطَان.