💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( وَكَانَ ) أَيْ بَيْع حَبَل الْحَبَلَة ( بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ إِلَخْ ) كَذَا وَقَعَ هَذَا التَّفْسِير فِي الْمُوَطَّأِ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهُوَ مُدْرَجٌ يَعْنِي أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِ نَافِع , وَكَذَا ذَكَرَ الْخَطِيب فِي الْمُدْرَجِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ السَّلَمِ عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِيّ عَنْ جُوَيْرِيَة التَّصْرِيحُ بِأَنَّ نَافِعًا هُوَ الَّذِي فَسَّرَهُ , لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْن نَافِعٍ فَسَرَّهُ لِجُوَيْرِيَة أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ مِمَّا حَمَلَهُ عَنْ مَوْلَاهُ اِبْن عُمَر , فَسَيَأْتِي فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر عَنْ نَافِعِ بْن عُمَر قَالَ " كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْم الْجَزُور إِلَى حَبَل الْحَبَلَة , وَحَبَل الْحَبَلَة أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي نَتَجَتْ , فَنَهَاهُمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ " فَظَاهِر هَذَا السِّيَاق أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِ اِبْن عُمَر وَلِهَذَا جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ اِبْن عُمَر , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اللَّيْث وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ بِدُونِ التَّفْسِيرِ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عُمَر بِدُونِ التَّفْسِيرِ أَيْضًا. قَوْله : ( الْجَزُور ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّ الزَّايِ هُوَ الْبَعِيرُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى , إِلَّا أَنَّ لَفْظَهُ مُؤَنَّثٌ تَقُولُ هَذِهِ الْجَزُور وَإِنْ أَرَدْت ذَكَرًا , فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ قَيْدًا فِيمَا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ فَلَا يَتَبَايَعُونَ هَذَا الْبَيْع إِلَّا فِي الْجَزُورِ أَوْ لَحْم الْجَزُور , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ , وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَزُورِ وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ. قَوْله : ( إِلَى أَنْ تُنْتَجَ ) بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح ثَالِثه أَيْ تَلِدَ وَلَدًا وَالنَّاقَةُ فَاعِل , وَهَذَا الْفِعْل وَقَع فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى صِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُسْنَدِ إِلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ حَرْفٌ نَادِرٌ , وَقَوْله " ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا " أَيْ ثُمَّ تَعِيشُ الْمَوْلُودَةُ حَتَّى تَكْبُرَ ثُمَّ تَلِدَ , وَهَذَا الْقَدْر زَائِد عَلَى رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عُمَر فَإِنَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ " ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا " وَرِوَايَة جُوَيْرِيَة أَخْصَرُ مِنْهُمَا وَلَفْظُهُ " أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَة مَا فِي بَطْنِهَا " وَبِظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ مَالِك , وَقَالَ بِهِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة , وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنٍ إِلَى أَنْ يَلِدَ وَلَدُ النَّاقَةِ , وَقَالَ بَعْضهمْ : أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنٍ إِلَى أَنْ تَحْمِلَ الدَّابَّةُ وَتَلِدَ وَيَحْمِلَ وَلَدهَا , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو إِسْحَاق فِي " التَّنْبِيهِ " فَلَمْ يَشْتَرِطْ وَضْعَ حَمْل الْوَلَد كَرِوَايَةِ مَالِك , وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِمَا اِقْتَضَتْهُ رِوَايَة جُوَيْرِيَة وَهُوَ الْوَضْعُ فَقَطْ , وَهُوَ فِي الْحُكْمِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ , وَالْمَنْع فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ لِلْجَهَالَةِ فِي الْأَجَلِ وَمِنْ حَقِّهِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَنْ يُذْكَرَ فِي السَّلَمِ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو عُبَيْد وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْن حَبِيب الْمَالِكِيّ وَأَكْثَر أَهْل اللُّغَةِ وَبِهِ جَزَمَ التِّرْمِذِيّ : هُوَ بَيْعُ وَلَد نِتَاج الدَّابَّةِ , وَالْمَنْعُ فِي هَذَا مِنْ جِهَة أَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ وَمَجْهُولٌ وَغَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَيَدْخُلُ فِي بُيُوع الْغَرَر , وَلِذَلِكَ صَدَّرَ الْبُخَارِيّ بِذِكْر الْغَرَر فِي التَّرْجَمَةِ لَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ بِإِيرَادِ الْحَدِيثِ فِي كِتَاب السَّلَم أَيْضًا وَرَجَّحَ الْأَوَّل لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ كَلَام أَهْلِ اللُّغَةِ مُوَافِقًا لِلثَّانِي , لَكِنْ قَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ اِبْن إِسْحَاق عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر مَا يُوَافِقُ الثَّانِيَ وَلَفْظه " نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْع الْغَرَر قَالَ : إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَتَبَايَعُونَ ذَلِكَ الْبَيْع يَبْتَاعُ الرَّجُلُ بِالشَّارِفِ حَبَل الْحَبَلَة فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ " وَقَالَ اِبْن التِّينِ : مُحَصَّل الْخِلَاف هَلْ الْمُرَادُ الْبَيْع إِلَى أَجَلٍ أَوْ بَيْع الْجَنِين ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ وِلَادَة الْأُمِّ أَوْ وِلَادَة وَلَدِهَا ؟ وَعَلَى الثَّانِي هَلْ الْمُرَادُ بَيْع الْجَنِين الْأَوَّل أَوْ بَيْع جَنِين الْجَنِين ؟ فَصَارَتْ أَرْبَعَة أَقْوَالٍ اِنْتَهَى. وَحَكَى صَاحِب " الْمُحْكَمِ " قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ بَيْع مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ , وَهُوَ أَيْضًا مِنْ بُيُوع الْغَرَر , لَكِنْ هَذَا إِنَّمَا فَسَّرَ بِهِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب - كَمَا رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ - بَيْعَ الْمَضَامِين , وَفَسَّرَ بِهِ غَيْرُهُ بَيْعَ الْمَلَاقِيحِ , وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الْأَقْوَال - عَلَى اِخْتِلَافِهَا - عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبَلَةِ جَمْع حَابِل أَوْ حَابِلَة مِنْ الْحَيَوَانِ , إِلَّا مَا حَكَاهُ صَاحِب " الْمُحْكَمِ " وَغَيْره عَنْ اِبْن كَيْسَانَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبَلَةِ الْكَرْمَة , وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ حَبَلِهَا أَيْ حَمْلهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ كَمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُزْهَى , وَعَلَى هَذَا فَالْحَبْلَة بِإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا ثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ , لَكِنْ حُكِيَ فِي الْكَرْمَةِ فَتْحُ الْبَاءِ , وَادَّعَى السُّهَيْلِيّ تَفَرُّد اِبْن كَيْسَانَ بِهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَكَاهُ اِبْن السِّكِّيت فِي " كِتَابِ الْأَلْفَاظِ " وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيّ فِي " الْمُفْهِمِ " عَنْ أَبِي الْعَبَّاس الْمُبَرِّد , وَالْهَاء عَلَى هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ وَجْهًا وَاحِدًا.