📚 التخريج و شرح الألفاظ
أخرجه مسلم في أوائل كتاب اللقطة رقم 1723 (عرفها) من التعريف أي بينها للناس كأن ينادي في المجتمعات من ضاع له شيء فليطلبه عندي. (حولا) سنة حسب عادة الناس وعرفهم في مثل هذه الأمور. (وكاءها) الخيط الذي يربط به رأس الصرة أو الكيس. (فإن جاء صاحبها) فارددها إليه. (وإلا) وإن لم يجيء صاحبها. (فاستمتع بها) انتفع بها بعد أن تتملكها على أن ترد قيمتها لصاحبها إن جاء بعد. (فلقيته) أي لقي شعبة سلمة بن كهيل
💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا آدَم حَدَّثَنَا شُعْبَة , وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا غُنْدَر حَدَّثَنَا شُعْبَة ) هَكَذَا سَاقَهُ عَالِيًا وَنَازِلًا , وَالسِّيَاق لِلْإِسْنَادِ النَّازِلِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ آدَم مُطَوَّلًا. قَوْله : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا ) فِي رِوَايَةِ حَمَّاد بْن سَلَمَة وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَزَيْد بْن أُنَيْسَة عِنْد مُسْلِم وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ حَمَّاد كُلّهمْ عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " فَإِنْ جَاءَ أَحَد يُخْبِرُك بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ " لَفْظ مُسْلِم. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي دَاوُد : إِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ زَادَهَا حَمَّاد بْن سَلَمَة وَهِيَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ فَتَمَسَّكَ بِهَا مَنْ حَاوَلَ تَضْعِيفهَا فَلَمْ يَصْعُبْ , بَلْ هِيَ صَحِيحَة , وَقَدْ عَرَفْت مَنْ وَافَقَ حَمَّادًا عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ شَاذَّة. وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهَا مَالِك وَأَحْمَد , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : إِنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ جَازَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ , وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَة , لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتهَا , وَهِيَ فَائِدَة قَوْله : " اِعْرِفْ عِفَاصهَا إِلَخْ " وَإِلَّا فَالِاحْتِيَاط مَعَ مَنْ لَمْ يَرَ الرَّدَّ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ , قَالَ : وَيُتَأَوَّلُ قَوْله : " اِعْرِفْ عِفَاصهَا " عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِمَالِهِ. أَوْ لِتَكُونَ الدَّعْوَى فِيهَا مَعْلُومَة. وَذَكَرَ غَيْره مِنْ فَوَائِد ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَعْرِفَ صِدْق الْمُدَّعِي مِنْ كَذِبِهِ , وَأَنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى حِفْظِ الْوِعَاءِ وَغَيْره لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِإِلْقَائِهِ إِذَا أُخِذَتْ النَّفَقَة , وَأَنَّهُ إِذَا نَبَّهَ عَلَى حِفْظِ الْوِعَاءِ كَانَ فِيهِ تَنْبِيه عَلَى حِفْظِ الْمَالِ مِنْ بَاب الْأَوْلَى. قُلْت : قَدْ صَحَّت هَذِهِ الزِّيَادَة فَتَعَيَّنَ الْمَصِير إِلَيْهَا , وَسَيَأْتِي أَيْضًا فِي حَدِيثِ زَيْد بْن خَالِد فِي آخِر أَبْوَاب اللُّقَطَةِ , وَمَا اِعْتَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إِذَا وَصَفَهَا فَأَصَابَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ فَجَاءَ شَخْصٌ آخَرُ فَوَصَفَهَا فَأَصَابَ لَا يَقْتَضِي الطَّعْنَ فِي الزِّيَادَةِ , فَإِنَّهُ يَصِيرُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ فَجَاءَ آخَر فَأَقَامَ بَيِّنَة أُخْرَى أَنَّهَا لَهُ , وَفِي ذَلِكَ تَفَاصِيل لِلْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرهمْ. وَقَالَ بَعْض مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّة : يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ وُجُوب الدَّفْع لِمَنْ أَصَابَ الْوَصْفَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ. لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَالٌ ضَائِعٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ ثَانٍ , بِخِلَاف مَا بَعْدَ التَّمَلُّكِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ الْمُدَّعِي إِلَى الْبَيِّنَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي " ثُمَّ قَالَ : أَمَّا إِذَا صَحَّْت الزِّيَادَة فَتَخُصُّ صُورَة الْمُلْتَقَط مِنْ عُمُوم " الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي " وَاللَّه أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ : " اِحْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا " الْوِعَاء بِالْمَدِّ وَبِكَسْرِ الْوَاوِ وَقَدْ تُضَمُّ , وَقَرَأَ بِهَا الْحَسَن فِي قَوْلِهِ : " قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ " وَقَرَأَ سَعِيد بْن جُبَيْر " إِعَاء " بِقَلْب الْوَاو الْمَكْسُورَة هَمْزَة. وَالْوِعَاءُ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الشَّيْء سَوَاء كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَزَفٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْر