💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد ) هُوَ الْجُعْفِيُّ , وَهَذَا أَحَد الْأَحَادِيث الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ عَنْ شَيْخه أَبِي عَاصِم النَّبِيل بِوَاسِطَةٍ. قَوْله : ( لَمَّا بُنِيَتْ الْكَعْبَة ) هَذَا مِنْ مُرْسَل الصَّحَابِيّ لِأَنَّ جَابِرًا لَمْ يُدْرِك هَذِهِ الْقِصَّة , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَمِعَهَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِمَّنْ حَضَرَهَا مِنْ الصَّحَابَة , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْم فِي " الدَّلَائِل " مِنْ طَرِيق اِبْن لَهِيعَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر قَالَ " سَأَلْتُ جَابِرًا هَلْ يَقُوم الرَّجُل عُرْيَانًا ؟ فَقَالَ : أَخْبَرَنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا اِنْهَدَمَتْ الْكَعْبَة نَقَلَ كُلّ بَطْن مِنْ قُرَيْش وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقَلَ مَعَ الْعَبَّاس , وَكَانُوا يَضَعُونَ ثِيَابهمْ عَلَى الْعَوَاتِق يَتَقَوَّوْنَ بِهَا - أَيْ عَلَى حَمْل الْحِجَارَة - فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاعْتَقَلَتْ رِجْلِي فَخَرَرْت وَسَقَطَ ثَوْبِي فَقُلْت لِلْعَبَّاسِ : هَلُمَّ ثَوْبِي , فَلَسْت أَتَعَرَّى بَعْدهَا إِلَّا إِلَى الْغُسْل " لَكِنَّ اِبْنَ لَهِيعَة ضَعِيف , وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْد الْعَزِيز بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِي الزُّبَيْر ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْم فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا وَإِلَّا فَقَدْ حَضَرَهُ مِنْ الصَّحَابَة الْعَبَّاس كَمَا فِي حَدِيث الْبَاب , فَلَعَلَّ جَابِرًا حَمَلَهُ عَنْهُ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا , وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِل " مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن أَبِي قَيْس , وَالطَّبَرِيّ فِي التَّهْذِيب مِنْ طَرِيق هَارُون بْن الْمُغِيرَة , وَأَبُو نُعَيْم فِي " الْمَعْرِفَة " مِنْ طَرِيق قَيْس بْن الرَّبِيع , وَفِي " الدَّلَائِل " مِنْ طَرِيق شُعَيْب بْن خَالِد كُلّهمْ عَنْ سِمَاك بْن حَرْب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس حَدَّثَنِي أَبِي الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب قَالَ " لَمَّا بَنَتْ قُرَيْش الْكَعْبَة اِنْفَرَدَتْ رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ يَنْقُلُونَ الْحِجَارَة , فَكُنْت أَنَا وَابْن أَخِي , جَعَلْنَا نَأْخُذ أُزُرَنَا فَنَضَعهَا عَلَى مَنَاكِبنَا وَنَجْعَل عَلَيْهَا الْحِجَارَة , فَإِذَا دَنَوْنَا مِنْ النَّاس لَبِسْنَا أُزُرَنَا , فَبَيْنَمَا هُوَ أَمَامِي إِذْ صُرِعَ فَسَعَيْت وَهُوَ شَاخِص بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاء قَالَ فَقُلْت لِابْنِ أَخِي : مَا شَأْنك ؟ قَالَ : نُهِيت أَنْ أَمْشِي عُرْيَانًا قَالَ فَكَتَمْته حَتَّى أَظْهَرَ اللَّه نُبُوَّته " تَابَعَهُ الْحَكَم بْن أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَة أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم أَيْضًا , وَرَوَى ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ طَرِيق النَّضْر أَبِي عُمَر عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس لَيْسَ فِيهِ الْعَبَّاس وَقَالَ فِي آخِره " فَكَانَ أَوَّل شَيْء رَأَى مِنْ النُّبُوَّة " وَالنَّضْر ضَعِيف , وَقَدْ خَبَطَ فِي إِسْنَاده وَفِي مَتْنه , فَإِنَّهُ جَعَلَ الْقِصَّة فِي مُعَالَجَة زَمْزَم بِأَمْرِ أَبِي طَالِب وَهُوَ غُلَام , وَكَذَا رَوَى اِبْن إِسْحَاق فِي " السِّيرَة " عَنْ أَبِيهِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنِّي لَمَعَ غِلْمَان هُمْ أَسْنَانِي قَدْ جَعَلْنَا أُزُرَنَا عَلَى أَعْنَاقنَا لِحِجَارَةٍ نَنْقُلهَا إِذْ لَكَمَنِي لَاكِم لَكَمَة شَدِيدَة ثُمَّ قَالَ : اُشْدُدْ عَلَيْك إِزَارك " فَكَأَنَّ هَذِهِ قِصَّة أُخْرَى , وَاغْتَرَّ بِذَلِكَ الْأَزْرَقِيّ فَحَكَى قَوْلًا " إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بُنِيَتْ الْكَعْبَة كَانَ غُلَامًا " وَلَعَلَّ عُمْدَته فِي ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ , وَلِحَدِيثِ مَعْمَر شَاهِد مِنْ حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَمِنْ طَرِيقه الْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيِّ قَالَ " كَانَتْ الْكَعْبَة فِي الْجَاهِلِيَّة مَبْنِيَّة بِالرَّضْمِ لَيْسَ فِيهَا مَدَر , وَكَانَتْ قَدْر مَا يَقْتَحِمهَا الْعَنَاق , وَكَانَتْ ثِيَابهَا تُوضَع عَلَيْهَا تُسْدَل سَدْلًا , وَكَانَتْ ذَات رُكْنَيْنِ كَهَيْئَةِ هَذِهِ الْحَلْقَة : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَقْبَلَتْ سَفِينَة مِنْ الرُّوم , حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْ جَدَّة اِنْكَسَرَتْ , فَخَرَجَتْ قُرَيْش لِتَأْخُذ خَشَبهَا فَوَجَدُوا الرُّومِيّ الَّذِي فِيهَا نَجَّارًا فَقَدِمُوا بِهِ بِالْخَشَبِ لِيَبْنُوا بِهِ الْبَيْت , فَكَانُو كُلَّمَا أَرَادُوا الْقُرْب مِنْهُ لِهَدْمِهِ بَدَتْ لَهُمْ حَيَّة فَاتِحَة فَاهَا , فَبَعَثَ اللَّه طَيْرًا أَعْظَمَ مِنْ النَّسْر فَغَرَزَ مَخَالِبه فِيهَا فَأَلْقَاهَا نَحْو أَجْيَاد , فَهَدَمَتْ قُرَيْش الْكَعْبَة وَبَنَوْهَا بِحِجَارَةِ الْوَادِي , فَرَفَعُوهَا فِي السَّمَاء عِشْرِينَ ذِرَاعًا. فَبَيْنَمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِل الْحِجَارَة مِنْ أَجْيَاد وَعَلَيْهِ نَمِرَة فَضَاقَتْ عَلَيْهِ النَّمِرَة فَذَهَبَ يَضَعهَا عَلَى عَاتِقه فَبَدَتْ عَوْرَته مِنْ صِغَرهَا , فَنُودِيَ : يَا مُحَمَّد خَمِّرْ عَوْرَتك , فَلَمْ يُرَ عُرْيَانًا بَعْدَ ذَلِكَ , وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمَبْعَث خَمْس سِنِينَ " قَالَ مَعْمَر : وَأَمَّا الزُّهْرِيّ فَقَالَ " لَمَّا بَلَغَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُلُم أَجْمَرَتْ اِمْرَأَة الْكَعْبَة فَطَارَتْ شَرَارَة مِنْ مِجْمَرهَا فِي ثِيَاب الْكَعْبَة فَاحْتَرَقَتْ , فَتَشَاوَرَتْ قُرَيْش فِي هَدْمهَا وَهَابُوهُ , فَقَالَ الْوَلِيد : إِنَّ اللَّه لَا يُهْلِك مَنْ يُرِيد الْإِصْلَاح , فَارْتَقَى عَلَى ظَاهِر الْبَيْت وَمَعَهُ الْعَبَّاس فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا نُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح , ثُمَّ هَدَمَ. فَلَمَّا رَأَوْهُ سَالِمًا تَابَعُوهُ " قَالَ عَبْد الرَّزَّاق وَأَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ مُجَاهِد " كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَبْعَث بِخَمْسَ عَشْرَة سَنَة " وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم بِإِسْنَادٍ لَهُ , وَبِهِ جَزَمَ مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي مَغَازِيه وَالْأَوَّل أَشْهَر , وَبِهِ جَزَمَ اِبْن إِسْحَاق. وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا بِأَنْ يَكُون الْحَرِيق تَقَدَّمَ وَقْته عَلَى الشُّرُوع فِي الْبِنَاء , وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق " أَنَّ السَّيْل كَانَ يَأْتِي فَيُصِيب الْكَعْبَة فَيَتَسَاقَط مِنْ بِنَائِهَا , وَكَانَ رَضْمًا فَوْق الْقَامَة , فَأَرَادَتْ قُرَيْش رَفْعهَا وَتَسْقِيفهَا , وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْز الْكَعْبَة " فَذَكَرَ الْقِصَّة مُطَوَّلًا فِي بِنَائِهِمْ الْكَعْبَة وَفِي اِخْتِلَافهمْ فِيمَنْ يَضَع الْحَجَر الْأَسْوَد حَتَّى رَضُوا بِأَوَّلِ دَاخِل , فَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَّمُوهُ فِي ذَلِكَ فَوَضَعَهُ بِيَدِهِ. قَالَ " وَكَانَتْ الْكَعْبَة عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَة عَشْر ذِرَاعًا " وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ اِبْن خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْل أَنَّ اِسْم النَّجَّار الْمَذْكُور بَاقُوم , وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ مِثْله , قَالَ " وَكَانَ يَتَّجِر إِلَى بَنْدَر وَرَاء سَاحِل عَدَن , فَانْكَسَرَتْ سَفِينَته بِالشُّعَيْبَةِ , فَقَالَ لِقُرَيْشٍ : إِنْ أَجْرَيْتُمْ عِيرِي مَعَ عِيركُمْ إِلَى الشَّام أَعْطَيْتُكُمْ الْخَشَب , فَفَعَلُوا " وَرَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فِي جَامِعه عَنْ عَمْرو بْن دِينَار أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول " اِسْم الَّذِي بَنَى الْكَعْبَة لِقُرَيْشٍ بَاقُوم , وَكَانَ رُومِيًّا " وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ " كَانَ طُولهَا سَبْعَة وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا , فَاقْتَصَرَتْ قُرَيْش مِنْهَا عَلَى ثَمَانِيَة عَشْر , وَنَقَصُوا مِنْ عَرْضهَا أَذْرُعًا أَدْخَلُوهَا فِي الْحِجْر ". قَوْله : ( فَخَرَّ إِلَى الْأَرْض ) فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن دِينَار الْمَاضِيَة فِي " بَاب كَرَاهِيَة التَّعَرِّي " مِنْ أَوَائِل الصَّلَاة " فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ". قَوْله : ( فَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمِيم أَيْ اِرْتَفَعَتَا , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَارَ يَنْظُر إِلَى فَوْق. وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ فِي أَوَائِل السِّيرَة النَّبَوِيَّة " ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ ". قَوْله : ( أَرِنِي إِزَارِي ) أَيْ أَعْطِنِي , وَحَكَى اِبْن التِّين كَسْر الرَّاء وَسُكُونهَا وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا , وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق الْآتِيَة " إِزَارِي إِزَارِي " بِالتَّكْرِيرِ. قَوْله : ( فَشَدَّهُ عَلَيْهِ ) زَادَ زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق " فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا " وَقَدْ تَقَدَّمَ شَاهِدهَا مِنْ حَدِيث أَبِي الطُّفَيْل.