💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ إِبْرَاهِيم ) كَذَا فِي جَمِيع الْمُوَطَّآت , وَأَغْرَبَ يَحْيَى بْن يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيّ فَأَدْخَلَ بَيْن زَيْد وَإِبْرَاهِيم نَافِعًا. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَذَلِكَ مَعْدُود مِنْ خَطَئِهِ. قَوْله : ( عَنْ إِبْرَاهِيم ) فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْد " أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيم " أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَالْحُمَيْدِيّ فِي مَسَانِيدهمْ عَنْهُ , وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عِنْد أَحْمَد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ " أَنَّ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن حُنَيْنٍ مَوْلَى اِبْن عَبَّاس أَخْبَرَهُ " كَذَا قَالَ " مَوْلَى اِبْن عَبَّاس " وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ وَالْمَشْهُور أَنَّ حُنَيْنًا كَانَ مَوْلًى لِلْعَبَّاسِ وَهَبَهُ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْلَاده مَوَالٍ لَهُ. قَوْله : ( أَنَّ اِبْن عَبَّاس ) فِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ عِنْد أَبِي عَوَانَة كُنْت مَعَ اِبْن عَبَّاس وَالْمِسْوَر. قَوْله : ( بِالْأَبْوَاءِ ) أَيْ وَهُمَا نَازِلَانِ بِهَا , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ " بِالْعَرْجِ " وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّله وَإِسْكَان ثَانِيه : قَرْيَة جَامِعَة قَرِيبَة مِنْ الْأَبْوَاء. قَوْله : ( إِلَى أَبِي أَيُّوب ) زَادَ اِبْن جُرَيْجٍ فَقَالَ " قُلْ لَهُ يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام اِبْن أَخِيك عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَيَسْأَلك ". قَوْله : ( بَيْن الْقَرْنَيْنِ ) أَيْ قَرْنَيْ الْبِئْر , وَكَذَا هُوَ لِبَعْضِ رُوَاة الْمُوَطَّإ , وَكَذَا فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ , وَهُمَا الْعُودَانِ - أَيْ الْعَمُودَانِ - الْمُنْتَصِبَانِ لِأَجْلِ عُود الْبَكَرَة. قَوْله : ( أَرْسَلَنِي إِلَيْك عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس يَسْأَلك كَيْف كَانَ إِلَخْ ) قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الظَّاهِر أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ عِنْده فِي ذَلِكَ نَصّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهُ عَنْ أَبِي أَيُّوب أَوْ غَيْره , وَلِهَذَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن حُنَيْنٍ لِأَبِي أَيُّوب : يَسْأَلك كَيْف كَانَ يَغْسِل رَأْسه ؟ وَلَمْ يَقُلْ هَلْ كَانَ يَغْسِل رَأْسه أَوْ لَا عَلَى حَسَب مَا وَقَعَ فِيهِ اِخْتِلَاف بَيْن الْمِسْوَر وَابْن عَبَّاس. قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَبْد اللَّه بْن حُنَيْنٍ تَصَرَّفَ فِي السُّؤَال لِفِطْنَتِهِ , كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ سَلْهُ هَلْ يَغْتَسِل الْمُحْرِم أَوْ لَا ؟ فَجَاءَ فَوَجَدَهُ يَغْتَسِل , فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَغْتَسِل , فَأَحَبَّ أَنْ لَا يَرْجِع إِلَّا بِفَائِدَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ كَيْفِيَّة الْغُسْل , وَكَأَنَّهُ خَصَّ الرَّأْس بِالسُّؤَالِ لِأَنَّهَا مَوْضِع الْإِشْكَال فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة لِأَنَّهَا مَحَلّ الشَّعْر الَّذِي يُخْشَى اِنْتِتَافه بِخِلَافِ بَقِيَّة الْبَدَن غَالِبًا. قَوْله : ( فَطَأْطَأَهُ ) أَيْ أَزَالَهُ عَنْ رَأْسه , وَفِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ " جَمَعَ ثِيَابه إِلَى صَدْره حَتَّى نَظَرْت إِلَيْهِ " وَفِي رِوَايَة اِبْن جُرَيْجٍ " حَتَّى رَأَيْت رَأْسه وَوَجْهه ". قَوْله : ( لِإِنْسَانٍ ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , ثُمَّ قَالَ أَيْ أَبُو أَيُّوب " هَكَذَا رَأَيْته - أَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَل " زَادَ اِبْن عُيَيْنَةَ " فَرَجَعْت إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرْتهمَا , فَقَالَ الْمِسْوَر لِابْنِ عَبَّاس : لَا أُمَارِيك أَبَدًا " أَيْ لَا أُجَادِلك. وَأَصْل الْمِرَاء اِسْتِخْرَاج مَا عِنْد الْإِنْسَان , يُقَال أَمْرَى فُلَان فُلَانًا إِذَا اِسْتَخْرَجَ مَا عِنْده. قَالَهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ , وَأُطْلِقَ ذَلِكَ فِي الْمُجَادَلَة لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَجَادِلَيْنِ يَسْتَخْرِج مَا عِنْد الْآخَر مِنْ الْحُجَّة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد مُنَاظَرَة الصَّحَابَة فِي الْأَحْكَام , وَرُجُوعهمْ إِلَى النُّصُوص , وَقَبُولهمْ لِخَبَرِ الْوَاحِد وَلَوْ كَانَ تَابِعِيًّا , وَأَنَّ قَوْل بَعْضهمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى بَعْض. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَوْ كَانَ مَعْنَى الِاقْتِدَاء فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ " يُرَاد بِهِ الْفَتْوَى لَمَا اِحْتَاجَ اِبْن عَبَّاس إِلَى إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَى دَعْوَاهُ بَلْ كَانَ يَقُول لِلْمِسْوَرِ أَنَا نَجْم وَأَنْتَ نَجْم فَبِأَيِّنَا اقْتَدَى مَنْ بَعْدنَا كَفَاهُ , وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الْمُزَنِيُّ وَغَيْره مِنْ أَهْل النَّظَر أَنَّهُ فِي النَّقْل , لِأَنَّ جَمِيعهمْ عُدُول. وَفِيهِ اِعْتِرَاف لِلْفَاضِلِ بِفَضْلِهِ , وَإِنْصَاف الصَّحَابَة بَعْضهمْ بَعْضًا , وَفِيهِ اِسْتِتَار الْغَاسِل عِنْد الْغُسْل , وَالِاسْتِعَانَة فِي الطَّهَارَة , وَجَوَاز الْكَلَام وَالسَّلَام حَالَة الطَّهَارَة , وَجَوَاز غَسْل الْمُحْرِم وَتَشْرِيبه شَعْره بِالْمَاءِ وَدَلْكه بِيَدِهِ إِذَا أَمِنَ تَنَاثُره , وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيّ عَلَى وُجُوب الدَّلْك فِي الْغُسْل قَالَ : لِأَنَّ الْغُسْل لَوْ كَانَ يَتِمّ بِدُونِهِ لَكَانَ الْمُحْرِم أَحَقّ بِأَنْ يَجُوز لَهُ تَرْكه , وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ تَخْلِيل شَعْر اللِّحْيَة فِي الْوُضُوء بَاقٍ عَلَى اِسْتِحْبَابه , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُكْرَه كَالْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّة خَشْيَة اِنْتِتَاف الشَّعْر , لِأَنَّ فِي الْحَدِيث " ثَمَّ حَرَّكَ رَأْسه بِيَدِهِ " وَلَا فَرْق بَيْن شَعْر الرَّأْس وَاللِّحْيَة إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّ شَعْر الرَّأْس أَصْلَب , وَالتَّحْقِيق أَنَّهُ خِلَاف الْأَوْلَى فِي حَقّ بَعْض دُون بَعْض , قَالَهُ السُّبْكِيّ الْكَبِير , وَاللَّه أَعْلَم.