" مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُتَوَفَّى لَهُمَا ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ " .
" مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلاَثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ، إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ ".
(الحنث) سن التكليف الذي يكتب فيه الإثم على المذنب. وقد يطلق الحنث على الذنب والإثم. (بفضل رحمته إياهم) لمزيد رحمة الله تعالى للأولاد الذين ماتوا صغارا يشمل بهذه الرحمة آباءهم
قَوْله ( حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز ) هُوَ اِبْن صُهَيْب وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. قَوْله : ( مَا مِنْ النَّاس مِنْ مُسْلِم ) قَيَّدَهُ بِهِ لِيَخْرُج الْكَافِر , وَمِنْ الْأُولَى بَيَانِيَّة وَالثَّانِيَة زَائِدَة , وَسَقَطَتْ مِنْ فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّة عَنْ عَبْد الْعَزِيز كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز , و " مُسْلِم " اِسْم مَا وَالِاسْتِثْنَاء وَمَا مَعَهُ الْخَبَر , وَالْحَدِيث ظَاهِر فِي اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ لَكِنْ هَلْ يَحْصُل ذَلِكَ لِمَنْ مَاتَ لَهُ أَوْلَاد فِي الْكُفْر ثُمَّ أَسْلَمَ ؟ فِيهِ نَظَر , وَيَدُلّ عَلَى عَدَم ذَلِكَ حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة الْأَشْجَعِي قَالَ " قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَاتَ لِي وَلَدَانِ , قَالَ : مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ فِي الْإِسْلَام أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة " أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ , وَعَنْ عَمْرو بْن عَبَسَة مَرْفُوعًا " مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد فِي الْإِسْلَام فَمَاتُوا قَبْل أَنْ يَبْلُغُوا أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة " أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا , وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ رَجَاء الْأَسْلَمِيَّة قَالَتْ " جَاءَتْ اِمْرَأَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه اُدْعُ اللَّه لِي فِي اِبْن لِي بِالْبَرَكَةِ فَإِنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ لَهُ ثَلَاثَة , فَقَالَ : أَمُنْذُ أَسْلَمْت ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ". فَذَكَرَ الْحَدِيث. قَوْله : ( يُتَوَفَّى لَهُ ) بِضَمِّ أَوَّله وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ الْمَذْكُورَة " مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُتَوَفَّى لَهُمَا " وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد مِنْ وَلَده الرَّجُل حَقِيقَة , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة النَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَة مِنْ طَرِيق حَفْص عَنْ أَنَس فَفِيهَا " ثَلَاثَة مِنْ صُلْبه " , وَكَذَا حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر , وَهَلْ يَدْخُل فِي الْأَوْلَاد أَوْلَاد الْأَوْلَاد ؟ مَحَلّ بَحْث , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ أَوْلَاد الصُّلْب يَدْخُلُونَ وَلَا سِيَّمَا عِنْد فَقْد الْوَسَائِط بَيْنهمْ وَبَيْن الْأَب , وَفِي التَّقَيُّد بِكَوْنِهِمْ مِنْ صُلْبه مَا يَدُلّ عَلَى إِخْرَاج أَوْلَاد الْبَنَات. قَوْله : ( ثَلَاثَة ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الْمَوْجُود فِي غَيْر الْبُخَارِيّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيّ وَكَرِيمَة " ثَلَاث " بِحَذْفِ الْهَاء وَهُوَ جَائِز لِكَوْنِ الْمُمَيَّز مَحْذُوفًا. قَوْله : ( لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث ) ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون