💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنِي خَالِد هُوَ اِبْن الْحَارِث ) كَذَا فِي الْأَصْل , وَبَيَان اِسْم أَبِيهِ مِنْ الْمُصَنِّف , كَأَنَّ شَيْخَهُ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِد فَقَطْ فَأَرَادَ بِالْبَيَانِ رَفْعَ الْإِبْهَامِ لَاشْتَرَاك مَنْ يُسَمَّى خَالِدًا فِي الرِّوَايَة عَنْ حُمَيْدٍ مِمَّنْ يُمْكِنُ مُحَمَّد بْن الْمَثْنَى أَنْ يُرْوَى عَنْهُ , وَلَمْ يَطَّرِدْ لِلْمُصَنِّفِ هَذَا فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَقَع لَهُ وَلِمَشَايِخِهِ مِثْلُ هَذَا الْإِبْهَامِ وَلَا يَعْتَنِي بِبَيَانِهِ. وَرِجَالُ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيث كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ. قَوْله : ( دَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمّ سُلَيْمٍ ) هِيَ وَالِدَةُ أَنَسٍ الْمَذْكُور , وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيق حَمَّادٍ عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمّ حَرَامٍ " وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ , لَكِنْ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا مَعًا كَانَتَا مُجْتَمَعَتَيْنِ. قَوْله : ( فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ ) أَيْ عَلَى سَبِيل الضِّيَافَةِ , وَفِي قَوْله " أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ " مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ ذَائِبًا , وَلَيْسَ بِلَازِمٍ. قَوْله : ( ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْت فَصَلَّى غَيْر الْمَكْتُوبَة ) فِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ اِبْن أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حُمَيْدٍ " فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ " وَكَأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة غَيْرُ الْقِصَّةِ الْمَاضِيَة فِي أَبْوَاب الصَّلَاة الَّتِي صَلَّى فِيهَا عَلَى الْحَصِير وَأَقَامَ أَنَسًا خَلْفَهُ وَأُمَّ سُلَيْمٍ مِنْ وَرَائِهِ , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد أَحْمَد فِي رِوَايَة ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ - وَهُوَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْن الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِت - نَحْوه , ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَأَقَامَ أُمَّ حَرَامٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا وَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينه " وَيَحْتَمِل التَّعَدُّدَ لِأَنَّ الْقِصَّة الْمَاضِيَة لَا ذِكْرَ فِيهَا لِأُمِّ حَرَامٍ , وَيَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ أَيْضًا أَنَّهُ هُنَا لَمْ يَأْكُلْ وَهُنَاكَ أَكَلَ. قَوْله : ( إِنَّ لِي خُوَيْصَّة ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَبِتَخْفِيفِهَا تَصْغِير خَاصَّة , وَهُوَ مِمَّا اُغْتُفِرَ فِيهِ اِلْتِقَاءُ السَّاكِنَيْنِ. وَقَوْله " خَادِمك أَنَس " هُوَ عَطْف بَيَان أَوْ بَدَل وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره أَطْلُبُ مِنْك الدُّعَاء لَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ثَابِت الْمَذْكُورَة عِنْد أَحْمَد " إِنَّ لِي خُوَيْصَّة خُوَيْدِمك أَنَس اُدْعُ اللَّه لَهُ ". قَوْله : ( خَيْر آخِرَة ) أَيْ خَيْرًا مِنْ خَيْرَات الْآخِرَةِ. قَوْله : ( إِلَّا دَعَا لِي بِهِ : اللَّهُمَّ اُرْزُقْهُ مَالًا ) كَذَا فِي الْأَصْل , وَعِنْد أَحْمَد مِنْ رِوَايَة عُبَيْدَة بْن حُمَيْدٍ عَنْ حُمَيْدٍ " إِلَّا دَعَا لِي بِهِ , وَكَانَ مِنْ قَوْله : اللَّهُمَّ " إِلَخْ. قَوْله : ( وَبَارِكْ لَهُ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ " وَقَوْله " فِيهِ " بِالْإِفْرَادِ نَظَرًا إِلَى اللَّفْظ , وَلِأَحْمَدَ " فِيهِمْ " نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى , وَيَأْتِي فِي الدَّعَوَات مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ أَنَس " وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْته " وَفِي رِوَايَة ثَابِت عِنْد مُسْلِم " فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْر , وَكَانَ آخِرُ مَا دَعَا لِي أَنْ قَالَ : اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ " وَلَمْ يَقَع فِي هَذِهِ الرِّوَايَة التَّصْرِيحُ بِمَا دَعَا لَهُ مِنْ خَيْر الْآخِرَةِ لِأَنَّ الْمَال وَالْوَلَد مِنْ خَيْر الدُّنْيَا , وَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة اِخْتَصَرَهُ. وَوَقَعَ لِمُسْلِمِ فِي رِوَايَة الْجَعْد عَنْ أَنَس " فَدَعَا لِي بِثَلَاثِ دَعَوَات قَدْ رَأَيْت مِنْهَا اِثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَة فِي الْآخِرَة " وَلَمْ يُبَيِّنهَا , وَهِيَ الْمَغْفِرَة كَمَا بَيَّنَهَا سِنَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بِزِيَادَةٍ , وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ اِبْن سَعْد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ عَنْ أَنَس قَالَ " اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَطِلْ عُمُرَهُ وَاغْفِرْ ذَنْبه ". قَوْله : ( فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَر الْأَنْصَار مَالًا ) زَادَ أَحْمَد فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيٍّ " وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً غَيْرَ خَاتَمه " يَعْنِي أَنَّ مَاله كَانَ مِنْ النَّقْدَيْنِ , وَفِي رِوَايَة ثَابِت عِنْد أَحْمَد " قَالَ أَنَسٌ : وَمَا أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَكْثَرَ مِنِّي مَالًا , قَالَ : يَا ثَابِتُ وَمَا أَمْلِكُ صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا خَاتَمِي " وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي خَلَدَةَ " قَالَ أَبُو الْعَالِيَة : كَانَ لِأَنَسٍ بُسْتَانٌ يَحْمِل فِي السَّنَة مَرَّتَيْنِ , وَكَانَ فِيهِ رَيْحَان يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ " وَلِأَبِي نُعَيْم فِي " الْحِلْيَة " مِنْ طَرِيق حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ عَنْ أَنَس قَالَ " وَإِنَّ أَرْضِي لَتُثْمِر فِي السَّنَة مَرَّتَيْنِ , وَمَا فِي الْبَلَدِ شَيْءٌ يُثْمِرُ مَرَّتَيْنِ غَيْرهَا ". قَوْله : ( وَحَدَّثَتْنِي اِبْنَتِي أُمَيْنَة ) بِالنُّونِ تَصْغِيرُ آمِنَةٍ ( أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي ) أَيْ مِنْ وَلَدِهِ دُونَ أَسْبَاطِهِ وَأَحْفَادِهِ. قَوْله : ( مَقْدَمَ الْحَجَّاجِ الْبَصْرَةَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ مِنْ أَوَّلِ مَا مَاتَ لِي مِنْ الْأَوْلَادِ إِلَى أَنْ قَدِمَهَا الْحَجَّاجُ. وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيٍّ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظه " وَذَكَرَ أَنَّ اِبْنَتَهُ الْكُبْرَى أُمَيْنَة أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِهِ إِلَى مَقْدَمِ الْحَجَّاج , وَكَانَ قُدُومُ الْحَجَّاج الْبَصْرَةَ سَنَة خَمْس وَسَبْعِينَ وَعُمُرُ أَنَسٍ حِينَئِذٍ نَيِّفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً , وَقَدْ عَاشَ أَنَس بَعْد ذَلِكَ إِلَى سَنَة ثَلَاث وَيُقَالُ اِثْنَتَيْنِ وَيُقَال إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَقَدْ قَارَبَ الْمِائَةَ. قَوْله : ( بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ ) فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي عَدِيٍّ " نَيِّف عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَة " وَفِي رِوَايَة الْأَنْصَارِيّ عَنْ حُمَيْدٍ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِل " تِسْع وَعِشْرُونَ وَمِائَة " وَهُوَ عِنْد الْخَطِيب فِي رِوَايَة الْآبَاءِ عَنْ الْأَبْنَاء مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ " ثَلَاث وَعِشْرُونَ وَمِائَة " وَفِي رِوَايَة حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ " وَلَقَدْ دَفَنْت مِنْ صُلْبِي سِوَى وَلَدِ وَلَدِي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَمِائَةً " وَفِي " الْحِلْيَة " أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس قَالَ " دَفَنْت مِائَةً لَا سِقْطًا وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ " وَلَعَلَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ سَبَبُ الْعُدُولِ إِلَى الْبِضْعِ وَالنَّيِّفِ , وَفِي ذِكْر هَذَا دَلَالَة عَلَى كَثْرَةِ مَا جَاءَهُ مِنْ الْوَلَدِ فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ الَّذِي مَاتَ مِنْهُمْ , وَأَمَّا الَّذِينَ بَقُوا فَفِي رِوَايَة إِسْحَاق اِبْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس عِنْد مُسْلِمٍ " وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَد وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ ". وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِد غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ التَّصْغِيرِ عَلَى مَعْنَى التَّلَطُّفِ لَا التَّحْقِير , وَتُحْفَةُ الزَّائِرِ بِمَا حَضَرَ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ , وَجَوَازُ رَدِّ الْهَدِيَّة إِذَا لَمْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُهْدِي , وَأَنَّ أَخْذَ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَهُ لَيْسَ مِنْ الْعَوْدِ فِي الْهِبَة. وَفِيهِ حِفْظُ الطَّعَام وَتَرْكُ التَّفْرِيطِ فِيهِ , وَجَبْر خَاطِر الْمُزَوِّر إِذَا لَمْ يُؤْكَل عِنْده بِالدُّعَاءِ لَهُ , وَمَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء عَقِبَ الصَّلَاةِ , وَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ أَمَام طَلَبِ الْحَاجَةِ , وَالدُّعَاء بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَالدُّعَاء بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْخَيْرَ الْأُخْرَوِيَّ , وَإِنْ فَضْل التَّقَلُّلِ مِنْ الدُّنْيَا يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاص. وَفِيهِ زِيَارَة الْإِمَام بَعْضَ رَعِيَّتِهِ , وَدُخُولُ بَيْت الرَّجُل فِي غَيْبَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي طُرُق هَذِهِ الْقِصَّة إِنَّ أَبَا طَلْحَة كَانَ حَاضِرًا. وَفِيهِ إِيثَارُ الْوَلَدِ عَلَى النَّفْسِ , وَحُسْنَ التَّلَطُّفِ فِي السُّؤَال , وَأَنَّ كَثْرَة الْمَوْت فِي الْأَوْلَاد لَا يُنَافِي إِجَابَة الدُّعَاء بِطَلَبِ كَثْرَتهمْ وَلَا طَلَب الْبَرَكَة فِيهِمْ لِمَا يَحْصُل مِنْ الْمُصِيبَة بِمَوْتِهِمْ وَالصَّبْر عَلَى ذَلِكَ مِنْ الثَّوَاب. وَفِيهِ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ اللَّه تَعَالَى , وَبِمُعْجِزَاتِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِي إِجَابَة دَعْوَتِهِ مِنْ الْأَمْرِ النَّادِر وَهُوَ اِجْتِمَاع كَثْرَة الْمَال مَعَ كَثْرَة الْوَلَد , وَكَوْن بُسْتَان الْمَدْعُوّ لَهُ صَارَ يُثْمِر مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَة دُون غَيْره. وَفِيهِ التَّأْرِيخُ بِالْأَمْرِ الشَّهِير , وَلَا يَتَوَقَّف ذَلِكَ عَلَى صَلَاح الْمُؤَرِّخ بِهِ , وَفِيهِ جَوَاز ذِكْر الْبُضْع فِيمَا زَادَ عَلَى عَقْدِ الْعُشْر خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْعِشْرِينَ. قَوْله : ( قَالَ اِبْن أَبِي مَرْيَم ) هُوَ سَعِيد , وَفَائِدَة ذِكْر هَذِهِ الطَّرِيق بَيَانُ سَمَاعِ حُمَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ أَنَسٍ لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ حُمَيْدًا كَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ عَنْ أَنَس , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ " حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم " فَيَكُون مَوْصُولًا.