ذَلِكَ. وَالْوِكَاءُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ الْخَيْط الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الصُّرَّة وَغَيْرهَا. وَزَادَ فِي حَدِيثِ زَيْد بْن خَالِد " الْعِفَاص " وَسَيَأْتِي ذِكْره وَشَرْحه وَحُكْم هَذِهِ الْعَلَامَاتِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. قَوْله : ( فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ ) الْقَائِل شُعْبَة وَالَّذِي قَالَ : " لَا أَدْرِي " هُوَ شَيْخُهُ سَلَمَة بْن كُهَيْل , وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة بَهْز بْن أَسَدٍ عَنْ شُعْبَة أَخْبَرَنِي سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ وَاخْتَصَرَ الْحَدِيثَ , قَالَ شُعْبَة : فَسَمِعْته بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ يَقُولُ : " عَرِّفْهَا عَامًا وَاحِدًا ". وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا فَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ " قَالَ شُعْبَة فَلَقِيتُ سَلَمَة بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَا أَدْرِي ثَلَاثَة أَحْوَال أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا ". وَأَغْرَبَ اِبْن بَطَّالٍ فَقَالَ : الَّذِي شَكَّ فِيهِ هُوَ أُبَيّ بْن كَعْب , وَالْقَائِل هُوَ سُوَيْد بْن غَفَلَة اِنْتَهَى. وَلَمْ يُصِبْ فِي ذَلِكَ وَإِنْ تَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمُنْذِرِيّ , بَلْ الشَّكّ فِيهِ مِنْ أَحَدِ رُوَاته وَهُوَ سَلَمَة لِمَا اِسْتَثْبَتَهُ فِيهِ شُعْبَة , وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر شُعْبَة عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ بِغَيْرِ شَكّ جَمَاعَة , وَفِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ , وَأَخْرَجَهَا مُسْلِم مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش وَالثَّوْرِيّ وَزَيْد بْن أَبِي أُنَيْسَة وَحَمَّاد بْن سَلَمَة كُلّهمْ عَنْ سَلَمَة وَقَالَ : قَالُوا فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا ثَلَاثَة أَحْوَال إِلَّا حَمَّاد بْن سَلَمَة فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة. وَجَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن حَدِيث أُبَيّ هَذَا وَحَدِيث زَيْد بْن خَالِد الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ : يُحْمَلُ حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب عَلَى مَزِيد الْوَرَعِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي اللُّقَطَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّعَفُّفِ عَنْهَا , وَحَدِيث زَيْد عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ , أَوْ لِاحْتِيَاجِ الْأَعْرَابِيِّ وَاسْتِغْنَاءِ أُبَيّ. قَالَ الْمُنْذِرِيّ : لَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَنَّ اللُّقَطَةَ تُعَرَّفُ ثَلَاثَة أَعْوَام , إِلَّا شَيْء جَاءَ عَنْ عُمَر اِنْتَهَى. وَقَدْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ شَوَاذَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ. وَحَكَى بْن الْمُنْذِر عَنْ عُمَرَ أَرْبَعَة أَقْوَال : يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَحْوَال , عَامًا وَاحِدًا ثَلَاثَة أَشْهُر , ثَلَاثَة أَيَّام. وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى عِظَم اللُّقَطَة وَحَقَارَتهَا. وَزَادَ اِبْن حَزْمٍ عَنْ عُمَر قَوْلًا خَامِسًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُر. وَجَزَمَ اِبْن حَزْم وَابْن الْجَوْزِيّ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ غَلَط. قَالَ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ سَلَمَة أَخْطَأَ فِيهَا ثُمَّ تَثَبَّتَ وَاسْتَذْكَرَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى عَامٍ وَاحِدٍ , وَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا بِمَا لَمْ يَشُكَّ فِيهِ رَاوِيهِ. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيِّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ أَنَّ تَعْرِيفَهَا لَمْ يَقَعْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي , فَأَمَرَ أُبَيًّا بِإِعَادَةِ التَّعْرِيفِ كَمَا قَالَ لِلْمُسِيءِ صِلَاتَهُ " اِرْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ " اِنْتَهَى. وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا عَلَى مِثْلِ أُبَيّ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ فُقَهَاء الصَّحَابَة وَفُضَلَائِهِمْ. وَقَدْ حَكَى صَاحِب الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَة عِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ فِي التَّعْرِيفِ مُفَوَّضٌ لِأَمْر الْمُلْتَقِط , فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ , وَاللَّه أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أُبَيّ بْن كَعْب فِي أَوَاخِر أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.