النُّون بَعْدهَا مُثَلَّثَة , وَحَكَى اِبْن قُرْقُول عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة وَفَسَّرَهُ بِأَنَّ الْمُرَاد لَمْ يَبْلُغُوا أَنْ يَعْمَلُوا الْمَعَاصِي , قَالَ وَلَمْ يَذْكُرهُ كَذَلِكَ غَيْره , وَالْمَحْفُوظ الْأَوَّل , وَالْمَعْنَى لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُم فَتُكْتَب عَلَيْهِمْ الْآثَام. قَالَ الْخَلِيل : بَلَغَ الْغُلَام الْحِنْث إِذَا جَرَى عَلَيْهِ الْقَلَم , وَالْحِنْث الذَّنْب قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْث الْعَظِيم ) وَقِيلَ الْمُرَاد بَلَغَ إِلَى زَمَان يُؤَاخَذ بِيَمِينِهِ إِذَا حَنِثَ , وَقَالَ الرَّاغِب : عَبَّرَ بِالْحِنْثِ عَنْ الْبُلُوغ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَان يُؤَاخَذ بِمَا يَرْتَكِبهُ فِيهِ بِخِلَافِ مَا قَبْله , وَخُصَّ الْإِثْم بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْصُل بِالْبُلُوغِ لِأَنَّ الصَّبِيّ قَدْ يُثَاب , وَخَصَّ الصَّغِير بِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّفَقَة عَلَيْهِ أَعْظَم وَالْحُبّ لَهُ أَشَدّ وَالرَّحْمَة لَهُ أَوْفَر , وَعَلَى هَذَا فَمَنْ بَلَعَ الْحِنْث لَا يَحْصُل لِمَنْ فَقَدَهُ مَا ذُكِرَ مِنْ هَذَا الثَّوَاب وَإِنْ كَانَ فِي فَقْد الْوَلَد أَجْر فِي الْجُمْلَة , وَبِهَذَا صَرَّحَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء , وَفَرَّقُوا بَيْن الْبَالِغ وَغَيْره بِأَنَّهُ يُتَصَوَّر مِنْهُ الْعُقُوق الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الرَّحْمَة بِخِلَافِ الصَّغِير فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّر مِنْهُ ذَلِكَ إِذْ لَيْسَ بِمُخَاطَبٍ , وَقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير : بَلْ يَدْخُل الْكَبِير فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيق الْفَحْوَى لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطِّفْل الَّذِي هُوَ كَلّ عَلَى أَبَوَيْهِ فَكَيْفَ لَا يَثْبُت فِي الْكَبِير الَّذِي بَلَغَ مَعَهُ السَّعْي وَوَصَلَ لَهُ مِنْهُ النَّفْع وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخِطَاب بِالْحُقُوقِ ؟ قَالَ : وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي إِلْغَاء الْبُخَارِيّ التَّقْيِيد بِذَلِكَ فِي التَّرْجَمَة. اِنْتَهَى. وَيُقَوِّي الْأَوَّل قَوْله فِي بَقِيَّة الْحَدِيث " بِفَضْلِ رَحْمَته إِيَّاهُمْ " لِأَنَّ الرَّحْمَة لِلصِّغَارِ أَكْثَر لِعَدَمِ حُصُول الْإِثْم مِنْهُمْ , وَهَلْ يَلْتَحِق بِالصِّغَارِ مَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا مَثَلًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ فَمَاتَ ؟ فِيهِ نَظَر لِأَنَّ كَوْنهمْ لَا إِثْم عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي الْإِلْحَاق , وَكَوْن الِامْتِحَان بِهِمْ يَخِفّ بِمَوْتِهِمْ يَقْتَضِي عَدَمه , وَلَمْ يَقَع التَّقْيِيد فِي طُرُق الْحَدِيث بِشِدَّةِ الْحُبّ وَلَا عَدَمه , وَكَانَ الْقِيَاس يَقْتَضِي ذَلِكَ لِمَا يُوجَد مِنْ كَرَاهَة بَعْض النَّاس لِوَلَدِهِ وَتَبَرُّمه مِنْهُ وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ ضَيِّق الْحَال , لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْوَلَد مَظِنَّة الْمَحَبَّة وَالشَّفَقَة نِيطَ بِهِ الْحُكْم وَإِنْ تَخَلَّفَ فِي بَعْض الْأَفْرَاد. قَوْله ( إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة ) فِي حَدِيث عُتْبَة بْن عَبْد اللَّه السُّلَمِيّ عِنْد اِبْن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَن نَحْو حَدِيث الْبَاب لَكِنْ فِيهِ " إِلَّا تَلَقَّوْهُ مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة الثَّمَانِيَة مِنْ أَيّهَا شَاءَ دَخَلَ " وَهَذَا زَائِد عَلَى مُطْلَق