💡 شرح فتح الباري
قَوْلُهُ : ( عَنْ اِبْنِ وَدِيعَة ) هُوَ عَبْد اللَّه , سَمَّاهُ أَبُو عَلِيّ الْحَنَفِيّ عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب بِهَذَا الْإِسْنَاد عِنْد الدَّارِمِيِّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ تَابِعِيّ جَلِيل , وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد فِي الصَّحَابَة , وَكَذَا اِبْن مَنْدَهْ , وَعَزَاهُ لِأَبِي حَاتِم. وَمُسْتَنَدهمْ أَنَّ بَعْض الرُّوَاة لَمْ يَذْكُر بَيْنه وَبَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَحَدًا , لَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِسَمَاعِهِ , فَالصَّوَاب إِثْبَات الْوَاسِطَة. وَهَذَا مِنْ الْأَحَادِيث الَّتِي تَتَبَّعَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى الْبُخَارِيّ وَذَكَرَ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ فَرَوَاهُ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْهُ هَكَذَا , وَرَوَاهُ اِبْن عَجْلَان عَنْهُ فَقَالَ : عَنْ أَبِي ذَرّ بَدَل سَلْمَان , وَأَرْسَلَهُ أَبُو مَعْشَر عَنْهُ فَلَمْ يَذْكُر سَلْمَان وَلَا أَبَا ذَرّ , وَرَوَاهُ عُبَيْد اللَّه الْعُمَرِيّ عَنْهُ فَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ا ه. وَرِوَايَة اِبْن عَجْلَان الْمَذْكُور عِنْد اِبْن مَاجَهْ وَرِوَايَة أَبِي مَعْشَر عِنْد سَعِيد بْن مَنْصُور وَرِوَايَة الْعُمَرِيّ عِنْد أَبِي يَعْلَى , فَأَمَّا اِبْن عَجْلَان فَهُوَ دُون اِبْن أَبِي ذِئْب فِي الْحِفْظ فَرِوَايَته مَرْجُوحَة , مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن وَدِيعَة سَمِعَهُ مِنْ أَبِي ذَرّ وَسَلْمَان جَمِيعًا , وَيُرَجَّح كَوْنه عَنْ سَلْمَان وُرُوده مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ , أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عَلْقَمَة بْن قَيْس عَنْ قَرْثَع الضَّبِّيّ , وَهُوَ بِقَافٍ مَفْتُوحَة وَرَاء سَاكِنَة ثُمَّ مُثَلَّثَة , قَالَ : وَكَانَ مِنْ الْقُرَّاء الْأَوَّلِينَ , وَعَنْ سَلْمَان نَحْوه وَرِجَاله ثِقَات , وَأَمَّا أَبُو مَعْشَر فَضَعِيف , وَقَدْ قَصَّرَ فِيهِ بِإِسْقَاطِ الصَّحَابِيّ , وَأَمَّا الْعُمَرِيّ فَحَافِظ وَقَدْ تَابَعَهُ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ سَعِيد عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنْ رَجُل عَنْ سَعِيد , وَأَخْرَجَهُ اِبْن السَّكَن مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد الرَّزَّاق وَزَادَ فِيهِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَة عُمَارَة بْن عَامِر الْأَنْصَارِيّ ا ه. وَقَوْلُهُ " اِبْن عَامِر " خَطَأٌ , فَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْث عَنْ اِبْن عَجْلَان عَنْ سَعِيد فَقَالَ " عُمَارَة بْن عَمْرو بْن حَزْم " أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ , وَبَيَّنَ الضَّحَّاك بْن عُثْمَان عَنْ سَعِيد أَنَّ عُمَارَة إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ سَلْمَان ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَأَفَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ سَعِيدًا حَضَرَ أَبَاهُ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ اِبْن وَدِيعَة , وَسَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن مَسْعَدَةَ وَقَاسِم بْن يَزِيد الْجَرْمِيّ كِلَاهُمَا عَنْ اِبْنِ أَبِي ذِئْب عَنْ سَعِيد عَنْ اِبْنِ وَدِيعَة لَيْسَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ , فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مَعَ أَبِيهِ مِنْ اِبْن وَدِيعَة , ثُمَّ اِسْتَثْبَتَ أَبَاهُ فِيهِ فَكَانَ يَرْوِيه عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ الطَّرِيق الَّتِي اِخْتَارَهَا الْبُخَارِيّ أَتْقَن الرِّوَايَات , وَبَقِيَّتهَا إِمَّا مُوَافِقَة لَهَا أَوْ قَاصِرَة عَنْهَا أَوْ يُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا. وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق , فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ لِابْنِ وَدِيعَة صُحْبَة فَفِيهِ تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ كُلّهمْ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة. قَوْلُهُ : ( وَيَتَطَهَّر مَا اِسْتَطَاعَ مِنْ الطُّهْر ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " مِنْ طُهْر " وَالْمُرَاد بِهِ الْمُبَالَغَة فِي التَّنْظِيف , وَيُؤْخَذ مِنْ عَطْفه عَلَى الْغُسْل أَنَّ إِفَاضَة الْمَاء تَكْفِي فِي حُصُول الْغُسْل , أَوْ الْمُرَاد بِهِ التَّنْظِيف بِأَخْذِ الشَّارِب وَالظُّفْر وَالْعَانَة , أَوْ الْمُرَاد بِالْغُسْلِ غَسْل الْجَسَد , وَبِالتَّطْهِيرِ غَسْل الرَّأْس. قَوْلُهُ : ( وَيَدَّهِن ) الْمُرَاد بِهِ إِزَالَة شَعَث الشَّعْر بِهِ وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى التَّزَيُّن يَوْم الْجُمُعَة. قَوْلُهُ : ( أَوْ يَمَسّ مِنْ طِيب بَيْته ) أَيْ إِنْ لَمْ يَجِد دُهْنًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاو , وَإِضَافَته إِلَى الْبَيْت تُؤْذِن بِأَنَّ السُّنَّة أَنْ يَتَّخِذ الْمَرْء لِنَفْسِهِ طِيبًا وَيَجْعَل اِسْتِعْمَاله لَهُ عَادَة فَيَدَّخِرهُ فِي الْبَيْت. كَذَا قَالَ بَعْضهمْ بِنَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْبَيْتِ حَقِيقَته , لَكِنْ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عِنْد أَبِي دَاوُدَ " أَوْ يَمَسّ مِنْ طِيب اِمْرَأَته " فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى إِنْ لَمْ يَتَّخِذ لِنَفْسِهِ طِيبًا فَلْيَسْتَعْمِلْ مِنْ طِيب اِمْرَأَته , وَهُوَ مُوَافِق لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْمَاضِي ذِكْرُهُ عِنْد مُسْلِم حَيْثُ قَالَ فِيهِ " وَلَوْ مِنْ طِيب الْمَرْأَة ". وَفِيهِ أَنَّ بَيْت الرَّجُل يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ اِمْرَأَته. وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْمَذْكُور مِنْ الزِّيَادَة " وَيَلْبَس مِنْ صَالِح ثِيَابه ". وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْد هَذَا. قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَخْرُج ) زَادَ فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ " إِلَى الْمَسْجِد " وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء " ثُمَّ يَمْشِي وَعَلَيْهِ السَّكِينَة ". قَوْلُهُ : ( فَلَا يُفَرِّق بَيْن اِثْنَيْنِ ) فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْمَذْكُور " ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَاب النَّاس ". وَفِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء " وَلَمْ يَتَخَطَّ أَحَدًا وَلَمْ يُؤْذِهِ ". قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ) فِي حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء " ثُمَّ يَرْكَع مَا قُضِيَ لَهُ " وَفِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب " فَيَرْكَع إِنْ بَدَا لَهُ ". قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُنْصِت إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَام ) زَادَ فِي رِوَايَة قَرْثَع الضَّبِّيّ " حَتَّى يَقْضِي صَلَاته " وَنَحْوه فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب. قَوْلُهُ : ( غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنه وَبَيْن الْجُمُعَة الْأُخْرَى ) فِي رِوَايَة قَاسِم بْن يَزِيد " حُطَّ عَنْهُ ذُنُوب مَا بَيْنه وَبَيْن الْجُمُعَة الْأُخْرَى " وَالْمُرَاد بِالْأُخْرَى الَّتِي مَضَتْ , بَيَّنَهُ اللَّيْث عَنْ اِبْنِ عَجْلَان فِي رِوَايَته عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَلَفْظه " غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنه وَبَيْن الْجُمُعَة الَّتِي قَبْلهَا " , وَلِابْنِ حِبَّان مِنْ طَرِيق سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنه وَبَيْن الْجُمُعَة الْأُخْرَى وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ الَّتِي بَعْدهَا " وَهَذِهِ الزِّيَادَة أَيْضًا فِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ عُمَارَة عَنْ سَلْمَان , لَكِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ الَّتِي بَعْدهَا , وَأَصْله عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِاخْتِصَارٍ وَزَادَ اِبْن مَاجَهْ فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " مَا لَمْ يَغْشَ الْكَبَائِر " وَنَحْوه لِمُسْلِمٍ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا كَرَاهَة التَّخَطِّي يَوْم الْجُمُعَة , قَالَ الشَّافِعِيّ : أَكْرَه التَّخَطِّيَ إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِد السَّبِيل إِلَى الْمُصَلَّى إِلَّا بِذَلِكَ ا ه. وَهَذَا يَدْخُل فِيهِ الْإِمَام وَمَنْ يُرِيد وَصْل الصَّفّ الْمُنْقَطِع إِنْ أَبَى السَّابِقُ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ يُرِيد الرُّجُوع إِلَى مَوْضِعه الَّذِي قَامَ مِنْهُ لِضَرُورَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ , وَاسْتَثْنَى الْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّة مَنْ يَكُون مُعَظَّمًا لِدِينِهِ أَوْ عِلْمه أَوْ أَلِفَ مَكَانًا يَجْلِس فِيهِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِي حَقّه , وَفِيهِ نَظَرٌ , وَكَانَ مَالِك يَقُول : لَا يُكْرَه التَّخَطِّي إِلَّا إِذَا كَانَ الْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة النَّافِلَة قَبْل صَلَاة الْجُمُعَة لِقَوْلِهِ " صَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ " ثُمَّ قَالَ " ثُمَّ يُنْصِت إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَام " فَدَلَّ عَلَى تَقَدُّم ذَلِكَ عَلَى الْخُطْبَة , وَقَدْ بَيَّنَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث نُبَيْشَة الْهُذَلِيّ بِلَفْظِ " فَإِنْ لَمْ يَجِد الْإِمَام خَرَجَ صَلَّى مَا بَدَا لَهُ " وَفِيهِ جَوَاز النَّافِلَة نِصْفَ النَّهَار يَوْم الْجُمُعَة , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّبْكِير لَيْسَ مِنْ اِبْتِدَاء الزَّوَال لِأَنَّ خُرُوج الْإِمَام يَعْقُب الزَّوَال فَلَا يَسَع وَقْتًا يَتَنَفَّل فِيهِ. وَتَبَيَّنَ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَكْفِير الذُّنُوب مِنْ الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة مَشْرُوط بِوُجُودِ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ مِنْ غُسْل وَتَنْظِيف وَتَطَيُّب أَوْ دَهْن وَلُبْس أَحْسَن الثِّيَاب وَالْمَشْي بِالسَّكِينَةِ وَتَرْك التَّخَطِّي وَالتَّفْرِقَة بَيْن الِاثْنَيْنِ وَتَرْك الْأَذَى وَالتَّنَفُّل وَالْإِنْصَات وَتَرْك اللَّغْو. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو " فَمَنْ تَخَطَّى أَوْ لَغَا كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا " وَدَلَّ التَّقْيِيد بِعَدَمِ غِشْيَان الْكَبَائِر عَلَى أَنَّ الَّذِي يُكَفَّر مِنْ الذُّنُوب هُوَ الصَّغَائِر فَتُحْمَل الْمُطْلَقَات كُلّهَا عَلَى هَذَا الْمُقَيَّد , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلُهُ " مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِر " أَيْ فَإِنَّهَا إِذَا غُشِيَتْ لَا تُكَفَّر , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ تَكْفِير الصَّغَائِر شَرْطه اِجْتِنَاب الْكَبَائِر إِذْ اِجْتِنَاب الْكَبَائِر بِمُجَرَّدِهِ يُكَفِّرهَا كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآن , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُكَفِّرهَا إِلَّا اِجْتِنَاب الْكَبَائِر , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ صَغَائِر تُكَفَّر رُجِيَ لَهُ أَنْ يُكَفَّر عَنْهُ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر , وَإِلَّا أُعْطِيَ مِنْ الثَّوَاب بِمِقْدَارِ ذَلِكَ , وَهُوَ جَارٍ فِي جَمِيع مَا وَرَدَ فِي نَظَائِر ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ.