💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّانُ. قَوْله : ( بِضَجْنَانَ ) ) هُوَ بِفَتْحِ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبِالْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ عَلَى وَزْنِ فَعْلَانَ غَيْر مَصْرُوف , قَالَ صَاحِب الصِّحَاح وَغَيْره : هُوَ جَبَلٌ بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى فِي ذَيْل الْغَرِيبِينَ : هُوَ مَوْضِعٌ أَوْ جَبَل بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَة. وَقَالَ صَاحِب الْمَشَارِق وَمَنْ تَبِعَهُ : هُوَ جَبَل عَلَى بَرِيدٍ مِنْ مَكَّةَ. وَقَالَ صَاحِب الْفَائِق : بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّة خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا , وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ وَادِي مُرَيْسِعَة أَمْيَال. اِنْتَهَى. وَهَذَا الْقَدْر أَكْثَر مِنْ بَرِيدَيْنِ. وَضَبْطُهُ بِالْأَمْيَالِ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ اِعْتِنَاءٍ , وَصَاحِب الْفَائِق مِمَّنْ شَاهَدَ تِلْكَ الْأَمَاكِن وَاعْتَنَى بِهَا , خِلَافَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَرَهَا أَصْلًا. وَيُؤَيِّدهُ مَا حَكَاهُ أَبُو عَبِيد الْبَكْرِيُّ قَالَ : وَبَيْنَ قُدَيْدٍ وَضَجْنَانَ يَوْمٌ. قَالَ مَعْبَدٌ الْخُزَاعِيُّ : قَدْ جَعَلْت مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي وَمَاء ضَجْنَانَ لَهَا ضُحَى الْغَد قَوْله : ( وَأَخْبَرَنَا ) أَيْ اِبْن عُمَر. قَوْله : ( كَانَ يَأْمُر مُؤَذِّنًا ) فِي رِوَايَة مُسْلِم كَانَ يَأْمُر الْمُؤَذِّنَ. قَوْله : ( ثُمَّ يَقُول عَلَى أَثَرِهِ ) صَرِيح فِي أَنَّ الْقَوْل الْمَذْكُور كَانَ بَعْدَ فَرَاغ الْأَذَان , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَمَّا ذَكَر رِوَايَة مُسْلِم بِلَفْظِ " يَقُول فِي آخِرِ نِدَائِهِ " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمُرَاد فِي آخِره قُبَيْلَ الْفَرَاغ مِنْهُ , جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس. اِنْتَهَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي " بَاب الْكَلَام فِي الْأَذَان " عَنْ اِبْن خُزَيْمَةَ أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عَلَى ظَاهِره , وَأَنَّ ذَلِكَ يُقَال بَدَلًا مِنْ الْحَيْعَلَةِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ مَعْنَى " حَيَّ عَلَى الصَّلَاة " هَلُمُّوا إِلَيْهَا , وَمَعْنَى " الصَّلَاة فِي الرِّحَالِ " تَأَخَّرُوا عَنْ الْمَجِيء وَلَا يُنَاسِبُ إِيرَاد اللَّفْظَيْنِ مَعًا لِأَنَّ أَحَدهمَا نَقِيض الْآخَر ا ه. وَيُمْكِنُ الْجَمْع بَيْنَهُمَا , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ مَا ذُكِرَ بِأَنْ يَكُون مَعْنَى الصَّلَاة فِي الرِّحَالِ رُخْصَة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَرَخَّصَ , وَمَعْنَى هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاة نَدْبٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَكْمِل الْفَضِيلَة وَلَوْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّة. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ حَدِيث جَابِر عِنْدَ مُسْلِم قَالَ : " خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ , فَمُطِرْنَا , فَقَالَ : لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ. قَوْله : ( فِي اللَّيْلَة الْبَارِدَة أَوْ الْمَطِيرَةِ ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ , وَإِسْنَاد الْمَطَر إِلَيْهَا مَجَازٌ , وَلَا يُقَال إِنَّهَا بِمَعْنَى مَفْعُولَة - أَيْ مَمْطُور فِيهَا - لِوُجُودِ الْهَاء فِي قَوْله مَطِيرَة إِذْ لَا يَصِحّ مَمْطُورَة فِيهَا ا ه. مُلَخَّصًا. وَقَوْله : ( أَوْ ) لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ , وَفِي صَحِيح أَبِي عَوَانَةَ " لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ أَوْ ذَاتُ رِيحٍ " وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَة عُذْرٌ فِي التَّأَخُّر عَنْ الْجَمَاعَة , وَنَقَلَ اِبْن بَطَّالٍ فِيهِ الْإِجْمَاع , لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّة أَنَّ الرِّيح عُذْرٌ فِي اللَّيْل فَقَطْ , وَظَاهِر الْحَدِيث اِخْتِصَاص الثَّلَاثَة بِاللَّيْلِ , لَكِنْ فِي السُّنَن مِنْ طَرِيق اِبْن إِسْحَاقَ عَنْ نَافِع فِي هَذَا الْحَدِيث " فِي اللَّيْلَة الْمَطِيرَة وَالْغَدَاة الْقَرَّة " , وَفِيهَا بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ حَدِيث أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّهُمْ مُطِرُوا يَوْمًا فَرَخَّصَ لَهُمْ " وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الْأَحَادِيث التَّرَخُّص بِعُذْرِ الرِّيح فِي النَّهَار صَرِيحًا , لَكِنَّ الْقِيَامَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ , وَقَدْ نَقَلَهُ اِبْن الرِّفْعَة وَجْهًا. قَوْله : ( فِي السَّفَر ) ظَاهِره اِخْتِصَاص ذَلِكَ بِالسَّفَرِ , وَرِوَايَة مَالِك عَنْ نَافِع الْآتِيَة فِي أَبْوَاب صَلَاة الْجَمَاعَة مُطْلَقَةٌ , وَبِهَا أَخَذَ الْجُمْهُور , لَكِنَّ قَاعِدَةَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ تَقْتَضِي أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُسَافِرِ مُطْلَقًا , وَيُلْحَق بِهِ مَنْ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مَشَقَّة فِي الْحَضَر دُونَ مَنْ لَا تَلْحَقهُ , وَاَللَّه أَعْلَم.