دُخُول الْجَنَّة , وَيَشْهَد لَهُ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة بْن قُرَّة عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا فِي أَثْنَاء حَدِيث " مَا يَسُرّك أَنْ لَا تَأْتِي بَابًا مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة إِلَّا وَجَدْته عِنْده يَسْعَى يُفْتَح لَك ". قَوْله ( بِفَضْلِ رَحْمَته إِيَّاهُمْ ) أَيْ بِفَضْلِ رَحْمَة اللَّه لِلْأَوْلَادِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : قِيلَ إِنَّ الضَّمِير فِي رَحْمَته لِلْأَبِ لِكَوْنِهِ كَانَ يَرْحَمهُمْ فِي الدُّنْيَا فَيُجَازَى بِالرَّحْمَةِ فِي الْآخِرَة وَالْأَوَّل أَوْلَى , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْه " بِفَضْلِ رَحْمَة اللَّه إِيَّاهُمْ " وَلِلنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ " إِلَّا غَفَرَ اللَّه لَهُمَا بِفَضْلِ رَحْمَته " وَلِلطَّبَرَانِيّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث الْحَارِث بْن أُقَيْش وَهُوَ بِقَافٍ وَمُعْجَمَة مُصَغَّر مَرْفُوعًا " مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَمُوت لَهُمَا أَرْبَعَة أَوْلَاد إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللَّه الْجَنَّة بِفَضْلِ رَحْمَته " وَكَذَا فِي حَدِيث عَمْرو بْن عَبَسَة كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " إِيَّاهُمْ " جِنْس الْمُسْلِم الَّذِي مَاتَ أَوْلَاده لَا الْأَوْلَاد , أَيْ بِفَضْلِ رَحْمَة اللَّه لِمَنْ مَاتَ لَهُمْ , قَالَ وَسَاغَ الْجَمْع لِكَوْنِهِ نَكِرَة فِي سِيَاق النَّفْي فَتُعَمَّمَ اِنْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ ظَاهِر لَيْسَ بِظَاهِرٍ , بَلْ فِي غَيْر هَذَا الطَّرِيق مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الضَّمِير لِلْأَوْلَادِ , فَفِي حَدِيث عَمْرو بْن عَبَسَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ " إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّه بِرَحْمَتِهِ هُوَ وَإِيَّاهُمْ الْجَنَّة " وَفِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة الْأَشْجَعِيّ الْمُقَدَّم ذِكْره " أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة بِفَضْلِ رَحْمَته إِيَّاهُمْ " قَالَهُ بَعْد قَوْله " مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ " فَوَضَح بِذَلِكَ أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله " إِيَّاهُمْ " لِلْأَوْلَادِ لَا لِلْآبَاءِ وَاَللَّه أَعْلَم.
" مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُتَوَفَّى لَهُمَا ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ " .
" مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ " .
" مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَمُوتُ بَيْنَهُمَا ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ " .
" مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَمُوتُ بَيْنَهُمَا ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمُ الْجَنَّةَ " . قَالَ " يُقَالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَيَقُولُونَ حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا فَيُقَالُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ " .
قُلْتُ مَاتَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَدَانِ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ فِي الْإِسْلَامِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمَا قَالَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَقِيَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ فَقَالَ أَنْتَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَلَدَيْنِ مَا قَالَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَقَالَ لَئِنْ قَالَهُ لِي أَ…
