💡 شرح فتح الباري
" 5123 " حَدِيثُ أَبِي لُبَابَة. قَوْلُهُ : ( وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ ) تَثْنِيَة طُفْيَة بِضَمِّ الطَّاء الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْفَاء وَهِيَ خُوصَة الْمُقَل , وَالطَّفْيُ خُوص الْمُقَل , شَبَّهَ بِهِ الْخَطّ الَّذِي عَلَى ظَهْر الْحَيَّة , وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : يُقَال أَنَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ جِنْس مِنْ الْحَيَّات يَكُون عَلَى ظَهْره خَطَّانِ أَبْيَضَانِ. قَوْلُهُ : ( وَالْأَبْتَر ) هُوَ مَقْطُوع الذَّنَب , زَادَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ أَنَّهُ أَزْرَق اللَّوْن لَا تَنْظُر إِلَيْهِ حَامِل إِلَّا أَلْقَتْ , وَقِيلَ : الْأَبْتَر الْحَيَّة الْقَصِيرَة الذَّنَب , قَالَ الدَّاوُدِيُّ : هُوَ الْأَفْعَى الَّتِي تَكُون قَدْر شِبْر أَوْ أَكْثَر قَلِيلًا , وَقَوْله : " وَالْأَبْتَر " يَقْتَضِي التَّغَايُر بَيْن ذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَر ; وَوَقَعَ فِي الطَّرِيق الْآتِيَة " لَا تَقْتُلُوا الْحَيَّات إِلَّا كُلّ أَبْتَر ذِي طُفْيَتَيْنِ " وَظَاهِره اِتِّحَادهمَا , لَكِنْ لَا يَنْفِي الْمُغَايَرَة. قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَر ) أَيْ يَمْحُوَانِ نُوره , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ اِبْن عُمَر " وَيُذْهِب الْبَصَر " وَفِي حَدِيث عَائِشَة " فَإِنَّهُ يَلْتَمِس الْبَصَر ". قَوْلُهُ : ( وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَل ) هُوَ بِفَتْح الْمُهْمَلَة وَالْمُوَحَّدَة الْجَنِين , وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ اِبْن عُمَر الْآتِيَة بَعْد أَحَادِيث " فَإِنَّهُ يُسْقِط الْوَلَد " وَفِي حَدِيث عَائِشَة الْآتِي بَعْد أَحَادِيث : " وَيُصِيب الْحَبَل " وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْهَا " وَيُذْهِب الْحَبَل " وَكُلّهَا بِمَعْنًى. قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) هُوَ اِبْن عُمَر , وَفِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ الَّتِي يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا " قَالَ اِبْن عُمَر : فَكُنْت لَا أَتْرُك حَيَّة إِلَّا قَتَلْتهَا , حَتَّى طَارَدْت حَيَّة مِنْ ذَوَات الْبُيُوت " الْحَدِيث , وَقَوْله : " أُطَارِد " أَيْ أَتْبَع وَأَطْلُب. قَوْلُهُ : ( فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَة ) بِضَمِّ اللَّام وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ صَحَابِيّ مَشْهُور اِسْمه بَشِير بِفَتْح الْمُوَحَّدَة وَكَسْر الْمُعْجَمَة وَقِيلَ : مُصَغَّر وَقِيلَ : بِتَحْتَانِيَّة وَمُهْمَلَة مُصَغَّر وَقِيلَ : رِفَاعَة وَقِيلَ : بَلْ اِسْمه كُنْيَته وَرِفَاعَة وَبَشِير أَخَوَاهُ , وَاسْم جَدّه زَنْبَر بِزَاي وَنُون وَمُوَحَّدَة وَزْن جَعْفَر , وَهُوَ أَوْسِيّ مِنْ بَنِي أُمَيَّة بْن زَيْد , وَشَذَّ مَنْ قَالَ اِسْمه مَرْوَان , وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح إِلَّا هَذَا الْحَدِيث , وَكَانَ أَحَد النُّقَبَاء وَشَهِدَ أُحُدًا , وَيُقَال شَهِدَ بَدْرًا , وَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَدِينَة , وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَة قَوْمه يَوْم الْفَتْح , وَمَاتَ فِي أَوَّل خِلَافَة عُثْمَان عَلَى الصَّحِيح. قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ نَهَى بَعْد ذَلِكَ عَنْ ذَوَات الْبُيُوت ) أَيْ اللَّاتِي يُوجَدْنَ فِي الْبُيُوت , وَظَاهِره التَّعْمِيم فِي جَمِيع الْبُيُوت , وَعَنْ مَالِك تَخْصِيصه بِبُيُوتِ أَهْل الْمَدِينَة , وَقِيلَ : يَخْتَصّ بِبُيُوتِ الْمُدُن دُون غَيْرهَا , وَعَلَى كُلّ قَوْل فَتُقْتَل فِي الْبَرَارِي وَالصَّحَارِي مِنْ غَيْر إِنْذَار , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن الْمُبَارَك أَنَّهَا الْحَيَّة الَّتِي تَكُون كَأَنَّهَا فِضَّة وَلَا تَلْتَوِي فِي مِشْيَتهَا. قَوْلُهُ : ( وَهِيَ الْعَوَامِر ) هُوَ كَلَام الزُّهْرِيّ أُدْرِجَ فِي الْخَبَر , وَقَدْ بَيَّنَهُ مَعْمَر فِي رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ فَسَاقَ الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره " قَالَ الزُّهْرِيّ وَهِيَ الْعَوَامِر " قَالَ أَهْل اللُّغَة عُمَّار الْبُيُوت سُكَّانهَا مِنْ الْجِنّ , وَتَسْمِيَتهنَّ عَوَامِر لِطُولِ لُبْثهنَّ فِي الْبُيُوت مَأْخُوذ مِنْ الْعُمْر وَهُوَ طُول الْبَقَاء , وَعِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا " إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوت عَوَامِر , فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِ ثَلَاثًا , فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ " وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالثَّلَاثِ فَقِيلَ ثَلَاث مَرَّات , وَقِيلَ ثَلَاثَة أَيَّام , وَمَعْنَى قَوْله حَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ أَنْ يُقَال لَهُنَّ أَنْتُنَّ فِي ضِيق وَحَرَج إِنْ لَبِثْت عِنْدنَا أَوْ ظَهَرْت لَنَا أَوْ عُدْت إِلَيْنَا. قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر : فَرَآنِي أَبُو لُبَابَة أَوْ زَيْد بْن الْخَطَّاب ) يُرِيد أَنَّ مَعْمَر رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد عَلَى الشَّكّ فِي اِسْم الَّذِي لَقِيَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَرِوَايَته هَذِهِ أَخْرَجَهَا مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا , وَسَاقَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقه. قَوْلُهُ : ( وَتَابَعَهُ يُونُس ) أَيْ اِبْن يَزِيد , وَابْن عُيَيْنَةَ أَيْ سُفْيَان , وَإِسْحَاق الْكَلْبِيّ وَالزُّبَيْدِيّ , أَيْ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة تَابَعُوا مَعْمَرًا عَلَى رِوَايَته الْمَذْكُورَة. فَأَمَّا رِوَايَة يُونُس فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَة , وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَد وَالْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ , وَوَصَلَهَا مُسْلِم وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقه , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم " وَكَانَ اِبْن عُمَر يَقْتُل كُلّ حَيَّة وَجَدَهَا , فَأَبْصَرَهُ أَبُو لُبَابَة بْن عَبْد الْمُنْذِر أَوْ زَيْد بْن الْخَطَّاب " وَأَمَّا رِوَايَة إِسْحَاق وَهُوَ اِبْن يَحْيَى الْكَلْبِيّ فَرَوَيْنَاهَا فِي نُسْخَته , وَأَمَّا رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد الْحِمْصِيُّ فَوَصَلَهَا مُسْلِم , وَفِي رِوَايَته " قَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : فَكُنْت لَا أَتْرُك حَيَّة أَرَاهَا إِلَّا قَتَلْتهَا " وَزَادَ فِي رِوَايَته " قَالَ الزُّهْرِيّ وَنَرَى ذَلِكَ مِنْ سُمِّيَّتِهَا ". وَقَوْلُهُ : ( وَقَالَ صَالِح وَابْن أَبِي حَفْصَة وَابْن مُجَمِّع إِلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة رَوَوْا الْحَدِيث عَنْ الزُّهْرِيّ فَجَمَعُوا فِيهِ بَيْن أَبِي لُبَابَة وَزَيْد بْن الْخَطَّاب , فَأَمَّا رِوَايَة صَالِح وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَلَمْ يَسُقْ لَفْظهَا وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَة , وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن أَبِي حَفْصَة وَاسْمه مُحَمَّد فَرَوَيْنَاهَا فِي نُسْخَته مِنْ طَرِيق أَبِي أَحْمَد بْن عَدِيّ مَوْصُولَة , وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن مُجَمِّع وَهُوَ إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن مُجَمِّع بِالْجِيمِ وَتَشْدِيد الْمِيم الْأَنْصَارِيّ الْمَدَنِيّ فَوَصَلَهَا الْبَغَوِيُّ وَابْن السَّكَن فِي " كِتَاب الصَّحَابَة " قَالَ اِبْن السَّكَن لَمْ أَجِد مَنْ جَمَعَ بَيْن أَبِي لُبَابَة وَزَيْد بْن الْخَطَّاب إِلَّا اِبْن مُجَمِّع هَذَا وَجَعْفَر بْن بَرْقَانَ , وَفِي رِوَايَتهمَا عَنْ الزُّهْرِيّ مَقَال. اِنْتَهَى. وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ وَهُوَ عِنْده عَنْ الْفَرَبْرِيِّ عَنْهُ فَسُبْحَان مَنْ لَا يَذْهَل , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ لَمْ تَقَع لَهُ مَوْصُولَة مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي حَفْصَة وَصَالِح , فَصَارَ مَنْ رَوَاهُ بِالْجَمْعِ أَرْبَعَة , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُقَارِب الْخَمْسَة الَّذِينَ رَوَوْهُ بِالشَّكِّ إِلَّا صَالِح بْن كَيْسَانَ , وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه مِنْ وَجْه آخَر أَنَّ الَّذِي رَأَى اِبْن عُمَر هُوَ أَبُو لُبَابَة بِغَيْرِ شَكّ , وَهُوَ يُرَجِّح مَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ مِنْ تَقْدِيمه لِرِوَايَةِ هِشَام بْن يُوسُف عَنْ مَعْمَر الْمُقْتَصِرَة عَلَى ذِكْر أَبِي لُبَابَة , وَاللَّهُ أَعْلَم. وَلَيْسَ لِزَيْدِ بْن الْخَطَّاب - أَخِي عُمَر - رِوَايَة فِي الصَّحِيح إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْجِنّ لَا تَتَمَثَّل بِذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَر , فَلِذَلِكَ أَذِنَ فِي قَتْلهمَا. وَسَيَأْتِي التَّعَقُّب عَلَيْهِ بَعْد قَلِيل. وَفِي الْحَدِيث النَّهْي عَنْ قَتْل الْحَيَّات الَّتِي فِي الْبُيُوت إِلَّا بَعْد الْإِنْذَار , إِلَّا أَنْ يَكُون أَبْتَر أَوْ ذَا طُفْيَتَيْنِ فَيَجُوز قَتْله بِغَيْرِ إِنْذَار , وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم الْإِذْن فِي قَتْل غَيْرهمَا بَعْد الْإِنْذَار , وَفِيهِ : " فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِر " قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَالْأَمْر فِي ذَلِكَ لِلْإِرْشَادِ , نَعَمْ مَا كَانَ مِنْهَا مُحَقَّق الضَّرَر وَجَبَ دَفْعه.