تَرَوْنَ كَفِّي هَذِهِ فَأَشْهَدُ أَنِّي وَضَعْتُهَا عَلَى كَفِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَقَالَ إِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ
" لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ " . قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ .
( يَزِيد بْن قُبَيْس ) : بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَة مُصَغَّر بْن سُلَيْمَان الشَّامِيّ ثِقَة كَذَا فِي التَّقْرِيب ( مِنْ أَهْل جَبَلَةَ ) : بِالتَّحْرِيكِ قَلْعَة مَشْهُورَة بِسَاحِلِ الشَّام مِنْ أَعْمَال اللَّاذِقِيَّة قُرْب حَلَب. كَذَا فِي الْمَرَاصِد ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون السِّين ( قَالَ يَزِيد ) : اِبْن قُبَيْس دُون حُمَيْدِ بْن مَسْعَدَةَ ( الصَّمَّاء ) : أَيْ عَنْ أُخْته الصَّمَّاء , فَالصَّمَّاء اِسْم أُخْت عَبْد اللَّه بْن بُسْر. وَقَالَ فِي الْمِرْقَاة : الصَّمَّاء بِتَشْدِيدِ الْمِيم اِسْمهَا بَهِيَّة وَتُعْرَف بِالصَّمَّاءِ ( لَا تَصُومُوا يَوْم السَّبْت ) : أَيْ وَحْده ( إِلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُول ( عَلَيْكُمْ ) : أَيْ وَلَوْ بِالنَّذْرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : قَالُوا النَّهْي عَنْ الْإِفْرَاد كَمَا فِي الْجُمُعَة , وَالْمَقْصُود مُخَالَفَة الْيَهُود فِيهِمَا , وَالنَّهْي فِيهِمَا لِلتَّنْزِيهِ عِنْد الْجُمْهُور. وَمَا اُفْتُرِضَ يَتَنَاوَل الْمَكْتُوب وَالْمَنْذُور وَقَضَاء الْفَوَائِت وَصَوْم الْكَفَّارَة , وَفِي مَعْنَاهُ مَا وَافَقَ سُنَّة مُؤَكَّدَة كَعَرَفَة وَعَاشُورَاء أَوْ وَافَقَ وِرْدًا. وَزَادَ اِبْن الْمَلِك : وَعَشْر ذِي الْحِجَّة أَوْ فِي خَيْر الصِّيَام صِيَام دَاوُدَ فَإِنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ شِدَّة الِاهْتِمَام وَالْعِنَايَة بِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ وَاجِبًا كَمَا تَفْعَلهُ الْيَهُود. قُلْت : فَعَلَى هَذَا يَكُون النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ , وَأَمَّا عَلَى غَيْر هَذَا الْوَجْه فَهُوَ لِلتَّنْزِيهِ بِمُجَرَّدِ الْمُشَابَهَة : قَالَ الطِّيبِيُّ : وَاتَّفَقَ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ هَذَا النَّهْي وَالنَّهْي عَنْ إِفْرَاد الْجُمُعَة نَهْي تَنْزِيه لَا تَحْرِيم ( فَإِنْ لَمْ يَجِد أَحَدكُمْ إِلَّا لِحَاء عِنَب ) : هَكَذَا فِي بَعْض النُّسَخ وَفِي بَعْضهَا عِنَبَة قَالَ فِي الْقَامُوس : الْعِنَب مَعْلُوم وَاحِدَته عِنَبَة اِنْتَهَى وَاللِّحَاء بِكَسْرِ اللَّام قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : اللِّحَاء مَمْدُود وَهُوَ قِشْر الشَّجَر , وَالْعِنَبَة هِيَ الْحَبَّة مِنْ الْعِنَب. وَفِي الْمِرْقَاة : قِشْر حَبَّة وَاحِدَة مِنْ الْعِنَب اِسْتِعَارَة مِنْ قِشْر الْعُود ( أَوْ عُود شَجَرَة ) : عَطْفًا عَلَى اللِّحَاء ( فَلْيَمْضَغْهُ ) : بِفَتْحِ الضَّاد وَيُضَمّ فِي الْقَامُوس : مَضَغَهُ كَمَنَعَهُ وَنَصَرَهُ لَاكَهُ بِأَسْنَانِهِ , وَهَذَا تَأْكِيد بِالْإِفْطَارِ لِنَفْيِ الصَّوْم , قَالَهُ عَلِيّ الْقَارِي. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا الْحَدِيث مَنْسُوخ , وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حَسَن هَذَا آخِر كَلَامه وَقِيلَ إِنَّ الصَّمَّاء أُخْت بُسْر. وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ حَدِيث أَبِيهِ بُسْر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيث الصَّمَّاء عَنْ عَائِشَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ النَّسَائِيُّ : هَذِهِ أَحَادِيث مُضْطَرِبَة اِنْتَهَى كَلَام الْمُنْذِرِيِّ. وَالْحَدِيث أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالدَّارِمِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ : صَحَّحَهُ الْأَئِمَّة ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا الْحَدِيث مَنْسُوخ ) : ذَهَبَ إِلَى نَسْخه الْمُؤَلِّف. وَقَدْ طَعَنَ فِي هَذَا الْحَدِيث جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة مَالِك بْن أَنَس وَابْن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ , فَلَا تَغْتَرّ بِتَحْسِينِ التِّرْمِذِيّ وَتَصْحِيح الْحَاكِم , وَإِنْ ثَبَتَ تَحْسِينه فَلَا يُعَارِض حَدِيث جُوَيْرِيَةَ بِنْت الْحَارِث الَّذِي اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ. ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي تَعْلِيل الْكَرَاهَة , فَعَلَّلَهَا اِبْن عَقِيل : بِأَنَّهُ يَوْم يُمْسِك فِيهِ الْيَهُود , وَيَخُصُّونَهُ بِالْإِمْسَاكِ , وَهُوَ تَرْك الْعَمَل فِيهِ , وَالصَّائِم فِي مَظِنَّة تَرْك الْعَمَل , فَيَصِير صَوْمه تَشَبُّهًا بِهِمْ , وَهَذِهِ الْعِلَّة مُنْتَفِيَة فِي الْأَحَد. وَلَا يُقَال : فَهَذِهِ الْعِلَّة مَوْجُودَة إِذَا صَامَهُ مَعَ غَيْره , وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُكْرَه , لِأَنَّهُ إِذَا صَامَهُ مَعَ غَيْره لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا تَخْصِيصه الْمُقْتَضِي لِلتَّشَبُّهِ , وَشَاهِده : اِسْتِحْبَاب صَوْم يَوْم قَبْل عَاشُورَاء وَبَعْده إِلَيْهِ , لِتَنْتَفِي صُورَة الْمُوَافَقَة. وَعَلَّلَهُ طَائِفَة أُخْرَى : بِأَنَّهُ يَوْم عِيد لِأَهْلِ الْكِتَاب يُعَظِّمُونَهُ , فَقَصْدُهُ بِالصَّوْمِ دُون غَيْره يَكُون تَعْظِيمًا لَهُ , فَكَرِهَ ذَلِكَ , كَمَا كَرِهَ إِفْرَاد يَوْم عَاشُورَاء بِالتَّعْظِيمِ , لِمَا عَظَّمَهُ أَهْل الْكِتَاب , وَإِفْرَاد رَجَب أَيْضًا لِمَا عَظَّمَهُ الْمُشْرِكُونَ. وَهَذَا التَّعْلِيل قَدْ يُعَارَض بِيَوْمِ الْأَحَد , فَإِنَّهُ يَوْم عِيد لِلنَّصَارَى , كَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْيَوْم لَنَا , وَغَدًا لِلْيَهُودِ , وَبَعْدُ لِلنَّصَارَى " وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُكْرَه صَوْمه. وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ يَوْم عِيد , فَقَدْ يُقَال : مُخَالَفَتهمْ فِيهِ يَكُون بِالصَّوْمِ لَا بِالْفِطْرِ , فَالصَّوْم فِيهِ تَحْقِيق لِلْمُخَالَفَة , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ : مَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِيث كُرَيْب مَوْلَى اِبْن عَبَّاس قَالَ " أَرْسَلَنِي اِبْن عَبَّاس وَنَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمّ سَلَمَة أَسْأَلُهَا : أَيّ الْأَيَّام كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرهَا صِيَامًا ؟ فَقَالَتْ : كَانَ يَصُوم السَّبْت وَيَوْم الْأَحَد أَكْثَر مَا يَصُوم مِنْ الْأَيَّام وَيَقُول : إِنَّهُمَا يَوْمًا عِيد لِلْمُشْرِكِينَ , فَأَنَا أُحِبّ أَنْ أُخَالِفهُمْ " وَصَحَّحَهُ بَعْض الْحُفَّاظ. فَهَذَا نَصٌّ فِي اِسْتِحْبَاب صَوْم يَوْم عِيدهمْ لِأَجْلِ مُخَالَفَتهمْ , فَكَيْف نُعَلِّل كَرَاهَة صَوْمه بِكَوْنِهِ عِيدًا لَهُمْ ! وَفِي جَامِع التِّرْمِذِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : " كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُوم مِنْ الشَّهْر السَّبْت , وَالْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ. وَمِنْ الشَّهْر الْآخَر الثُّلَاثَاء , وَالْأَرْبِعَاء , وَالْخَمِيس " قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حَسَن. وَقَدْ رَوَى اِبْن مَهْدِيّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ سُفْيَان , وَلَمْ يَرْفَعهُ. وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَيْسَا بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ كَرِهَ إِفْرَاد السَّبْت بِالصَّوْمِ. وَعَلَّلَهُ طَائِفَة : بِأَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ الْعَمَل فِيهِ , وَالصَّوْم مَظِنَّة ذَلِكَ , فَإِنَّهُ إِذَا ضَمّ إِلَيْهِ الْأَحَد زَالَ الْإِفْرَاد الْمَكْرُوه , وَحَصَلَتْ الْمُخَالَفَة بِصَوْمِ يَوْم فِطْرهمْ , وَزَالَ عَنْهَا صُورَة التَّعْظِيم الْمَكْرُوه بِعَدَمِ التَّخْصِيص الْمُؤْذِن بِالتَّعْظِيمِ , فَاتَّفَقَتْ بِحَمْدِ اللَّه الْأَحَادِيث وَزَالَ عَنْهَا الِاضْطِرَاب وَالِاخْتِلَاف , وَتَبَيَّنَ تَصْدِيق بَعْضهَا بَعْضًا. فَإِنْ قِيلَ : فَمَا تَقُولُونَ فِي صَوْم يَوْم النَّيْرُوز وَالْمِهْرَجَان وَنَحْوهمَا مِنْ أَعْيَاد الْمُشْرِكِينَ ؟
تَرَوْنَ كَفِّي هَذِهِ فَأَشْهَدُ أَنِّي وَضَعْتُهَا عَلَى كَفِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَقَالَ إِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ
قَالَ : " لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا كَذَا أَوْ لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهُ "
لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا مَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا عُودَ عِنَبٍ أَوْ لِحَى شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهَا
لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا لِحَى شَجَرَةٍ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهَا
أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا لَكِ وَلَا عَلَيْكِ
