💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِشَام ) هُوَ اِبْن يُوسُف. قَوْله : ( كَانَ رَجُل يُسْرِف عَلَى نَفْسه ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا , وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الرِّقَاق أَنَّهُ كَانَ يُسِيء الظَّنّ بِعَمَلِهِ , وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَئِر خَيْرًا , وَسَيَأْتِي نَقْل الْخِلَاف فِي تَحْرِيرهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد " أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلكُمْ ". قَوْله : ( إِذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اِطْحَنُونِي ثُمَّ ذُرُّونِي ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء , فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد " فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمُعْجَمَة أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْت - أَيُّ أَب كُنْت لَكُمْ ؟ قَالُوا : خَيْر أَب , قَالَ : فَإِنِّي لَمْ أَعْمَل خَيْرًا قَطُّ , فَإِذَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اِسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُونِي " بِفَتْحِ أَوَّله وَالتَّخْفِيف , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " ثُمَّ أَذْرُونِي " بِزِيَادَةِ هَمْزَة مَفْتُوحَة فِي أَوَّله , فَالْأَوَّل بِمَعْنَى دَعُونِي أَيْ اُتْرُكُونِي , وَالثَّانِي مِنْ قَوْله أَذْرَتْ الرِّيح الشَّيْء إِذَا فَرَّقَتْهُ بِهُبُوبِهَا , وَهُوَ مُوَافِق لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَة. قَوْله : ( فِي الرِّيح ) تَقَدَّمَ مَا فِي رِوَايَة حُذَيْفَة مِنْ الْخِلَاف فِي هَذِهِ اللَّفْظَة , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد " فِي يَوْم عَاصِف " أَيْ عَاصِف رِيحه , وَفِي حَدِيث مُعَاذ عَنْ شُعْبَة عِنْد مُسْلِم " فِي رِيح عَاصِف " وَوَقَعَ فِي حَدِيث مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل فِي أَوَّل الْبَاب " حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي وَامْتُحِشْت , وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْمُهْمَلَة بَعْدهَا شِين مُعْجَمَة أَيْ وَصَلَ الْحَرْق الْعِظَام , وَالْمَحْش إِحْرَاق النَّار الْجِلْد. قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي " قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يُسْتَشْكَل هَذَا فَيُقَال كَيْف يُغْفَر لَهُ وَهُوَ مُنْكِر لِلْبَعْثِ وَالْقُدْرَة عَلَى إِحْيَاء الْمَوْتَى ؟ وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يُنْكِر الْبَعْث وَإِنَّمَا جَهِلَ فَظَنَّ أَنَّهُ إِذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَا يُعَاد فَلَا يُعَذَّب , وَقَدْ ظَهَرَ إِيمَانه بِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَة اللَّه. قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : قَدْ يَغْلَط فِي بَعْض الصِّفَات قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ ; وَرَدَّهُ اِبْن الْجَوْزِيّ وَقَالَ : جَحْده صِفَة الْقُدْرَة كُفْر اِتِّفَاقًا , وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْله " لَئِنْ قَدَرَ اللَّه عَلَيَّ " أَيْ ضَيَّقَ وَهِيَ قَوْله : ( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقه ) أَيْ ضُيِّقَ , وَأَمَّا قَوْله " لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ " فَمَعْنَاهُ لَعَلِّي أَفُوتهُ , يُقَال ضَلَّ الشَّيْء إِذَا فَاتَ وَذَهَبَ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ : ( لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ) وَلَعَلَّ هَذَا الرَّجُل قَالَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّة جَزَعه وَخَوْفه كَمَا غَلِطَ ذَلِكَ الْآخَر فَقَالَ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبّك , وَيَكُون قَوْله " لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ " بِتَشْدِيدِ الدَّال أَيْ قَدَّرَ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبنِي لَيُعَذِّبنِي , أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُثْبِتًا لِلصَّانِعِ وَكَانَ فِي زَمَن الْفَتْرَة فَلَمْ تَبْلَعهُ شَرَائِط الْإِيمَان , وَأَظْهَر الْأَقْوَال أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَال دَهْشَته وَغَلَبَة الْخَوْف عَلَيْهِ حَتَّى ذَهَبَ بِعَقْلِهِ لِمَا يَقُول , وَلَمْ يَقُلْهُ قَاصِدًا لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ بَلْ فِي حَالَة كَانَ فِيهَا كَالْغَافِلِ وَالذَّاهِل وَالنَّاسِي الَّذِي لَا يُؤَاخَذ بِمَا يَصْدُر مِنْهُ , وَأَبْعَد الْأَقْوَال قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ فِي شَرْعهمْ جَوَاز الْمَغْفِرَة لِلْكَافِرِ. قَوْله : ( فَأَمَرَ اللَّه الْأَرْض فَقَالَ اِجْمَعِي مَا فِيك مِنْهُ فَفَعَلَتْ ) وَفِي حَدِيث سَلْمَان الْفَارِسِيّ عِنْد أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه " فَقَالَ اللَّه لَهُ كُنْ فَكَانَ كَأَسْرَع مِنْ طَرْفَة الْعَيْن " وَهَذَا جَمِيعه كَمَا قَالَ اِبْن عَقِيل إِخْبَار عَمَّا سَيَقَعُ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضهمْ إِنَّهُ خَاطَبَ رُوحه , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِب قَوْله " فَجَمَعَهُ اللَّه " لِأَنَّ التَّحْرِيق وَالتَّفْرِيق إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْجَسَد وَهُوَ الَّذِي يُجْمَع وَيُعَاد عِنْد الْبَعْث. قَوْله : ( وَقَالَ غَيْره خَشْيَتك ) الْغَيْر الْمَذْكُور هُوَ عَبْد الرَّزَّاق , كَذَا رَوَاهُ عَنْ مَعْمَر بِلَفْظِ " خَشْيَتك " بَدَل مَخَافَتك , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ عَبْد الرَّزَّاق بِهَذَا , وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث أَبَى سَعِيد " مَخَافَتك , وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة " خَشْيَتك ". قَوْله فِي آخِر حَدِيث أَبِي سَعِيد ( فَتَلْقَاهُ رَحْمَته ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَلَافَاهُ قَالَ اِبْن التِّين : أَمَّا تَلَقَّاهُ بِالْقَافِ فَوَاضِح. لَكِنْ الْمَشْهُور تَعْدِيَته بِالْبَاءِ وَقَدْ جَاءَ هُنَا بِغَيْرِ تَعْدِيَة , وَعَلَى هَذَا فَالرَّحْمَة مَنْصُوبَة عَلَى الْمَفْعُولِيَّة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذِكْر الرَّحْمَة وَهِيَ عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ , قَالَ وَأَمَّا " تَلَافَاهُ " بِالْفَاءِ فَلَا أَعْرِف لَهُ وَجْهًا إِلَّا أَنْ يَكُون أَصْله فَتَلَفَّفَهُ أَيْ غَشَّاهُ , فَلَمَّا اِجْتَمَعَتْ ثَلَاث فَاءَات أُبْدِلَتْ الْأَخِيرَة أَلِفًا مِثْل " دَسَّاهَا " كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ مِنْ الثُّلَاثِيّ , وَالْقَوْل فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي التَّلَقِّي. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث سَلْمَان " مِمَّا تَلَافَاهُ عِنْدهَا أَنْ غُفِرَ لَهُ ".