💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( وَقَالَ لَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ , قِيلَ عَبَّرَ بِهَذِهِ الصِّيغَة لِأَنَّهُ مِمَّا أَخَذَهُ مِنْ شَيْخه فِي الْمُذَاكَرَة فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ حَدَّثَنَا , وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَحَمَّلَهُ بِالْإِجَازَةِ أَوْ الْمُنَاوَلَة أَوْ الْعَرْضِ , وَقِيلَ : هُوَ مُتَّصِلٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظ مُنْقَطِعٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ خِلَاف ذَلِكَ , وَهُوَ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ لَكِنَّهُ لَا يُعَبِّرُ بِهَذِهِ الصِّيغَة إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَتْنُ مَوْقُوفًا أَوْ كَانَ فِيهِ رَاوٍ لَيْسَ عَلَى شَرْطه , وَاَلَّذِي هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّل , وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ. قَوْله : ( عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن ) أَيْ اِبْن عَوْف , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ ". وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ , وَخَالَفَهُ يُونُس بْن يَزِيدَ فَقَالَ : عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيّ أَخْرَجَهُ عُمَر بْن شَبَّةَ فِي " كِتَاب مَقْتَل عُثْمَان " عَنْ غُنْدَر عَنْهُ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون لِلزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْخَانِ. قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيٍّ ) فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم " حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيِّ بْن الْخِيَارِ مِنْ بَنِي نَوْفَل بْن عَبْد مَنَافٍ " وَعُبَيْد اللَّه الْمَذْكُور تَابِعِيّ كَبِير مَعْدُود فِي الصَّحَابَة لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ عُثْمَان مِنْ أَقَارِبِ أُمِّهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه. قَوْله : ( إِنَّك إِمَامُ عَامَّةٍ ) أَيْ جَمَاعَةٍ , وَفِي رِوَايَة يُونُس " وَأَنْتَ الْإِمَام " أَيْ الْأَعْظَم. قَوْله : ( وَنَزَلَ بِك مَا نَرَى ) أَيْ مِنْ الْحِصَارِ. قَوْله : ( وَيُصَلِّي لَنَا ) أَيْ يَؤُمُّنَا. قَوْله : ( إِمَام فِتْنَة ) أَيْ رَئِيسُ فِتْنَة , وَاخْتُلِفَ فِي الْمُشَار إِلَيْهِ بِذَلِكَ فَقِيلَ : هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عُدَيْسٍ الْبَلْوِيُّ أَحَد رُءُوس الْمِصْرِيِّينَ الَّذِينَ حَصَرُوا عُثْمَانَ , قَالَهُ اِبْن وَضَّاح فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره , وَقَالَهُ اِبْن الْجَوْزِيّ وَزَادَ : إِنَّ كِنَانَةَ بْن بِشْر أَحَد رُءُوسِهِمْ صَلَّى بِالنَّاسِ أَيْضًا. قُلْت : وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا , فَإِنَّ سَيْفَ بْن عُمَر رَوَى حَدِيث الْبَاب فِي " كِتَاب الْفُتُوح " مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الزُّهْرِيّ بِسَنَدِهِ فَقَالَ فِيهِ " دَخَلْت عَلَى عُثْمَان وَهُوَ مَحْصُور وَكِنَانَةُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَقُلْت كَيْفَ تَرَى " الْحَدِيثَ. وَقَدْ صَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَ حُصِرَ عُثْمَان أَبُو أُمَامَةَ بْن سَهْل بْن حَنِيف الْأَنْصَارِيّ لَكِنْ بِإِذْنِ عُثْمَان , وَرَوَاهُ عُمَر بْن شَبَّةَ بِسَنَدٍ صَحِيح , وَرَوَاهُ اِبْن الْمَدِينِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي هُرَيْرَة. وَكَذَلِكَ صَلَّى بِهِمْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فِيمَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل الْخَطِّيُّ فِي " تَارِيخ بَغْدَاد " مِنْ رِوَايَة ثَعْلَبَةَ بْنِ يَزِيد الْحَمَّانِيِّ قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْم عِيد الْأَضْحَى جَاءَ عَلِيّ فَصَلَّى بِالنَّاسِ. وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك فِيمَا رَوَاهُ الْحَسَن الْحَلْوَانِيّ : لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ غَيْرَهَا. وَقَالَ غَيْره : صَلَّى بِهِمْ عِدَّة صَلَوَات وَصَلَّى بِهِمْ أَيْضًا سَهْل بْن حُنَيْفٍ , رَوَاهُ عُمَر بْن شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ. وَقِيلَ صَلَّى بِهِمْ أَيْضًا أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ وَطَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه , وَلَيْسَ وَاحِد مِنْ هَؤُلَاءِ مُرَادًا بِقَوْلِهِ إِمَام فِتْنَة. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَى قَوْله " إِمَام فِتْنَة " أَيْ إِمَامُ وَقْتِ فِتْنَة , وَعَلَى هَذَا لَا اِخْتِصَاص لَهُ بِالْخَارِجِيِّ. قَالَ : وَيَدُلّ عَلَى صِحَّة ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَان لَمْ يَذْكُر الَّذِي أَمَّهُمْ بِمَكْرُوهٍ بَلْ ذَكَرَ أَنَّ فِعْلَهُ أَحْسَنُ الْأَعْمَال. اِنْتَهَى. وَهَذَا مُغَايِر لِمُرَادِ الْمُصَنِّف مِنْ تَرْجَمَته , وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَمْ يَكُنْ قَوْله " وَنَتَحَرَّج " مُنَاسِبًا. قَوْله : ( وَنَتَحَرَّج ) فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك " وَإِنَّا لَنَتَحَرَّجُ مِنْ الصَّلَاة مَعَهُ " وَالتَّحَرُّج التَّأَثُّمُ , أَيْ نَخَاف الْوُقُوع فِي الْإِثْم , وَأَصْلُ الْحَرَج الضِّيقُ , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ لِلْإِثْمِ. لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى صَاحِبه. قَوْله : ( فَقَالَ الصَّلَاة أَحْسَن ) فِي رِوَايَة اِبْن الْمُبَارَك " أَنَّ الصَّلَاة أَحْسَنُ " وَفِي رِوَايَة مَعْقِلِ بْن زِيَاد عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ " مِنْ أَحْسَنِ ". قَوْله : ( فَإِذَا أَحْسَن النَّاس فَأَحْسِنْ ) ظَاهِره أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُ فِي الصَّلَاة مَعَهُمْ كَأَنَّهُ يَقُول لَا يَضُرُّك كَوْنُهُ مَفْتُونًا , بَلْ إِذَا أَحْسَنَ فَوَافِقْهُ عَلَى إِحْسَانه وَاتْرُكْ مَا اِفْتَتَنَ بِهِ , وَهُوَ الْمُطَابِق لِسِيَاقِ الْبَاب , وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الدَّاوُدِيُّ حَتَّى اِحْتَاجَ إِلَى تَقْدِير حَذْف فِي قَوْله إِمَام فِتْنَة , وَخَالَفَ اِبْن الْمُنِير فَقَالَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَأَى أَنَّ الصَّلَاة خَلْفَهُ لَا تَصِحّ فَحَادَ عَنْ الْجَوَاب بِقَوْلِهِ إِنَّ الصَّلَاة أَحْسَنُ , لِأَنَّ الصَّلَاة الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هِيَ الصَّلَاة الصَّحِيحَةُ , وَصَلَاة الْخَارِجِيّ غَيْرُ صَحِيحَة لِأَنَّهُ إِمَّا كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ. اِنْتَهَى. وَهَذَا قَالَهُ نُصْرَةً لِمَذْهَبِهِ فِي عَدَم صِحَّة الصَّلَاة خَلْفَ الْفَاسِق , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ سَيْفًا رَوَى فِي الْفُتُوح عَنْ سَهْل بْن يُوسُفَ الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَرِهَ النَّاس الصَّلَاة خَلْفَ الَّذِينَ حَصَرُوا عُثْمَان إِلَّا عُثْمَان فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ دَعَا إِلَى الصَّلَاة فَأَجِيبُوهُ. اِنْتَهَى. فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَقْصُوده بِقَوْلِهِ " الصَّلَاة أَحْسَن " الْإِشَارَة إِلَى الْإِذْن بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ , وَفِيهِ تَأْيِيد لِمَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّف مِنْ قَوْله إِمَام فِتْنَة , وَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق مَكْحُول قَالَ : قَالُوا لِعُثْمَانَ إِنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نُصَلِّيَ خَلْفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَصَرُوك , فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيث الزُّهْرِيّ. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ إِلَّا أَنَّهُ اِعْتَضَدَ. قَوْله : ( وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ ) فِيهِ تَحْذِير مِنْ الْفِتْنَة وَالدُّخُول فِيهَا وَمِنْ جَمِيع مَا يُنْكَرُ مِنْ قَوْل أَوْ فِعْلٍ أَوْ اِعْتِقَاد , وَفِي هَذَا الْأَثَر الْحَضّ عَلَى شُهُود الْجَمَاعَة وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَن الْفِتْنَة لِئَلَّا يَزْدَادَ تَفَرُّقُ الْكَلِمَة , وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاة خَلْفَ مَنْ تُكْرَهُ الصَّلَاة خَلْفَهُ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيل الْجَمَاعَة , وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى زَعْمِ أَنَّ الْجُمُعَة لَا يُجْزِئُ أَنْ تُقَامَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ. قَوْله : ( وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ ) بِضَمِّ الزَّاي هُوَ مُحَمَّد بْن الْوَلِيد. قَوْله : ( الْمُخَنَّث ) رَوَيْنَاهُ بِكَسْرِ النُّون وَفَتْحِهَا , فَالْأَوَّل الْمُرَاد بِهِ مَنْ فِيهِ تَكَسُّرٌ وَتَثَنٍّ وَتَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ. وَالثَّانِي الْمُرَاد بِهِ مَنْ يُؤْتَى , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَبْد الْمَلِك فِيمَا حَكَاهُ اِبْن التِّين مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْأَوَّل لَا مَانِع مِنْ الصَّلَاة خَلْفَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَصْلُ خِلْقَتِهِ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَاد مَنْ يَتَعَمَّد ذَلِكَ فَيَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ , وَلِهَذَا جَوَّزَ الدَّاوُدِيُّ أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا مُرَادًا. قَالَ اِبْن بَطَّال : ذَكَرَ الْبُخَارِيّ هَذِهِ الْمَسْأَلَة هُنَا لِأَنَّ الْمُخَنَّث مُفْتَتَنٌ فِي طَرِيقَتِهِ. قَوْله : ( إِلَّا مِنْ ضَرُورَة ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ ذَا شَوْكَةٍ أَوْ مِنْ جِهَته فَلَا تُعَطَّلُ الْجَمَاعَة بِسَبَبِهِ , وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِغَيْرِ قَيْدٍ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْهُ وَلَفْظه " قُلْت : فَالْمُخَنَّث ؟ قَالَ : لَا وَلَا كَرَامَةَ , لَا يُؤْتَمُّ بِهِ " وَهُوَ مَحْمُول عَلَى حَالَة الِاخْتِيَار.