💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( بَاب ) كَذَا هُوَ بِلَا تَرْجَمَة وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنْ الْبَاب الَّذِي قَبْله , وَوَجْه تَعَلُّقه بِهِ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ظَاهِر وَهُوَ الزَّجْر عَنْ الِادِّعَاء إِلَى غَيْر الْأَب الْحَقِيقِيّ , لِأَنَّ الْيَمَن إِذَا ثَبَتَ نَسَبهمْ إِلَى إِسْمَاعِيل فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُنْسَبُوا إِلَى غَيْره , وَأَمَّا الْحَدِيث الثَّالِث فَلَهُ تَعَلُّق بِأَصْلِ الْبَاب وَهُوَ أَنَّ عَبْد الْقَيْس لَيْسُوا مِنْ مُضَر , وَأَمَّا الرَّابِع فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه مِنْ الزِّيَادَة بِذِكْرِ رَبِيعَة وَمُضَر. فَأَمَّا حَدِيث أَبِي ذَرّ فَقَوْله فِي الْإِسْنَاد " عَنْ الْحُسَيْن " هُوَ اِبْن وَاقِد الْمُعَلِّم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم " حَدَّثَنَا حُسَيْن الْمُعَلِّم " وَقَوْله : " عَنْ أَبِي ذَرّ " فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " حَدَّثَنِي أَبُو ذَرّ " وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق , وَقَوْله : " لَيْسَ مِنْ رَجُل " مِنْ زَائِدَة , وَالتَّعْبِير بِالرَّجُلِ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْمَرْأَة كَذَلِكَ حُكْمهَا. قَوْله : ( اِدَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمهُ إِلَّا كَفَرَ بِاَللَّهِ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا كَفَرَ بِاَللَّهِ وَلَمْ يَقَع قَوْله : " بِاَللَّهِ " فِي غَيْر رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَلَا فِي رِوَايَة مُسْلِم وَلَا الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهُوَ أَوْلَى , وَإِنْ ثَبَتَ ذَاكَ فَالْمُرَاد مَنْ اِسْتَحَلَّ ذَلِكَ مَعَ عِلْمه بِالتَّحْرِيمِ , وَعَلَى الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة فَالْمُرَاد كُفْر النِّعْمَة , وَظَاهِر اللَّفْظ غَيْر مُرَاد وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيل التَّغْلِيظ وَالزَّجْر لِفَاعِلِ ذَلِكَ , أَوْ الْمُرَاد بِإِطْلَاقِ الْكُفْر أَنَّ فَاعِله فَعَلَ فِعْلًا شَبِيهًا بِفِعْلِ أَهْل الْكُفْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الْإِيمَان , وَقَوْله : " وَمَنْ اِدَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ نَسَب فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار " فِي رِوَايَة مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ " وَمَنْ اِدَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا , وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار " وَهُوَ أَعَمّ مِمَّا تَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة الْبُخَارِيّ , عَلَى أَنَّ لَفْظَة " نَسَب " وَقَعَتْ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ دُون غَيْره وَمَعَ حَذْفهَا يَبْقَى مُتَعَلِّق الْجَارّ وَالْمَجْرُور مَحْذُوفًا فَيَحْتَاج إِلَى تَقْدِير , وَلَفْظ نَسَب أَوْلَى مَا قُدِّرَ لِوُرُودِهِ فِي بَعْض الرِّوَايَات , وَقَوْله : " فَلْيَتَبَوَّأْ " أَيْ لِيَتَّخِذْ مَنْزِلًا مِنْ النَّار , وَهُوَ إِمَّا دُعَاء أَوْ خَبَر بِلَفْظِ الْأَمْر وَمَعْنَاهُ هَذَا جَزَاؤُهُ إِنْ جُوزِيَ , وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ , وَقَدْ يَتُوب فَيَسْقُط عَنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب الْإِيمَان ( صَوَابه كِتَاب الْعِلْم ) فِي حَدِيث " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ " وَفِي الْحَدِيث تَحْرِيم الِانْتِفَاء مِنْ النَّسَب الْمَعْرُوف وَالِادِّعَاء إِلَى غَيْره , وَقَيَّدَ فِي الْحَدِيث بِالْعِلْمِ وَلَا بُدّ مِنْهُ فِي الْحَالَتَيْنِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا لِأَنَّ الْإِثْم إِنَّمَا يَتَرَتَّب عَلَى الْعَالِم بِالشَّيْءِ الْمُتَعَمِّد لَهُ , وَفِيهِ جَوَاز إِطْلَاق الْكُفْر عَلَى الْمَعَاصِي لِقَصْدِ الزَّجْر كَمَا قَرَّرْنَاهُ , وَيُؤْخَذ مِنْ رِوَايَة مُسْلِم تَحْرِيم الدَّعْوَى بِشَيْء لَيْسَ هُوَ لِلْمُدَّعِي , فَيَدْخُل فِيهِ الدَّعَاوِي الْبَاطِلَة كُلّهَا مَالًا وَعِلْمًا وَتَعَلُّمًا وَنَسَبًا وَحَالًا وَصَلَاحًا وَنِعْمَة وَوَلَاء وَغَيْر ذَلِكَ , وَيَزْدَاد التَّحْرِيم بِزِيَادَةِ الْمَفْسَدَة الْمُتَرَتِّبَة عَلَى ذَلِكَ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن دَقِيق الْعِيد لِلْمَالِكِيَّةِ فِي تَصْحِيحهمْ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِب بِغَيْرِ مُسَخِّر لِدُخُولِ الْمُسَخِّر فِي دَعْوَى مَا لَيْسَ لَهُ وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ , وَالْقَاضِي الَّذِي يُقِيمهُ أَيْضًا يَعْلَم أَنَّ دَعْوَاهُ بَاطِلَة , قَالَ : وَلَيْسَ هَذَا الْقَانُون مَنْصُوصًا فِي الشَّرْع حَتَّى يُخَصّ بِهِ عُمُوم هَذَا الْوَعِيد , وَإِنَّمَا الْمَقْصُود إِيصَال الْحَقّ لِمُسْتَحِقِّهِ فَتَرْكُ مُرَاعَاة هَذَا الْقَدْر , وَتَحْصِيل الْمَقْصُود مِنْ إِيصَال الْحَقّ لِمُسْتَحِقِّهِ أَوْلَى مِنْ الدُّخُول تَحْت هَذَا الْوَعِيد الْعَظِيم.