قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَأَنْتُمْ تَقْرَءُونَهَا {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَإِنَّ أَعْيَانَ بَنِي الأُمِّ لَيَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلاَّتِ .
لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ دَعَانِي، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ يَا بُنَىِّ، إِنَّهُ لاَ يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلاَّ ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لاَ أُرَانِي إِلاَّ سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتُرَى يُبْقِي دَيْنُنَا مِنْ مَالِنَا شَيْئًا فَقَالَ يَا بُنَىِّ بِعْ مَالَنَا فَاقْضِ دَيْنِي. وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ، وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ ثُلُثُ الثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَىْءٌ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ. قَالَ هِشَامٌ وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ وَازَى بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ خُبَيْبٌ وَعَبَّادٌ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ يَا بُنَىِّ، إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَىْءٍ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلاَىَ. قَالَ فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ يَا أَبَتِ مَنْ مَوْلاَكَ قَالَ اللَّهُ. قَالَ فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلاَّ قُلْتُ يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ، اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ. فَيَقْضِيهِ، فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ ـ رضى الله عنه ـ وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، إِلاَّ أَرَضِينَ مِنْهَا الْغَابَةُ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَدَارًا بِالْكُوفَةِ، وَدَارًا بِمِصْرَ. قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ لاَ وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ، وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ وَلاَ جِبَايَةَ خَرَاجٍ وَلاَ شَيْئًا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ـ رضى الله عنهم ـ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَىْ أَلْفٍ وَمِائَتَىْ أَلْفٍ قَالَ فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي، كَمْ عَلَى أَخِي مِنَ الدَّيْنِ فَكَتَمَهُ. فَقَالَ مِائَةُ أَلْفٍ. فَقَالَ حَكِيمٌ وَاللَّهِ مَا أُرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ لِهَذِهِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَىْ أَلْفٍ وَمِائَتَىْ أَلْفٍ قَالَ مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي. قَالَ وَكَانَ الزُّبَيْرُ اشْتَرَى الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ حَقٌّ فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ، فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لاَ. قَالَ فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لاَ. قَالَ قَالَ فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَكَ مِنْ هَا هُنَا إِلَى هَا هُنَا. قَالَ فَبَاعَ مِنْهَا فَقَضَى دَيْنَهُ فَأَوْفَاهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ، فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ كَمْ قُوِّمَتِ الْغَابَةُ قَالَ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ كَمْ بَقِيَ قَالَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. قَالَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمْ بَقِيَ فَقَالَ سَهْمٌ وَنِصْفٌ. قَالَ أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ وَبَاعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا. قَالَ لاَ، وَاللَّهِ لاَ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالْمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ أَلاَ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. قَالَ فَجَعَلَ كَلَّ سَنَةٍ يُنَادِي بِالْمَوْسِمِ، فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ قَالَ فَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَرَفَعَ الثُّلُثَ، فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ.
(يوم الجمل) يوم وقعة الجمل سنة ست وثلاثين هجرية التي وقعت بين طلحة والزبير وعلي رضي الله عنهم وسميت يوم الجمل لأن عائشة رضي الله عنها كانت تركب على جمل في هودج وكانت هي التي خرجت بالناس وكانت هي محور المعركة رضي الله عنها وعفا عنها وعمن شجعها وأغراها بهذا الموقف. (وثلثه لبنيه) أي أوصى بثلث الثلث لبني عبد الله خاصة. (وازى) حاذاهم وساواهم في السن. (الغابة) أرض شهيرة من عوالي المدينة كان الزبير قد اشتراها. (لا ولكنه سلف) أي لا أضعه عندي وديعة ولكني آخذه دينا وذلك حتى يكون مضمونا عليه إذا أصابه شيء من التلف. (فكتمه) كتم أصل الدين حتى لا يستعظمه حكيم فينظر إليه بعين الاحتياج ولكنه لما استعظم القليل أخبره بالحقيقة. (فليوافنا) فليأتنا. (بالموسم) موسم الحج سمي بذلك لاجتماع الناس فيه فهو معلم مأخوذ من الوسم وهو العلامة
قَوْلُهُ ( لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ ) يُرِيدُ الْوَقْعَةَ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ مَعَهُ وَبَيْنَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَمَنْ مَعَهَا وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ الزُّبَيْرُ , وَنُسِبَتْ الْوَقْعَةُ إِلَى الْجَمَلِ لِأَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ الصَّحَابِيَّ الْمَشْهُورَ كَانَ مَعَهُمْ فَأَرْكَبَ عَائِشَةَ عَلَى جَمَلٍ عَظِيمٍ اِشْتَرَاهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ - وَقِيلَ ثَمَانِينَ وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - فَوَقَفَتْ بِهِ فِي الصَّفِّ , فَلَمْ يَزَلْ الَّذِينَ مَعَهَا يُقَاتِلُونَ حَوْلَ الْجَمَلِ حَتَّى عُقِرَ الْجَمَلُ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ الْهَزِيمَةُ , هَذَا مُلَخَّصُ الْقِصَّةِ , وَسَيَأْتِي الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ سَبَبِهَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَانَ ذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى أَوْ الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. قَوْلُهُ ( لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ ) قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَاهُ ظَالِمٌ عِنْدَ خَصْمِهِ مَظْلُومٌ عِنْدَ نَفْسِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ كَانَ يَتَأَوَّلُ أَنَّهُ عَلَى الصَّوَابِ , وَقَالَ اِبْنُ التِّينِ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ إِمَّا صَحَابِيٌّ مُتَأَوِّلٌ فَهُوَ مَظْلُومٌ وَإِمَّا غَيْرُ صَحَابِيٍّ قَاتَلَ لِأَجْلِ الدُّنْيَا فَهُوَ ظَالِمٌ , وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِنْ قِيلَ جَمِيعُ الْحُرُوبِ كَذَلِكَ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا أَوَّلُ حَرْبٍ وَقَعَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْت : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " أَوْ " لِلشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي , وَأَنَّ الزُّبَيْرَ إِنَّمَا قَالَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ , أَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَالْمَعْنَى لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُ لِلظَّالِمِ مِنْهُمْ الْعُقُوبَةَ , أَوْ لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَّا مَظْلُومٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُ لَهُ الشَّهَادَةَ , وَظَنَّ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَنَّهُ يُقْتَلُ مَظْلُومًا إِمَّا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ كَانَ مُصِيبًا وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سَمِعَ عَلِيٌّ وَهُوَ قَوْلُهُ لَمَّا جَاءَهُ قَاتِلُ الزُّبَيْرِ " بَشِّرْ قَاتِلَ اِبْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ " وَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ , وَوَقَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُخْتَصَرًا قَالَ " وَاللَّهِ لَئِنْ قُتِلْت لَأُقْتَلَن مَظْلُومًا , وَاللَّهِ مَا فَعَلْت وَمَا فَعَلْت " يَعْنِي شَيْئًا مِنْ الْمَعَاصِي. قَوْلُهُ ( وَإِنِّي لَا أُرَانِي ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مِنْ الظَّنِّ , وَيَجُوزُ فَتْحُهَا بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ , وَظَنُّهُ أَنَّهُ سَيُقْتَلُ مَظْلُومًا قَدْ تَحَقَّقَ لِأَنَّهُ قُتِلَ غَدْرًا بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُ عَلِيٌّ فَانْصَرَفَ عَنْ الْقِتَالِ فَنَامَ بِمَكَانٍ فَفَتَكَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُسَمَّى عَمْرَو بْنَ جُرْمُوزٍ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ زَايٌ , فَرَوَى اِبْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ " إِنَّا لَمَعَ عَلِيٍّ لَمَّا اِلْتَقَى الصَّفَّانِ فَقَالَ : أَيْنَ الزُّبَيْرُ ؟ فَجَاءَ الزُّبَيْرُ , فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى يَدِ عَلِيٍّ يُشِيرُ بِهَا إِذْ وَلَّى الزُّبَيْرُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْقِتَالُ " وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّ عَلِيًّا ذَكَّرَ الزُّبَيْرَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ لَتُقَاتِلَن عَلِيًّا وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ , فَرَجَعَ لِذَلِكَ. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ وَخَلِيفَةُ فِي تَارِيخِهِمَا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ بِالْجِيمِ قَالَ : فَانْطَلَقَ الزُّبَيْرُ مُنْصَرِفًا فَقَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ بِوَادِي السِّبَاعِ. قَوْلُهُ ( وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي ) فِي رِوَايَةِ عَثَّامٍ " اُنْظُرْ يَا بُنَيَّ دَيْنِي , فَإِنِّي لَا أَدَعُ شَيْئًا أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْهُ " قَوْلُهُ ( وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ ) أَيْ ثُلُثِ مَالِهِ ( وَثُلُثِهِ ) أَيْ ثُلُثِ الثُّلُثِ , وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْخَبَرِ. قَوْلُهُ ( فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِك ) قَالَ الْمُهَلَّبُ : مَعْنَاهُ ثُلُثُ ذَلِكَ الْفَضْلِ الَّذِي أَوْصَى بِهِ مِنْ الثُّلُثِ لِبَنِيهِ , كَذَا قَالَ , وَهُوَ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ مِنْ خَارِجٍ لَكِنَّهُ لَا يُوَضِّحُ اللَّفْظَ الْوَارِدَ , وَضَبَطَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ " فَثَلِّثْهُ لِوَلَدِك " بِتَشْدِيدِ اللَّامِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنْ التَّثْلِيثِ وَهُوَ أَقْرَبُ. قَوْلُهُ ( قَالَ هِشَامٌ ) هُوَ اِبْنُ عُرْوَةَ رَاوِي الْخَبَرَ , وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ ( وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ ) أَيْ اِبْنِ الزُّبَيْرِ ( قَدْ وَازَى ) بِالزَّايِ أَيْ سَاوَى , وَفِيهِ اِسْتِعْمَالُ وَازَى بِالْوَاوِ خِلَافًا لِلْجَوْهَرِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ يُقَالُ آزَى بِالْهَمْزِ وَلَا يُقَالُ وَازَى وَالْمُرَادُ أَنَّهُ سَاوَاهُمْ فِي السِّنِّ. قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَاوَى بَنُو عَبْدِ اللَّهِ فِي أَنْصِبَائِهِمْ مِنْ الْوَصِيَّةِ أَوْلَادَ الزُّبَيْرِ فِي أَنْصِبَائِهِمْ مِنْ الْمِيرَاثِ , قَالَ : " وَهَذَا أَوْلَى " وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ كَثْرَةِ أَوْلَادِ الزُّبَيْرِ مَعْنًى. قُلْت : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَظْهَرْ مِقْدَارُ الْمَالِ الْمَوْرُوثِ وَلَا الْمُوصَى بِهِ , وَأَمَّا قَوْلُهُ " لَا يَكُونُ لَهُ مَعْنًى " فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّ أَوْلَادَ عَبْدِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَبِرُوا وَتَأَهَّلُوا حَتَّى سَاوَوْا أَعْمَامَهُمْ فِي ذَلِكَ , فَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنْ الْمَالِ لِيَتَوَفَّرَ عَلَى أَبِيهِمْ حِصَّتُهُ. وَقَوْلُهُ " خُبَيْب " بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ مُصَغَّرٌ وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَبِهِ كَانَ يُكَنِّيهِ مَنْ لَا يُرِيدُ تَعْظِيمَهُ لِأَنَّهُ كُنِّيَ فِي الْأَوَّلِ بِكُنْيَةِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ أَبِي بَكْرٍ , ) وَقَوْلُهُ " خُبَيْبٌ وَعَبَّادٌ " بِالرَّفْعِ أَيْ هُمْ خُبَيْبٌ وَعَبَّاد وَغَيْرُهُمَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَفِي أَوْلَادِهِ أَيْضًا مَنْ سَاوَى بَعْضَ وَلَدِ الزُّبَيْرِ فِي السِّنِّ , وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْبَعْضِ وَقَوْلُهُ " وَلَهُ " أَيْ لِلزُّبَيْرِ وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَجَعَلَهُ ضَمِيرًا لِعَبْدِ اللَّهِ فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ. وَقَوْلُهُ " تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ " فَأَمَّا أَوْلَادُ عَبْدِ اللَّهِ إِذْ ذَاكَ فَهُمْ خُبَيْبٌ وَعَبَّاد وَقَدْ ذُكِرَا , وَهَاشِمٌ وَثَابِتٌ , وَأَمَّا سَائِرُ وَلَدِهِ فَوُلِدُوا بَعْدَ ذَلِكَ , وَأَمَّا أَوْلَادُ الزُّبَيْرِ فَالتِّسْعَةُ الذُّكُورُ هُمْ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ وَالْمُنْذِرُ أُمُّهُمْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ , وَعُمَرُ وَخَالِدٌ أُمُّهُمَا أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ , وَمُصْعَبٌ وَحَمْزَةُ أُمُّهُمَا الرَّبَابُ بِنْتُ أَنِيفٍ , وَعُبَيْدَةُ وَجَعْفَرٌ أُمُّهُمَا زَيْنَبُ بِنْتُ بِشْرٍ , وَسَائِرُ وَلَدِ الزُّبَيْرِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ مَاتُوا قَبْلَهُ وَالتِّسْعُ الْإِنَاثُ هُنَّ خَدِيجَةُ الْكُبْرَى وَأُمُّ الْحَسَنِ وَعَائِشَةُ أُمُّهُنَّ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ , وَحَبِيبَةُ وَسَوْدَةُ وَهِنْدٌ أُمُّهُنَّ أُمُّ خَالِدٍ , وَرَمْلَةُ أُمُّهَا الرَّبَابُ , وَحَفْصَةُ أُمُّهَا زَيْنَبُ , وَزَيْنَبُ أُمُّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ. قَوْلُهُ ( إِلَّا أَرْضِينَ مِنْهَا الْغَابَةُ ) كَذَا فِيهِ , وَصَوَابُهُ " مِنْهُمَا " بِالتَّثْنِيَةِ. وَالْغَابَةُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ أَرْضٌ عَظِيمَةٌ شَهِيرَةٌ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ ( وَدَارًا بِمِصْرَ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مِصْرَ فُتِحَتْ صُلْحًا , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِنَا فُتِحَتْ عَنْوَةً اِمْتِنَاعُ بِنَاءِ أَحَدِ الْغَانِمِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ فِيهَا. قَوْلُهُ ( لَا وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ ) أَيْ مَا كَانَ يَقْبِضُ مِنْ أَحَدٍ وَدِيعَةً إِلَّا إِنْ رَضِيَ صَاحِبُهَا أَنْ يَجْعَلَهَا فِي ذِمَّتِهِ , وَكَانَ غَرَضُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْشَى عَلَى الْمَالِ أَنْ يُضَيَّعَ فَيُظَنَّ بِهِ التَّقْصِيرُ فِي حِفْظِهِ فَرَأَى أَنْ يَجْعَلَهُ مَضْمُونًا فَيَكُونُ أَوْثَقَ لِصَاحِبِ الْمَالِ وَأَبْقَى لِمُرُوءَتِهِ. زَادَ اِبْنُ بَطَّالٍ : وَلِيَطِيبَ لَهُ رِبْحُ ذَلِكَ الْمَالِ. قُلْت : وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ كُلًّا مِنْ عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَمُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ. قَوْلُهُ ( وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ إِلَخْ ) أَيْ أَنَّ كَثْرَةَ مَالِهِ مَا حَصَلَتْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِظَنِّ السَّوْءِ بِأَصْحَابِهَا. بَلْ كَانَ كَسْبُهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَنَحْوِهَا. وَقَدْ رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الْخَرَاجَ , وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِثْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. قَوْلُهُ ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ) هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَ قَوْلُهُ ( فَحَسَبْت ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ الْحِسَابِ. قَوْلُهُ ( فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ , وَعَبْدَ اللَّهِ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا قَالَ لَهُ مِائَةُ أَلْفٍ وَكَتَمَ الْبَاقِيَ لِئَلَّا يَسْتَعْظِمَ حَكِيمٌ مَا اِسْتَدَانَ بِهِ الزُّبَيْرُ فَيَظُنُّ بِهِ عَدَمَ الْحَزْمِ وَبِعَبْدِ اللَّهِ عَدَمَ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ , فَلَمَّا اِسْتَعْظَمَ حَكِيمٌ أَمْرَ مِائَةِ أَلْفٍ اِحْتَاجَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ الْجَمِيعَ وَيُعَرِّفَهُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى وَفَائِهِ , وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ اِبْنَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ مِائَةُ أَلْفٍ وَكِتْمَانِهِ الزَّائِدَ كَذِبٌ , لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِبَعْضِ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ صَادِقٌ قُلْت : لَكِنْ مَنْ يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الْعَدَدِ يَرَاهُ إِخْبَارًا بِغَيْرِ الْوَاقِعِ , وَلِهَذَا قَالَ اِبْنُ التِّينِ فِي قَوْلِهِ " فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاسْتَعِينُوا بِي " مَعَ قَوْلِهِ فِي الْأَوَّلِ " مَا أَرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا " بَعْضُ التَّجَوُّزِ , وَكَذَا فِي كِتْمَانِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مَا كَانَ عَلَى أَبِيهِ , وَقَدْ رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ بَذَلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِائَةَ أَلْفٍ إِعَانَةً لَهُ عَلَى وَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِ فَامْتَنَعَ , فَبَذَلَ لَهُ مِائَتَيْ أَلْفٍ فَامْتَنَعَ إِلَى أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ ثُمَّ قَالَ : لَمْ أُرِدْ مِنْك هَذَا , وَلَكِنْ تَنْطَلِقُ مَعِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ وَبِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَسْتَشْفِعُ بِهِمْ عَلَيْهِ , فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ , قَالَ : أَجِئْت بِهَؤُلَاءِ تَسْتَشْفِعُ بِهِمْ عَلَيَّ ؟ هِيَ لَك. قَالَ : لَا أُرِيدُ ذَلِكَ. قَالَ فَأَعْطِنِي بِهَا نَعْلَيْك هَاتَيْنِ أَوْ نَحْوَهَا , قَالَ : لَا أُرِيدُ. قَالَ فَهِيَ عَلَيْك إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : لَا. قَالَ : فَحُكْمُك. قَالَ : أُعْطِيَك بِهَا أَرْضًا. فَقَالَ نَعَمْ. فَأَعْطَاهُ. قَالَ فَرَغِبَ مُعَاوِيَةُ فِيهَا فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ ( وَكَانَ الزُّبَيْرُ اِشْتَرَى الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ فَبَاعَهَا عَبْدُ اللَّهِ ) أَيْ اِبْنُ الزُّبَيْرِ ( بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ ) كَأَنَّهُ قَسَمَهَا سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمُعَاوِيَةَ إِنَّهَا قُوِّمَتْ كُلُّ سَهْمٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَوْلُهُ ( فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ) ) أَيْ اِبْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَوْلُهُ ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) أَيْ اِبْنُ الزُّبَيْرِ. قَوْلُهُ ( فَبَاعَ مِنْهَا ) أَيْ مِنْ الْغَابَةِ وَالدُّورِ لَا مِنْ الْغَابَةِ وَحْدَهَا لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ الدَّيْنَ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ وَأَنَّهُ بَاعَ الْغَابَةَ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ , وَقَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ بَاعَ نَصِيبَ الزُّبَيْرِ مِنْ الْغَابَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فِي دَيْنِهِ , فَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي تَرْجَمَةِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنْ عَمِّهِ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ " سَمِعْت أَبِي يَقُولُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قُتِلَ أَبِي وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا , فَأَتَيْت حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَسْتَعِينُ بِرَأْيِهِ وَأَسْتَشِيرُهُ فَذَكَرَ قِصَّةً وَفِيهَا : فَقَالَ اِبْنُ أَخِي ذَكَرْت دَيْنَ أَبِيك فَإِنْ كَانَ تَرَكَ مِائَةَ أَلْفٍ فَنِصْفُهَا عَلَيَّ , قُلْت أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ , إِلَى أَنْ قَالَ : لِلَّهِ أَنْتَ ! كَمْ تَرَكَ أَبُوك ؟ قَالَ فَذَكَرْت لَهُ أَنَّهُ تَرَكَ أَلْفَيْ أَلْفٍ قَالَ : مَا أَرَادَ أَبُوك إِلَّا أَنْ يَدَعَنَا عَالَةً. قُلْت فَإِنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً وَإِنَّمَا جِئْت أَسْتَشِيرُك فِيهَا بِسَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَلَهُ شِرْكٌ فِي الْغَابَةِ , فَقَالَ : اِذْهَبْ فَقَاسِمْهُ فَإِنْ سَأَلَك الْبَيْعَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَا تَبِعْهُ ثُمَّ أَعْرِضْ عَلَيْهِ فَإِنْ رَغِبَ فَبِعْهُ , قَالَ فَجِئْت فَجَعَلَ أَمْرَ الْقِسْمَةِ إِلَيَّ فَقَسَمْتهَا وَقُلْت : اِشْتَرِ مِنِّي إِنْ شِئْت , فَقَالَ : قَدْ كَانَ لِي دَيْنٌ وَقَدْ أَخَذْتهَا مِنْك بِهِ , قَالَ قُلْت : هِيَ لَك , فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ فَاشْتَرَاهَا كُلَّهَا مِنْهُ بِأَلْفَيْ أَلْفٍ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِإِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْمُعْظَمِ , فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ بَقِيَ مِنْهَا بِغَيْرِ بَيْعٍ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا فَيَكُونُ الْحَاصِلُ مِنْ ثَمَنِهَا إِذْ ذَاكَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا خَاصَّةً فَيَبْقَى مِنْ الدَّيْنِ أَلْفُ أَلْفٍ وَخَمْسُونَ أَلْفًا , وَكَأَنَّهُ بَاعَ بِهَا شَيْئًا مِنْ الدُّورِ , وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي " الْمُسْتَخْرَجِ " مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ " تُوُفِّيَ الزُّبَيْرُ وَتَرَكَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ أَلْفَيْ أَلْفٍ فَضَمِنَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَدَّاهَا , وَلَمْ تَقَعْ فِي التَّرِكَةِ دَارُهُ الَّتِي بِمَكَّةَ وَلَا الَّتِي بِالْكُوفَةِ وَلَا الَّتِي بِمِصْرَ " هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا " فَأَفَادَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ دَارٌ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَقَعْ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا أَوَّلْته , لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ وَدَارَانِ بِالْبَصْرَةِ غَيْرَ مَا ذُكِرَ وَرَوَى أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجِ فِي تَارِيخِهِ " حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي السَّفَرِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ مَكَّةَ فَاسْتَقَرَّ عِنْدَهُ أَيْ ثَبَتَ قَتْلُ الزُّبَيْرِ نَظَرَ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَجَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَقَالَ : إِنَّهُ كَانَ لِي عَلَى أَخِي شَيْءٌ وَلَا أَحْسِبُهُ تَرَكَ بِهِ وَفَاءً أَفَتُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَهُ فِي حِلٍّ ؟ فَقَالَ لَهُ اِبْنُ الزُّبَيْرِ : وَكَمْ هُوَ ؟ قَالَ : أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ قَالَ : فَإِنَّهُ تَرَكَ بِهَا وَفَاءً بِحَمْدِ اللَّهِ ". قَوْلُهُ ( فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ ) أَيْ فِي خِلَافَتِهِ , وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ أَخَّرَ الْقِسْمَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ اِسْتِبْرَاءً لِلدَّيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فَيَكُونُ آخِرُ الْأَرْبَعِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى مُعَاوِيَةَ , فَلَعَلَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْغَابَةِ كَانَ اِبْنُ الزُّبَيْرِ أَخَذَهُ مِنْ حِصَّتِهِ أَوْ مِنْ نَصِيبِ أَوْلَادِهِ , وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ دَارَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ , وَلَا يَمْنَعُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ " فَلَمَّا فَرَغَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ " لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ وِفَادَتِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ كَانَتْ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ , وَمَا اِتَّصَلَ بِهِ مِنْ تَأَخُّرِ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ لِاسْتِبْرَاءِ بَقِيَّةِ مَنْ لَهُ دَيْنٌ , ثُمَّ وَفَدَ بَعْدَ ذَلِكَ , وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ الْمُتَقَدِّمُ وَتَكُونُ وِفَادَتُهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي خِلَافَتِهِ جَزْمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ ( وَقَالَ اِبْنُ زَمَعَةَ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ( قَدْ أَخَذْت سَهْمًا مِائَةَ أَلْفٍ ) هُوَ بِنَصْبِ مِائَةٍ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ قَوْلُهُ ( فَبَاعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ ) أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ ) ( بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ ) أَيْ فَرَبِحَ مِائَتَيْ أَلْفٍ. قَوْلُهُ ( وَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ) أَيْ مَاتَ عَنْهُنَّ , وَهُنَّ أُمُّ خَالِدٍ وَالرَّبَابُ وَزَيْنَبُ الْمَذْكُورَاتُ قَبْلُ , وَعَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدٍ أُخْتُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدِ الْعَشَرَةِ , وَأَمَّا أَسْمَاءُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ فَكَانَ طَلَّقَهُمَا , وَقِيلَ أَعَادَ أَسْمَاءَ وَطَلَّقَ عَاتِكَةَ فَقُتِلَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ فَصُولِحَتْ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ ( وَرَفَعَ الثُّلُثَ ) أَيْ الْمُوصَى بِهِ. قَوْلُهُ ( فَأَصَابَ كُلَّ اِمْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الثَّمَنَ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ أَلْفٍ قَوْلُهُ ( فَجَمِيع مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف ) فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق أَبِي مَسْعُود الرَّاوِي عَنْ أَبِي أُسَامَة أَنَّ مِيرَاث الزُّبَيْر قُسِمَ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفِ أَلْفِ وَمِائَتَيْ أَلْفِ وَنَيِّف , زَادَ عَلَى رِوَايَة إِسْحَاق وَنَيِّف , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِكُلِّ زَوْجَة أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف فَنَصِيب الْأَرْبَع أَرْبَعَة آلَاف أَلْف وَثَمَانمِائَةِ أَلْف وَهَذَا هُوَ الثَّمَن , وَيَرْتَفِع مَنْ ضَرَبَهُ فِي ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ أَلْف أَلْف وَأَرْبَعمِائَةِ أَلْف وَهَذَا الْقَدْر هُوَ الثُّلُثَانِ , فَإِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ الثُّلُث الْمُوصَى بِهِ وَهُوَ قَدْر نِصْف الثُّلُثَيْنِ وَجُمْلَته تِسْعَة عَشَرَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف كَانَ جُمْلَة مَالِهِ عَلَى هَذَا سَبْعَة وَخَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَسِتّمِائَةِ أَلْف. وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ قَدِيمًا اِبْنِ بَطَّال وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ , لَكِنَّهُ وَهَمَ فَقَالَ : وَتِسْعمِائَةِ أَلْف. وَتَعَقَّبَهُ اِبْنُ الْمُنِير فَقَالَ : الصَّوَاب وَسِتّمِائَةِ أَلْف , وَهُوَ كَمَا قَالَ اِبْنِ التِّين : نَقَصَ عَنْ التَّحْرِير سَبْعَة آلَاف أَلْف وَأَرْبَعمِائَةِ أَلْف يَعْنِي خَارِجًا عَنْ قَدْر الدَّيْن , وَهُوَ كَمَا قَالَ , وَهَذَا تَفَاوُت شَدِيد فِي الْحِسَاب , وَقَدْ سَاقَ الْبَلَاذِرِيُّ فِي تَارِيخه هَذَا الْحَدِيث عَنْ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن الْأَسْوَد عَنْ أَبِي أُسَامَة بِسَنَدِهِ فَقَالَ فِيهِ " وَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَة فَأَصَابَ كُلّ اِمْرَأَة مِنْ ثَمَنِ عَقَارَاته أَلْف أَلْف وَمِائَة أَلْف , وَكَانَ الثَّمَن أَرْبَعَة آلَافِ أَلْف وَأَرْبَعمِائَةِ أَلْف , وَكَانَ ثُلُثَا الْمَال الَّذِي اِقْتَسَمَهُ الْوَرَثَة خَمْسَة وَثَلَاثِينَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَيْ أَلْف , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْنُ سَعْد عَنْ أَبِي أُسَامَة , فَعَلَى هَذَا إِذَا اِنْضَمَّ إِلَيْهِ نِصْفه وَهُوَ سَبْعَة عَشَر أَلْف وَأَلْف وَسِتّمِائَةِ أَلْف كَانَ جَمِيع الْمَال اِثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَثَمَانمِائَةِ أَلْف فَيَزِيد عَمَّا وَقَعَ فِي الْحَدِيث أَلْفَيْ أَلْف وَسِتّمِائَةِ أَلْف وَهُوَ أَقْرَب مِنْ الْأَوَّل فَلَعَلَّ الْمُرَاد أَنَّ الْقَدْر الْمَذْكُور وَهُوَ أَنَّ لِكُلِّ زَوْجَة أَلْف أَلْف وَمِائَة أَلْف كَانَ لَوْ قُسِمَ الْمَال كُلّه بِغَيْرِ وَفَاءِ الدَّيْن لَكِنْ خَرَجَ الدَّيْن مِنْ حِصَّة كُلّ أَحَد مِنْهُمْ فَيَكُونُ الَّذِي يُورَث مَا عَدَا ذَلِكَ , وَبِهَذَا التَّقْرِير يَخِفّ الْوَهْم فِي الْحِسَاب وَيَبْقَى التَّفَاوُت أَرْبَعمِائَةِ أَلْف