💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ اِبْن سَعْد الْأَنْصَارِيّ وَفِي إِسْنَاده هَذَا أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة : يَحْيَى وَعَبْد الرَّحْمَن تَابِعِيَّانِ صَغِيرَانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ , وَفَوْقَهُمَا قَلِيلًا مُحَمَّدُ بْن جَعْفَر , وَأَمَّا اِبْن عَمِّهِ عَبَّادٌ فَمِنْ أَوَاسِط التَّابِعِينَ. قَوْله : ( إِنَّ رَجُلًا ) قِيلَ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيّ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْله : ( إِنَّهُ اِحْتَرَقَ ) ) سَيَأْتِي فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ " هَلَكْت " وَرِوَايَة الِاحْتِرَاق تُفَسِّر رِوَايَة الْهَلَاك , وَكَأَنَّهُ لَمَّا اِعْتَقَدَ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْإِثْمِ يُعَذَّبُ بِالنَّارِ أَطْلَقَ عَلَى نَفْسه أَنَّهُ اِحْتَرَقَ لِذَلِكَ , وَقَدْ أَثْبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْوَصْف فَقَالَ " أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ " إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ لَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا كَمَا سَيَأْتِي. قَوْله : ( تَصَدَّقْ بِهَذَا ) هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا , وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم وَفِيهِ " قَالَ أَصَبْت أَهْلِي , قَالَ تَصَدَّقْ , قَالَ وَاَللَّهِ مَا لِي شَيْءٌ , قَالَ اِجْلِسْ فَجَلَسَ , فَأَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوق حِمَارًا عَلَيْهِ طَعَام , فَقَالَ أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا ؟ فَقَامَ الرَّجُل , فَقَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا. فَقَالَ أَعْلَى غَيْرِنَا ؟ فَوَاَللَّهِ إِنَّا لَجِيَاعٌ. قَالَ كُلُوهُ " وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ حَيْثُ جَزَمَ فِي كَفَّارَة الْجِمَاع فِي رَمَضَان بِالْإِطْعَامِ دُون غَيْره مِنْ الصِّيَامِ وَالْعِتْقِ , وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ وَقَدْ حَفِظَهَا أَبُو هُرَيْرَة وَقَصَّهَا عَلَى وَجْهِهَا وَأَوْرَدَتْهَا عَائِشَةُ مُخْتَصَرَةً , أَشَارَ إِلَى هَذَا الْجَوَابِ الطَّحَاوِيُّ , وَالظَّاهِر أَنَّ الِاخْتِصَار مِنْ بَعْض الرُّوَاة , فَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر بِهَذَا الْإِسْنَاد مُفَسَّرًا وَلَفْظه " كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي ظِلّ فَارِعٍ - يَعْنِي بِالْفَاءِ وَالْمُهْمَلَة - فَجَاءَهُ رَجُل مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ فَقَالَ : اِحْتَرَقْت , وَقَعْت بِامْرَأَتِي فِي رَمَضَان. قَالَ أَعْتِقْ رَقَبَة , قَالَ لَا أَجِدُهَا , قَالَ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكَيْنَا , قَالَ لَيْسَ عِنْدِي " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ , أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ , وَسَاقَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخه وَمِنْ طَرِيقه الْبَيْهَقِيُّ , وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَيْضًا ذِكْرُ صِيَامِ شَهْرَيْنِ , وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ. ( تَنْبِيهٌ ) : اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي ذَلِكَ , فَالْمَشْهُور مَا تَقَدَّمَ , وَعَنْهُ يُكَفِّرُ فِي الْأَكْل بِالتَّخْيِيرِ وَفِي الْجِمَاع بِالْإِطْعَامِ فَقَطْ , وَعَنْهُ التَّخْيِير مُطْلَقًا , وَقِيلَ يُرَاعَى زَمَانُ الْخَصْبِ وَالْجَدْبِ , وَقِيلَ يُعْتَبَرُ حَالَةُ الْمُكَفِّرِ , وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.