💡 شرح فتح الباري
قَوْلُهُ : ( عَنْ يُونُس ) هُوَ اِبْن يَزِيد. قَوْلُهُ : ( زَعَمَ عَطَاء ) هُوَ اِبْن أَبِي رَبَاح وَفِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ " عَنْ عَطَاء " , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْنِ وَهْب " حَدَّثَنِي عَطَاء ". قَوْلُهُ : ( أَنَّ جَابِر بْن عَبْد اللَّه زَعَمَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يَقُلْ زَعَمَ عَلَى وَجْه التُّهْمَة , لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمْرًا مُخْتَلَفًا فِيهِ أَتَى بِلَفْظِ الزَّعْم لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظ لَا يَكَاد يُسْتَعْمَل إِلَّا فِي أَمْر يُرْتَاب بِهِ أَوْ يُخْتَلَف فِيهِ. قُلْتُ : وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْقَوْل الْمُحَقَّق أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ , وَكَلَام الْخَطَّابِيِّ لَا يَنْفِي ذَلِكَ , وَفِي رِوَايَة أَحْمَد بْن صَالِح الْآتِيَة عَنْ جَابِر وَلَمْ يَقُلْ " زَعَمَ ". قَوْلُهُ : ( فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدنَا ) شَكّ مِنْ الرَّاوِي وَهُوَ الزُّهْرِيُّ , وَلَمْ تَخْتَلِف الرُّوَاة عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ : ( أَوْ لِيَقْعُدْ فِي بَيْته ) كَذَا لِأَبِي ذَرّ بِالشَّكِّ أَيْضًا , وَلِغَيْرِهِ " وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْته " بِوَاوِ الْعَطْف , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ , وَهِيَ أَخَصّ مِنْ الِاعْتِزَال لِأَنَّهُ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون فِي الْبَيْت أَوْ غَيْره. قَوْلُهُ : ( وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَذَا حَدِيث آخَر , وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى الْإِسْنَاد الْمَذْكُور , وَالتَّقْدِير وَحَدَّثَنَا سَعِيد بْن عُفَيْر بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ , وَقَدْ تَرَدَّدَ الْبُخَارِيّ فِيهِ هَلْ هُوَ مَوْصُول أَوْ مُرْسَل كَمَا سَيَأْتِي وَهَذَا الْحَدِيث الثَّانِي كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْحَدِيث الْأَوَّل بِسِتِّ سِنِينَ , لِأَنَّ الْأَوَّل تَقَدَّمَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر وَغَيْره أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة خَيْبَر وَكَانَتْ سَنَة سَبْع , وَهَذَا وَقَعَ فِي السَّنَة الْأُولَى عِنْد قُدُومه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة وَنُزُوله فِي بَيْت أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. قَوْلُهُ : ( أُتِيَ بِقِدْرٍ ) بِكَسْرِ الْقَاف وَهُوَ مَا يُطْبَخ فِيهِ , وَيَجُوز فِيهِ التَّأْنِيث وَالتَّذْكِير , وَالتَّأْنِيث أَشْهَر , لَكِنَّ الضَّمِير فِي قَوْلُهُ " فِيهِ خَضِرَات " يَعُود عَلَى الطَّعَام الَّذِي فِي الْقِدْر , فَالتَّقْدِير أُتِيَ بِقِدْرٍ مِنْ طَعَام فِيهِ خَضِرَات , وَلِهَذَا لَمَّا أَعَادَ الضَّمِير عَلَى الْقِدْر أَعَادَهُ بِالتَّأْنِيثِ حَيْثُ قَالَ " فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا " وَحَيْثُ قَالَ " قَرِّبُوهَا " وَقَوْلُهُ " خُضَرَات " بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَتَيْنِ كَذَا ضُبِطَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِ أَوَّله وَكَسْر ثَانِيه وَهُوَ جَمْع خَضِرَة , وَيَجُوز مَعَ ضَمّ أَوَّله ضَمُّ الضَّاد وَتَسْكِينهَا أَيْضًا. قَوْلُهُ : ( إِلَى بَعْض أَصْحَابه ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِيهِ النَّقْل بِالْمَعْنَى , إِذْ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْهُ بِهَذَا اللَّفْظ بَلْ قَالَ قَرِّبُوهَا إِلَى فُلَان مَثَلًا , أَوْ فِيهِ حَذْف أَيْ قَالَ قَرِّبُوهَا مُشِيرًا أَوْ أَشَارَ إِلَى بَعْض أَصْحَابه. قُلْتُ وَالْمُرَاد بِالْبَعْضِ أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ , فَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب فِي قِصَّة نُزُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ فَكَانَ يَصْنَع لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ - أَيْ بَعْد أَنْ يَأْكُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ - سَأَلَ عَنْ مَوْضِع أَصَابِع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَصَنَعَ ذَلِكَ مَرَّة فَقِيلَ لَهُ : لَمْ يَأْكُل , وَكَانَ الطَّعَام فِيهِ ثُوم , فَقَالَ : أَحَرَام هُوَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنْ أَكْرَههُ ". قَوْلُهُ : ( كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي ) أَيْ الْمَلَائِكَة , وَفِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب عِنْد اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّان مِنْ وَجْه آخَر " أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرْسِلَ إِلَيْهِ بِطَعَامٍ مِنْ خَضِرَة فِيهِ بَصَل أَوْ كُرَّاث فَلَمْ يَرَ فِيهِ أَثَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبِي أَنْ يَأْكُل , فَقَالَ لَهُ : مَا مَنَعَك ؟ قَالَ : لَمْ أَرَ أَثَر يَدك قَالَ : أَسْتَحِي مِنْ مَلَائِكَة اللَّه وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ " وَلَهُمَا مِنْ حَدِيث أُمّ أَيُّوب قَالَتْ : نَزَلَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّفْنَا لَهُ طَعَامًا فِيهِ بَعْض الْبُقُول , فَذَكَرَ الْحَدِيث نَحْوه وَقَالَ فِيهِ " كُلُوا , فَإِنِّي لَسْت كَأَحَدٍ مِنْكُمْ , إِنِّي أَخَاف أُوذِيَ صَاحِبِي ". قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَحْمَد بْن صَالِح عَنْ اِبْنِ وَهْب أُتِيَ بِبَدْرٍ ) مُرَاده أَنَّ أَحْمَد بْن صَالِح خَالَفَ سَعِيد بْن عُفَيْر فِي هَذِهِ اللَّفْظَة فَقَطْ وَشَارَكَهُ فِي سَائِر الْحَدِيث عَنْ اِبْن وَهْب بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام قَالَ " حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن صَالِح " فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ " أُتِيَ بِبَدْرٍ " وَفِيهِ قَوْل اِبْن وَهْب " يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خَضِرَات " , وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح , لَكِنْ أَخَّرَ تَفْسِير اِبْن وَهْب فَذَكَرَهُ بَعْد فَرَاغ الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي الطَّاهِر وَحَرْمَلَة كِلَاهُمَا عَنْ اِبْنِ وَهْب فَقَالَ " بِقِدْرٍ " بِالْقَافِ وَرَجَّحَ جَمَاعَة مِنْ الشُّرَّاح رِوَايَة أَحْمَد بْن صَالِح لِكَوْنِ اِبْن وَهْب فَسَّرَ " الْبَدْر " بِالطَّبَقِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ كَذَلِكَ , وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ لَفْظَة " بِقِدْرٍ " تَصْحِيف لِأَنَّهَا تُشْعِر بِالطَّبْخِ وَقَدْ وَرَدَ الْإِذْن بِأَكْلِ الْبُقُول مَطْبُوخَة , بِخِلَافِ الطَّبَق فَظَاهِره أَنَّ الْبُقُول كَانَتْ فِيهِ نِيئَة. وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ رِوَايَة " الْقِدْر " أَصَحّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب وَأُمّ أَيُّوب جَمِيعًا , فَإِنَّ فِيهِ التَّصْرِيح بِالطَّعَامِ , وَلَا تَعَارُض بَيْن اِمْتِنَاعه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَكْل الثُّوم وَغَيْره مَطْبُوخًا وَبَيْن إِذْنه لَهُمْ فِي أَكْل ذَلِكَ مَطْبُوخًا , فَقَدْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ " إِنِّي لَسْت كَأَحَدٍ مِنْكُمْ " وَتَرْجَمَ اِبْن خُزَيْمَةَ عَلَى حَدِيث أَبِي أَيُّوب ذَكَرَ مَا خَصَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِهِ مِنْ تَرْك أَكْل الثُّوم وَنَحْوه مَطْبُوخًا , وَقَدْ جَمَعَ الْقُرْطُبِيّ فِي " الْمُفْهِم " بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْقِدْر لَمْ يَنْضَج حَتَّى تَضْمَحِلّ رَائِحَته فَبَقِيَ فِي حُكْم النِّيء. قَوْلُهُ : ( بِبَدْرٍ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَهُوَ الطَّبَق , سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْقَمَرِ عِنْد كَمَالِهِ. قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَذْكُر اللَّيْث وَأَبُو صَفْوَان عَنْ يُونُس قِصَّة الْقِدْر ) أَمَّا رِوَايَة اللَّيْث فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي " الزُّهْرِيَّات " وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي صَفْوَان وَهُوَ الْأُمَوِيّ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْأَطْعِمَة عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ عَنْهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِيث الْأَوَّل وَكَذَا اِقْتَصَرَ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ. قَوْلُهُ : ( فَلَا أَدْرِي إِلَخْ ) هُوَ مِنْ كَلَام الْبُخَارِيّ , وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَلَام أَحْمَد بْن صَالِح أَوْ مَنْ فَوْقه , وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْأَصْل أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْحَدِيث مُتَّصِلًا بِهِ فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَجِيء الْبَيَان الْوَاضِح بِأَنَّهُ مُدْرَج فِيهِ.