فَقَطْ. لَكِنْ رَوَى اِبْن سَعْد بِسَنَدٍ آخَر ضَعِيف عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ تَرِكَة الزُّبَيْر بَلَغَتْ أَحَدًا أَوْ اِثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَهَذَا أَقْرَب مِنْ الْأَوَّل , لَكِنَّهُ أَيْضًا لَا تَحْرِير فِيهِ , وَكَأَنَّ الْقَوْم أَتَوْا مِنْ عَدَم إِلْقَاء الْبَال لِتَحْرِيرِ الْحِسَاب , إِذْ الْغَرَض فِيهِ ذِكْر الْكَثْرَة الَّتِي نَشَأَتْ عَنْ الْبَرَكَة فِي تَرِكَة الزُّبَيْر إِذْ خَلَفَ دَيْنًا كَثِيرًا وَلَمْ يَخْلُف إِلَّا الْعَقَار الْمَذْكُور , وَمَعَ ذَلِكَ فَبُورِكَ فِيهِ حَتَّى تَحَصَّلَ مِنْهُ هَذَا الْمَال الْعَظِيم. وَقَدْ جَرَتْ لِلْعَرَبِ عَادَة بِإِلْغَاءِ الْكُسُور تَارَة وَجَبْرهَا أُخْرَى فَهَذَا مِنْ ذَاكَ , وَقَدْ وَقَعَ إِلْغَاء الْكُسُور فِي هَذِهِ الْقِصَّة فِي عِدَّة رِوَايَات بِصِفَاتٍ مُخْتَلِفَة , فَفِي رِوَايَة عَلِيّ بْن مُسْهِر عَنْ هِشَام عِنْد أَبِي نُعَيْم " بَلَغَ ثَمَن نِسَاء الزُّبَيْر أَلْف أَلْف , وَتَرَكَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْن أَلْفَيْ أَلْف " وَفِي رِوَايَة عَثَّام بْن عَلِيّ عَنْ هِشَام عِنْد يَعْقُوب بْن سُفْيَان " أَنَّ الزُّبَيْر قَالَ لِابْنِهِ : اُنْظُرْ دَيْنِي وَهُوَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف " وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَام أَنَّ قِيمَة مَا تَرَكَهُ الزُّبَيْر كَانَ خَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَفِي رِوَايَة السِّرَاج أَنَّ جُمْلَة مَا حَصَلَ مِنْ عَقَاره نَيِّفِ وَأَرْبَعُونَ أَلْف أَلْف , وَعِنْد اِبْنِ سَعْد مِنْ حَدِيث اِبْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ مِيرَاثه قُسِمَ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْف أَلْف , وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي النَّوَادِر عَنْ سُفْيَان عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , وَفِي الْمُجَالَسَة لِلدِّينَوَرِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْ أَبِي أُسَامَة أَنَّ الزُّبَيْر تَرَكَ مِنْ الْعُرُوض قِيمَة خَمْسِينَ أَلْف أَلْف , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الرُّوَاة لَمْ يَقْصِدُوا إِلَى التَّحْرِير الْبَالِغ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ حَكَى عِيَاض عَنْ اِبْنِ سَعْد مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ : فَعَلَى هَذَا يَصِحّ قَوْله إِنَّ جَمِيع الْمَال خَمْسُونَ أَلْف أَلْف وَيَبْقَى الْوَهْم فِي قَوْله وَمِائَتَا أَلْف , قَالَ فَإِنَّ الصَّوَاب أَنْ يَقُول مِائَة أَلْف وَاحِدَة , قَالَ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَصْل الْوَهْم فِي لَفْظ مِائَتَا أَلْف حَيْثُ وَقَعَ فِي نَصِيب الزَّوْجَات , وَفِي الْجُمْلَة فَإِنَّمَا الصَّوَاب مِائَة أَلْف وَاحِدَة حَيْثُ وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قُلْت : وَهُوَ غَلَط فَاحِش يُتَعَجَّب مِنْ وُقُوع مِثْله فِيهِ مَعَ تَيَقُّظه لِلْوَهْمِ الَّذِي فِي الْأَصْل وَتَفَرُّغ بَالِهِ لِلْجَمْعِ وَالْقِسْمَة , وَذَلِكَ أَنَّ نَصِيب كُلّ زَوْجَة إِذَا كَانَ أَلْف أَلْف وَمِائَة أَلْف لَا يَصِحّ مَعَهُ أَنْ يَكُون جَمِيع الْمَال خَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَمِائَة أَلْف , بَلْ إِنَّمَا يَصِحّ أَنْ يَكُونُ جَمِيع الْمَال خَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَمِائَة أَلْف إِذَا كَانَ نَصِيب كُلّ زَوْجَة أَلْف أَلْف وَثَلَاثَة وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَسَبْعمِائَةٍ وَخَمْسِينَ عَلَى التَّحْرِير , وَقَرَأْت بِخَطِّ الْقُطْب الْحَلَبِيّ عَنْ الدِّمْيَاطِيّ أَنَّ الْوَهْم إِنَّمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة عِنْد الْبُخَارِيّ فِي قَوْله فِي نَصِيب كُلّ زَوْجَة إِنَّهُ أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف وَأَنَّ الصَّوَاب أَنَّهُ أَلْف أَلْف سَوَاء بِغَيْرِ كَسْر , وَإِذَا اِخْتَصَّ الْوَهْم بِهَذِهِ اللَّفْظَة وَحْدهَا خَرَجَ بَقِيَّة مَا فِيهِ عَلَى الصِّحَّة لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الثَّمَن أَرْبَعَة آلَافِ أَلْف فَيَكُونُ ثَمَنًا مِنْ أَصْل اِثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ , وَإِذَا اِنْضَمَّ إِلَيْهِ الثُّلُث صَارَ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعِينَ , وَإِذَا اِنْضَمَّ إِلَيْهَا الدَّيْن صَارَ الْجَمِيع خَمْسِينَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَيْ أَلْف , فَلَعَلَّ بَعْض رُوَاته لَمَّا وَقَعَ لَهُ ذِكْر مِائَتَا أَلْف عِنْد الْجُمْلَة ذَكَرَهَا عِنْد نَصِيب كُلّ زَوْجَة سَهْوًا , وَهَذَا تَوْجِيه حَسَن , وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى أَبُو نُعَيْم فِي " الْمَعْرِفَة " مِنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَر عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ قَالَ " وَرِثَتْ كُلّ اِمْرَأَة لِلزُّبَيْرِ رُبُع الثَّمَن أَلْف أَلْف دِرْهَم " وَقَدْ وَجَّهَهُ الدِّمْيَاطِيّ أَيْضًا بِأَحْسَن مِنْهُ فَقَالَ مَا حَاصِله : أَنَّ قَوْله فَجَمِيع مَال الزُّبَيْر خَمْسُونَ أَلْف أَلْف وَمِائَتَا أَلْف صَحِيح وَالْمُرَاد بِهِ قِيمَة مَا خَلَفَهُ عِنْد مَوْته , وَأَنَّ الزَّائِد عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ تِسْعَة آلَافِ وَسِتّمِائَةِ أَلْف بِمُقْتَضَى مَا يَحْصُل مِنْ ضَرْب أَلْف أَلْف وَمِائَتَيْ أَلْف وَهُوَ رُبُع الثَّمَن فِي ثَمَانِيَة مَعَ ضَمّ الثُّلُث كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَدْر الدَّيْن حَتَّى يَرْتَفِع مِنْ الْجَمِيع تِسْعَة وَخَمْسُونَ أَلْف أَلْف وَثَمَانمِائَةِ أَلْف حَصَلَ هَذَا الزَّائِد مِنْ نَمَاء الْعَقَار وَالْأَرَاضِي فِي الْمُدَّة الَّتِي أَخَّرَ فِيهَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَسْم التَّرِكَة اِسْتِبْرَاء لِلدَّيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَهَذَا التَّوْجِيه فِي غَايَة الْحُسْن لِعَدَمِ تَكَلُّفه وَتَبْقِيَة الرِّوَايَة الصَّحِيحَة عَلَى وَجْههَا , وَقَدْ تَلَقَّاهُ الْكَرْمَانِيُّ فَذَكَرَ مُلَخَّصًا وَلَمْ يَنْسُبهُ لِقَائِلِهِ وَلَعَلَّهُ مِنْ تَوَارُد الْخَوَاطِر وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ فِي النَّسَب فِي تَرْجَمَة عَاتِكَة وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي " الْمُسْتَدْرَك " أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر صَالَحَ عَاتِكَة بِنْتِ زَيْد عَنْ نَصِيبهَا مِنْ الثَّمَن عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفًا فَقَدْ اِسْتَشْكَلَهُ الدِّمْيَاطِيّ وَقَالَ : بَيْنه وَبَيْن مَا فِي الصَّحِيح بَوْن بَعِيد , وَالْعَجَب مِنْ الزُّبَيْر كَيْفَ مَا تَصَدَّى لِتَحْرِيرِ ذَلِكَ. قُلْت : وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يَكُونَ الْقَدْر الَّذِي صُولِحَتْ بِهِ قَدْر ثُلُثَيْ الْعُشْر مِنْ اِسْتِحْقَاقهَا وَكَانَ ذَلِكَ بِرِضَاهَا , وَرَدَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر بَقِيَّة اِسْتِحْقَاقهَا عَلَى مَنْ صَالَحَهَا لَهُ , وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَصْل الْجُمْلَة , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْوَاقِدِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْنِ أَبِي سَبْرَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قِيمَة مَا تَرَكَ الزُّبَيْر أَحَد وَخَمْسُونَ أَلْف أَلْف فَلَا يُعَارِض مَا تَقَدَّمَ لِعَدَمِ تَحْرِيره , وَقَالَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ قُسِمَ مَال الزُّبَيْر عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْف أَلْف أَخْرَجَهُ اِبْنُ سَعْد , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى إِلْغَاء الْكَسْر. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد نَدْب الْوَصِيَّة عِنْد حُضُور أَمْر يُخْشَى مِنْهُ الْفَوْت , وَأَنَّ لِلْوَصِيِّ تَأْخِير قِسْمَة الْمِيرَاث حَتَّى تُوَفَّى دُيُون الْمَيِّت وَتُنَفَّذ وَصَايَاهُ إِنْ كَانَ لَهُ ثُلُث , وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَبْرِئ أَمْر الدُّيُون وَأَصْحَابهَا قَبْل الْقِسْمَة , وَأَنْ يُؤَخِّرهَا بِحَسَبِ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اِجْتِهَاده , وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّف عَلَى إِجَازَة الْوَرَثَة وَإِلَّا فَمَنْ طَلَبَ الْقِسْمَة بَعْد وَفَاءِ الدَّيْن الَّذِي وَقَعَ الْعِلْم بِهِ وَصَمَّمَ عَلَيْهَا أُجِيبَ إِلَيْهَا وَلَمْ يَتَرَبَّص بِهِ اِنْتِظَار شَيْء مُتَوَهَّم , فَإِذَا ثَبَتَ بَعْد ذَلِكَ شَيْء اُسْتُعِيدَ مِنْهُ , وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ ضَعْف مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّة لِمَالِك حَيْثُ قَالَ : إِنَّ أَجَل الْمَفْقُود أَرْبَع سِنِينَ , وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ اِبْنَ الزُّبَيْر إِنَّمَا اِخْتَارَ التَّأْخِير أَرْبَعَ سِنِينَ لِأَنَّ الْمُدُن الْوَاسِعَة الَّتِي يُؤْتَى الْحِجَاز مِنْ جِهَتهَا إِذْ ذَاكَ كَانَتْ أَرْبَعًا : الْيَمَن وَالْعِرَاق وَالشَّام وَمِصْر , فَبَنَى عَلَى أَنَّ كُلّ قُطْر لَا يَتَأَخَّر أَهْله فِي الْغَالِب عَنْ الْحَجّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَة أَعْوَام فَيَحْسُن اِسْتِيعَابهمْ فِي مُدَّة الْأَرْبَع , وَمِنْهُمْ فِي طُولِ الْمُدَّة يَبْلُغ الْخَبَر مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ الْأَقْطَار. وَقِيلَ لِأَنَّ الْأَرْبَع هِيَ الْغَايَة فِي الْآحَاد بِحَسَبِ مَا يُمْكِن أَنْ يَتَرَكَّب مِنْهُ الْعَشَرَات لِأَنَّ فِيهَا وَاحِدًا وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَمَجْمُوع ذَلِكَ عَشَرَة , وَاخْتَارَ الْمَوْسِم لِأَنَّهُ مَجْمَع النَّاس مِنْ الْآفَاق , وَفِيهِ جَوَاز التَّرَبُّص بِوَفَاءِ الدَّيْن إِذَا لَمْ تَكُنْ التَّرِكَة نَقْدًا وَلَمْ يَخْتَرْ صَاحِبِ الدَّيْن إِلَّا النَّقْد , وَفِيهِ جَوَاز الْوَصِيَّة لِلْأَحْفَادِ إِذَا كَانَ مَنْ يَحْجُبهُمْ مِنْ الْآبَاء مَوْجُودًا , وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِدَانَة لَا تُكْرَه لِمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاء , وَفِيهِ جَوَاز شِرَاء الْوَارِث مِنْ التَّرِكَة , وَأَنَّ الْهِبَة لَا تُمْلَك إِلَّا بِالْقَبْضِ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِج الْمَال عَنْ مِلْك الْأَوَّل لِأَنَّ اِبْنَ جَعْفَر عَرَضَ عَلَى اِبْنِ الزُّبَيْر أَنْ يُحِلّهُمْ مِنْ دَيْنه الَّذِي كَانَ عَلَى الزُّبَيْر فَامْتَنَعَ اِبْنُ الزُّبَيْر. وَفِيهِ بَيَان جُود اِبْنِ جَعْفَر لِسَمَاحَتِهِ بِهَذَا الْمَال الْعَظِيم , وَأَنَّ مَنْ عَرَضَ عَلَى شَخْص أَنْ يَهَبهُ شَيْئًا فَامْتَنَعَ أَنَّ الْوَاهِب لَا يُعَدّ رَاجِعًا فِي هِبَته , وَأَمَّا اِمْتِنَاع اِبْنِ الزُّبَيْر فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ بَقِيَّة الْوَرَثَة وَافَقُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلِمَ أَنَّ غَيْر الْبَالِغِينَ يَنْفُذُونَ لَهُ ذَلِكَ إِذَا بَلَغُوا , وَأَجَابَ اِبْنُ بَطَّال بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْأَمْر الْمَحْكُوم بِهِ عِنْد التَّشَاحّ , وَإِنَّمَا يُؤْمَر بِهِ فِي شَرَفِ النُّفُوس وَمَحَاسِن الْأَخْلَاق ا ه. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ اِبْنَ الزُّبَيْر تَحَمَّلَ بِالدَّيْنِ كُلّه عَلَى ذِمَّته وَالْتَزَمَ وَفَاءَهُ وَرَضِيَ الْبَاقُونَ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ قَرِيبًا , لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَرْضَوْا لَمْ يُفِدْهُمْ تَرْك بَعْض أَصْحَاب الدَّيْن دَيْنه لِنَقْصِ الْمَوْجُود فِي تِلْكَ الْحَالَة عَنْ الْوَفَاء لِظُهُورِ قِلَّته وَعِظَم كَثْرَة الدَّيْن , وَفِيهِ مُبَالَغَة الزُّبَيْر فِي الْإِحْسَان لِأَصْدِقَائِهِ لِأَنَّهُ رَضِيَ أَنْ يَحْفَظ لَهُمْ وَدَائِعهمْ فِي غَيْبَتهمْ , وَيَقُوم بِوَصَايَاهُمْ عَلَى أَوْلَادهمْ بَعْد مَوْتهمْ , وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتَّى اِحْتَاطَ لِأَمْوَالِهِمْ وَدِيعَة أَوْ وَصِيَّة بِأَنْ كَانَ يَتَوَصَّل إِلَى تَصْيِيرهَا فِي ذِمَّته مَعَ عَدَم اِحْتِيَاجه إِلَيْهَا غَالِبًا , وَإِنَّمَا يَنْقُلهَا مِنْ الْيَد لِلذِّمَّةِ مُبَالَغَة فِي حِفْظهَا لَهُمْ. وَفِي قَوْل اِبْنِ بَطَّال الْمُتَقَدِّم كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ " لِيَطِيبَ لَهُ رِبْح ذَلِكَ الْمَال " نَظَرًا لِأَنَّهُ يَتَوَقَّف عَلَى ثُبُوت أَنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّف فِيهِ بِالتِّجَارَةِ وَأَنَّ كَثْرَة مَالِهِ إِنَّمَا زَادَتْ بِالتِّجَارَةِ , وَالَّذِي يَظْهَر خِلَاف ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الَّذِي خَلَفَهُ حَال مَوْته يَفِي بِالدَّيْنِ وَيَزِيد عَلَيْهِ , وَالْوَاقِع أَنَّهُ كَانَ دُون الدُّيُون بِكَثِيرِ إِلَّا أَنَّ اللَّه تَعَالَى بَارَكَ فِيهِ بِأَنْ أَلْقَى فِي قَلْب مَنْ أَرَادَ شِرَاء الْعَقَار الَّذِي خَلَفَهُ الرَّغْبَة فِي شِرَائِهِ حَتَّى زَادَ عَلَى قِيمَته أَضْعَافًا مُضَاعَفَة , ثُمَّ سَرَتْ تِلْكَ الْبَرَكَة إِلَى عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر لِمَا ظَهَرَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق حَتَّى رَبِحَ فِي نَصِيبه مِنْ الْأَرْض مَا أَرْبَحَهُ مُعَاوِيَة. وَفِيهِ أَنْ لَا كَرَاهَة فِي الِاسْتِكْثَار مِنْ الزَّوْجَات وَالْخَدَم. وَقَالَ اِبْنِ الْجَوْزِيّ : فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ كَرِهَ جَمْع الْأَمْوَال الْكَثِيرَة مِنْ جَهَلَة الْمُتَزَهِّدِينَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَام لَا يُنَاسِب مَقَامه مِنْ حَيْثُ كَوْنه لَهَجًا بِالْوَعْظِ , فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْوَاعِظ التَّحْرِيض عَلَى الزُّهْد فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّل مِنْهَا , وَكَوْن مِثْل هَذَا لَا يُكْرَه لِلزُّبَيْرِ وَأَنْظَاره لَا يَطَّرِد. وَفِيهِ بَرَكَة الْعَقَار وَالْأَرْض لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْع الْعَاجِل وَالْآجِل بِغَيْرِ كَثِير تَعَب وَلَا دُخُول فِي مَكْرُوه كَاللَّغْوِ الْوَاقِع فِي الْبَيْع وَالشِّرَاء , وَفِيهِ إِطْلَاق اللَّفْظ الْمُشْتَرَك لِمَنْ يُظَنّ بِهِ مَعْرِفَة الْمُرَاد , وَالِاسْتِفْهَام لِمَنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ , لِأَنَّ الزُّبَيْر قَالَ لِابْنِهِ " اِسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ " وَالْمَوْلَى لَفْظ مُشْتَرَك فَجَوَّزَ اِبْنُ الزُّبَيْر أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بَعْض عُتَقَائِهِ مَثَلًا فَاسْتَفْهَمَهُ فَعَرَفَ حِينَئِذٍ مُرَاده , وَفِيهِ مَنْزِلَة الزُّبَيْر عِنْد نَفْسه , وَأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة كَانَ فِي غَايَة الْوُثُوق بِاللَّهِ وَالْإِقْبَال عَلَيْهِ وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ وَالِاسْتِعَانَة بِهِ , وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي نَفْسه مُحِقًّا مُصِيبًا فِي الْقِتَال وَلِذَلِكَ قَالَ " إِنَّ أَكْبَر هَمّه دَيْنه " وَلَوْ كَانَ يَعْتَقِد أَنَّهُ غَيْر مُصِيب أَوْ أَنَّهُ آثِم بِاجْتِهَادِهِ ذَلِكَ لَكَانَ اِهْتِمَامه بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ أَمْر الْقِتَال أَشَدّ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ اِعْتَمَدَ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِد يُؤْجَر عَلَى اِجْتِهَاده وَلَوْ أَخْطَأَ. وَفِيهِ شِدَّة أَمْر الدَّيْن , لِأَنَّ مِثْل الزُّبَيْر مَعَ مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ السَّوَابِق وَثَبَتَ لَهُ مِنْ الْمَنَاقِب رَهِبَ مِنْ وُجُوه مُطَالَبَة مَنْ لَهُ فِي جِهَته حَقّ بَعْد الْمَوْت. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال التَّجَوُّز فِي كَثِير مِنْ الْكَلَام كَمَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي قَوْله " أَرْبَع سِنِينَ فِي الْمَوَاسِم " لِأَنَّهُ إِنَّ عَدَّ مَوْسِم سَنَة سِتّ وَثَلَاثِينَ فَلَمْ يُؤَخِّر ذَلِكَ إِلَّا ثَلَاث سِنِينَ وَنِصْفًا , وَإِنْ لَمْ يَعُدّهُ فَقَدْ أَخَّرَ ذَلِكَ أَرْبَع سِنِينَ وَنِصْفًا , فَفِيهِ إِلْغَاء الْكَسْر أَوْ جَبْره. وَفِيهِ قُوَّة نَفْسِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر لِعَدَمِ قَبُوله مَا سَأَلَهُ حَكِيم بْن حِزَام مِنْ الْمُعَاوَنَة , وَمَا سَأَلَهُ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر مِنْ الْمُحَالَة.
قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَأَنْتُمْ تَقْرَءُونَهَا {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَإِنَّ أَعْيَانَ بَنِي الأُمِّ لَيَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلاَّتِ .
خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءَ فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامَ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ فَقَامَ رَجُلاَنِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ…
" اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأَرْضَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ . فَقَالَ الَّذِي شَرَى الأَرْضَ إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا - قَالَ - فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ أَلَكُمَا وَل…
بَيْنَمَا امْرَأَةٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا إِذْ مَرَّ بِهَا فَارِسٌ مُتَكَبِّرٌ عَلَيْهِ شَارَةٌ حَسَنَةٌ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْ ابْنِي هَذَا حَتَّى أَرَاهُ مِثْلَ هَذَا الْفَارِسِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْفَرَسِ قَالَ فَتَرَكَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَ هَذَا الْفَارِسِ قَالَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الثَّدْيِ يَرْضَعُ ثُمَّ مَرُّوا بِجِيفَةٍ…
إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا هُوَ نَارٌ فَلَا يَأْخُذْهُ
