💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ سُفْيَان ) هُوَ الثَّوْرِيّ , وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السَّبِيعِيُّ , وَعَبْد اللَّه بْن يَزِيد هُوَ الْخَطْمِيُّ , كَذَا وَقَعَ مَنْسُوبًا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَة لِشُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق , وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى خَطْمَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الطَّاء بَطْن مِنْ الْأَوْس , وَكَانَ عَبْد اللَّه الْمَذْكُور أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَة فِي زَمَن اِبْن الزُّبَيْر , وَوَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِي " بَاب رَفْع الْبَصَر فِي الصَّلَاة " أَنَّ أَبَا إِسْحَاق قَالَ " سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن يَزِيد يَخْطُب " , وَأَبُو إِسْحَاق مَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب لَكِنَّهُ سَمِعَ هَذَا عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ. وَفِيهِ لَطِيفَة وَهِيَ رِوَايَة صَحَابِيّ اِبْن صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ اِبْن صَحَابِيّ مِنْ الْأَنْصَار ثُمَّ مِنْ الْأَوْس وَكِلَاهُمَا سَكَنَ الْكُوفَة. قَوْله : ( وَهُوَ غَيْر كَذُوب ) الظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ كَلَام عَبْد اللَّه بْن يَزِيد وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ وَصَاحِب الْعُمْدَة , لَكِنْ رَوَى عَبَّاس الدُّورِيُّ فِي تَارِيخه عَنْ يَحْيَى بْن مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : قَوْله " هُوَ غَيْر كَذُوب " إِنَّمَا يُرِيد عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الرَّاوِيَ عَنْ الْبَرَاء لَا الْبَرَاء. وَلَا يُقَال لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر كَذُوب , يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَة إِنَّمَا تَحْسُنُ فِي مَشْكُوك فِي عَدَالَته وَالصَّحَابَة كُلُّهُمْ عُدُولٌ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَزْكِيَة. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : هَذَا الْقَوْل لَا يُوجِب تُهْمَةً فِي الرَّاوِي إِنَّمَا يُوجِب حَقِيقَةَ الصِّدْق لَهُ , قَالَ : وَهَذِهِ عَادَتُهُمْ إِذَا أَرَادُوا تَأْكِيد الْعِلْم بِالرَّاوِي وَالْعَمَل بِمَا رَوَى , كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول " سَمِعْت خَلِيلِي الصَّادِق الْمَصْدُوق ". وَقَالَ اِبْن مَسْعُود " حَدَّثَنِي الصَّادِق الْمَصْدُوق " وَقَالَ عِيَاض وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ : لَا وَصْمَ فِي هَذَا عَلَى الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّعْدِيل , وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ تَقْوِيَةَ الْحَدِيث إِذْ حَدَّثَ بِهِ الْبَرَاء وَهُوَ غَيْر مُتَّهَم , وَمِثْل هَذَا قَوْل أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيّ : حَدَّثَنِي الْحَبِيب الْأَمِين. وَقَدْ قَالَ اِبْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة فَذَكَرَهُمَا. قَالَ : وَهَذَا قَالُوهُ تَنْبِيهًا عَلَى صِحَّة الْحَدِيث لَا أَنَّ قَائِله قَصَدَ بِهِ تَعْدِيل رَاوِيه. وَأَيْضًا فَتَنْزِيه اِبْن مَعِين لِلْبَرَاءِ عَنْ التَّعْدِيل لِأَجْلِ صُحْبَته وَلَمْ يُنَزِّه عَنْ ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد لَا وَجْهَ لَهُ , فَإِنَّ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد مَعْدُود فِي الصَّحَابَة. اِنْتَهَى كَلَامه. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ أَخَذَ كَلَام الْخَطَّابِيِّ فَبَسَطَهُ وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ الْإِلْزَام الْأَخِير , وَلَيْسَ بِوَارِدٍ لِأَنَّ يَحْيَى بْن مَعِين لَا يُثْبِتُ صُحْبَةَ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , وَقَدْ نَفَاهَا أَيْضًا مُصْعَب الزَّبِيرِي وَتَوَقَّفَ فِيهَا أَحْمَد بْن حَنْبَل وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو دَاوُدَ وَأَثْبَتَهَا اِبْن الْبَرْقِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَآخَرُونَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْكَلَام حَدَّثَنِي الْبَرَاء وَهُوَ غَيْر مُتَّهَم كَمَا عَلِمْتُمْ فَثِقُوا بِمَا أُخْبِرُكُمْ بِهِ عَنْهُ , وَقَدْ اِعْتَرَضَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى التَّنْظِير الْمَذْكُور فَقَالَ : كَأَنَّهُ لَمْ يُلِمَّ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْم الْبَيَان , لِلْفَرْقِ الْوَاضِح بَيْنَ قَوْلنَا فُلَان صَدُوق وَفُلَان غَيْر كَذُوب لِأَنَّ فِي الْأَوَّل إِثْبَات الصِّفَة لِلْمَوْصُوفِ , وَفِي الثَّانِي نَفْيُ ضِدِّهَا عَنْهُ فَهُمَا مُفْتَرِقَانِ. قَالَ : وَالسِّرّ فِيهِ أَنَّ نَفْيَ الضِّدّ كَأَنَّهُ يَقَع جَوَابًا لِمَنْ أَثْبَتَهُ يُخَالِف إِثْبَات الصِّفَة. اِنْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَقَع فِي الْإِثْبَات بِالْمُطَابَقَةِ وَفِي النَّفْي بِالِالْتِزَامِ , لَكِنَّ التَّنْظِيرَ صَحِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى الْمُرَاد بِاللَّفْظَيْنِ , لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَزْكِيَة فِي حَقّ مَقْطُوع بِتَزْكِيَتِهِ فَيَكُون مِنْ تَحْصِيل الْحَاصِل , وَيَحْصُلُ الِانْفِصَال عَنْ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُرَاد بِكُلٍّ مِنْهُمَا تَفْخِيم الْأَمْر وَتَقْوِيَته فِي نَفْس السَّامِع. وَذَكَرَ اِبْن دَقِيق الْعِيد أَنَّ بَعْضهمْ اِسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَلَام عَبْد اللَّه بْن يَزِيد بِقَوْلِ أَبِي إِسْحَاق فِي بَعْض طُرُقه : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن يَزِيد وَهُوَ يَخْطُب يَقُول " حَدَّثَنَا الْبَرَاء وَكَانَ غَيْر كَذُوب " قَالَ وَهُوَ مُحْتَمَل أَيْضًا. قُلْت : لَكِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الْأَوَّل. وَقَدْ وَجَدْت الْحَدِيث مِنْ غَيْر طَرِيق أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد وَفِيهِ قَوْله أَيْضًا " حَدَّثَنَا الْبَرَاء وَهُوَ غَيْر كَذُوب " أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق مُحَارِبِ بْن دِثَارٍ قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن يَزِيد عَلَى الْمِنْبَر يَقُول. فَذَكَرَهُ. وَأَصْله فِي مُسْلِم , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ قَوْله " وَكَانَ غَيْر كَذُوب " وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّ الْكَلَام لِعَبْدِ اللَّه اِبْن يَزِيد , وَاللَّهُ أَعْلَم. ( فَائِدَةٌ ) : رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَد عَبْد اللَّه بْن يَزِيد هَذَا شَيْئًا يَدُلّ عَلَى سَبَب رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث , فَإِنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقه أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِالْكُوفَةِ فَكَانَ النَّاس يَضَعُونَ رُءُوسَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَضَعَ رَأْسه وَيَرْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَع رَأْسه , فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي إِنْكَاره عَلَيْهِمْ. قَوْله : ( إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ ) ) فِي رِوَايَة شُعْبَة " إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع " وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ " فَإِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع فَقَالَ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ نَزَلْ قِيَامًا ". قَوْله : ( لَمْ يَحْنِ ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّة وَسُكُون الْمُهْمَلَة أَيْ لَمْ يَثْنِ , يُقَال حَنَيْت الْعُودَ إِذَا ثَنَيْته. وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ " لَا يَحْنُو " وَهِيَ لُغَة صَحِيحَة يُقَال حَنَيْت وَحَنَوْت بِمَعْنًى. قَوْله : ( حَتَّى يَقَع سَاجِدًا ) فِي رِوَايَة إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق " حَتَّى يَضَع جَبْهَته عَلَى الْأَرْض " وَسَيَأْتِي فِي " بَاب سُجُود السَّهْو " , وَنَحْوه لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة زُهَيْر عَنْ أَبِي إِسْحَق , وَلِأَحْمَدَ عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة " حَتَّى يَسْجُد ثُمَّ يَسْجُدُونَ " وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن الْجَوْزِيّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُوم لَا يَشْرَع فِي الرُّكْن حَتَّى يُتِمَّهُ الْإِمَام , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا التَّأَخُّر حَتَّى يَتَلَبَّس الْإِمَام بِالرُّكْنِ الَّذِي يَنْتَقِل إِلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْرَع الْمَأْمُوم بَعْدَ شُرُوعه وَقَبْلَ الْفَرَاغ مِنْهُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَمْرو بْن حُرَيْثٍ عِنْدَ مُسْلِم " فَكَانَ لَا يَحْنِي أَحَد مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَسْتَتِمَّ سَاجِدًا " وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس " حَتَّى يَتَمَكَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ السُّجُود " وَهُوَ أَوْضَحُ فِي اِنْتِفَاء الْمُقَارَنَة. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الطُّمَأْنِينَة وَفِيهِ نَظَرٌ , وَعَلَى جَوَاز النَّظَر إِلَى الْإِمَام لِاتِّبَاعِهِ فِي اِنْتِقَالَاته. قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَان. نَحْوه ) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَكَرِيمَةَ , وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة عَنْ الصَّغَانِيِّ وَغَيْره عَنْ أَبِي نُعَيْم وَلَفْظه " كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْنِ أَحَد مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَبْهَتَهُ ".